بعد 6 أعوام من حكمه.. هل السيسي راضٍ عن المصريين؟

السيسي لم يتوقف يوما عن لوم المصريين واتهامهم بالمسؤولية عن تردي الأوضاع الاقتصادية (غيتي إيميجز)
السيسي لم يتوقف يوما عن لوم المصريين واتهامهم بالمسؤولية عن تردي الأوضاع الاقتصادية (غيتي إيميجز)

للوهلة الأولى، يبدو السؤال عن كيفية تقييم الرئيس عبد الفتاح السيسي لأداء الشعب المصري بعد 6 أعوام من بداية حكمه للبلاد معكوسا وساخرا، إلا أن المتابع لمسار إدارة السلطة لكثير من الملفات والقضايا قد يجد في هذا التساؤل ما يبرره.

فمنذ بداية حكمه في يونيو/حزيران 2014، لم يتوقف السيسي عن إلقاء اللوم على الشعب كضلع رئيسي -إن لم يكن وحيدا- في بطء ما تسميه السلطة مساعي الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وهكذا نجد سيلا من التصريحات، سواء على لسان الرئيس أو المسؤولين الحكوميين أو الإعلامين المحسوبين على السلطة، تنتقد ما تسميه غياب الوعي الشعبي وقلة المثابرة وانعدام روح المبادرة لدى المصريين، فضلا عن المشجب الكبير الذي تُعلق عليه الأزمة الاقتصادية وهو: الكثافة السكانية الناتجة عن عدم تحديد النسل.

وأمام اتهام الشعب بالتقصير أو عدم فعل ما يتوجب فعله نحو القضايا الملحة مثل النمو الاقتصادي، أو حتى غير الملحة مثل السمنة والبدانة، نجد الرئيس نفسه والمحسوبين على سلطته يتحدثون عن كثرة الإنجازات التي بالطبع لم يكن للمواطن دور في تحقيقها، فهي خالصة لصانعها السيسي.

وهكذا، فإن مصر وبعد 6 سنوات من الحكم العسكري، أمام فجوة مصطنعة بين إنجازات رئاسية لا يلمسها المواطن وتكاسل شعبي يراه الرئيس عائقا لازدهار البلاد، وفي تلك الحالة يصبح تقييم الحاكم لأداء الشعب أمرا خارجا عن إطار السخرية إلى واقع يعيشه المصريون.

ما قبل الحكم

يبدو أن وضع اللوم على أكتاف المواطن كان نهجا للسيسي قبل حتى أن يتفتح أمامه طريق الرئاسة، فبالعودة إلى تصريحاته وقت أن كان وزيرا للدفاع في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، نجده يبرر الفشل ويحاول إلقاء أسبابه على الشعب.

فخلال افتتاح مجمع طبي للقوات المسلحة قبل نحو شهر من الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، قال السيسي إن الأزمة الاقتصادية تسبب بها المواطن، قائلا: "لأن الشعب المصري عايز وبس، ولا يهمه أن يعرف من أين تأتي هذه الأموال".

وخلال الحملة الانتخابية لفترة ترشحه الأولى، تبين انعدام ثقة السيسي بالشعب الذي سيحكمه بعد فترة وجيزة، ففي أول لقاء تلفزيوني له والذي كان يفترض أن يتحدث فيه عن برنامجه الانتخابي، قال صراحة "لن أترك فرصة للناس لأن يتصرفوا من تلقاء أنفسهم".

وبالعودة للوراء قليلا، تتضح بشكل جلي نظرة الجنرال للشعب، فعبر تسجيل مُسرّب من ديسمبر/كانون الأول 2012، تحدث السيسي إلى عدد من رفاقه في الجيش قائلا "الجيش كأنه أخ كبير، أو أب عنده ابن فاشل إلى حد ما، ولا يستطيع فهم حقائق الحياة.. هل يقتل الأب الابن؟ أم أنه دائما ما يكون ملاذا له.. سوف أكون صبورا حتى يفهم ابني حقائق الحياة".

لوم الشعب

"أنا عملت اللي عليا وأنتم معملتوش اللي عليكم.. وأنا بأكلمكم بالذوق مش عاوز أزعلكم.. بتخلفوا كتير ودا سبب المشكلة.. مشكلتكم أنتم هتحلوها مش أنا".. يبدو هذا التصريح الذي أطلقه السيسي في يناير/كانون الثاني 2017، ملخصا لنظرة الرجل لنفسه وللشعب.

ويُهيأ لمن يستمع إلى هذا التصريح أن المتحدث عالم أو واعظ أو خبير تنمية بشرية، والآخرون مهملون لا يتحملون المسؤولية. والمثير أن السيسي عندما قال ذلك كان يرد على تساؤلات بشأن مصير وعدٍ أطلقه أثناء حملته الانتخابية، بأن تتحسن كل أمور البلاد في 6 أشهر تبدأ من أول يوم لتوليه السلطة.

واستطرد الرئيس "أنت قلت إنك هتخلص في 6 شهور.. كل اللي بطلبه منكم انتوا بتعملوه يا مصريين؟ سنتين برقة وذوق علشان ما زعلكمش. النمو السكاني بتاعنا أحد أهم العقبات الحقيقية في تقدمنا".

وتكرر طرح الزيادة السكانية كعائق أمام إنجازات السلطة في كثير من الأحاديث الرئاسية، لدرجة أن السيسي ساوى بينها وبين خطر الإرهاب، فصرّح في يوليو/تموز 2017 قائلا "أكبر خطرين بيواجهوا مصر هما الإرهاب والزيادة السكانية، لأن الزيادة السكانية بتقلل فرص مصر في إنها تقدر تطلع لقدام".

ولم يرض السيسي عن أداء الشعب فيما يخص الإجراءات التقشفية التي يعاني منها المواطن. ففي يوليو/تموز 2018، سخر من سلوكيات المصريين وإنفاقهم في شهر رمضان، قائلا "طيب إنتوا بتعملوا إيه في رمضان؟ ده ربع الأكل بيترمي".

وأضاف "مش رغبة مني أتعب الناس، مع الوضع في الاعتبار قولتلكم في الأول أنا مش هأقدر لوحدي.. قولتوا طيب.. هتتعبوا معايا قولتوا طيب.. وجايين في نص السكة تقولوا لا مش لاعبين".

وعلى نفس المسار، أزاح السيسي عن عاتقه أزمة غلاء الأسعار محملا أفرادا من الشعب المسؤولية، فاعتبر خلال كلمة متلفزة له في مارس/آذار 2019، التجار المتسبب الرئيسي في رفع ثمن السلعة، مطالبا المواطنين بالامتناع عن شراء كل ما يرتفع سعره.

وفي ملف مواجهة الإرهاب، لامت وسائل إعلامية تؤيد السلطة وخبراء أمنيون محسوبون عليها عدم تدخل المواطنين للإبلاغ عن المشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية، أو حتى عدم توقيف الإرهابيين قبل شروعهم في تنفيذ هجماتهم كما حدث في حادث كمين البدرشين.

تقييم السيسي للمصريين ذهب إلى نحو أبعد من المشكلات السياسية والاقتصادية، إذ بدأ يتحدث عن أوزانهم، وتكررت تصريحاته حول زيادة الوزن وضرورة اتباع نظام غذائي صحي.

وكانت المرة الأولى التي تحدث فيها الرئيس السيسي عن زيادة الأوزان في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، عندما علق على أوزان طلاب الجامعات قائلا "الولاد والبنات في الجامعة لازم وزنهم يقل.. دول أولادي، وعايز ولادي ينظر لهم بالبنان، نص الوزن عايز يتشال".

سد النهضة

وإلى جانب كل ما تعانيه البلاد من أزمات، يبرز ملف سد النهضة الإثيوبي كقضية تسير إلى حدود الكارثة في حال بدء أديس أبابا ملء السد، وهو ما سيترتب عليه قلة في حصة مصر من المياه.

وبالرغم من أن السيسي هو الذي وقع اتفاق المبادئ في مارس/آذار 2015 الذي تنازلت مصر بموجبه عن حقوقها التاريخية في مياه النيل، نجده خلال حديثه في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 عن مفاوضات سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان، يلقي بالمسؤولية على عاتق البرلمان والحكومة، ولم ينسَ أن يطالب الشعب بالحفاظ على المياه.

ومؤخرا مع وصول المفاوضات مع أديس أبابا إلى طريق مسدود، بدأت وسائل إعلام مؤيدة للسلطة تتذكر فئة من الشعب تم تغييبها وهي المعارضة، لتقوم بتقييم دورها في حل أزمة السد.

وتساءل الإعلامي أحمد موسى خلال برنامج "على مسئوليتي"، عن دور من سماهم النخبة الفاسدة، وقال "لماذا لم يتحدث البرادعي وأعوانه عن أزمة المياه؟ أين النخبة الفاسدة؟ الإعلام الإثيوبي يحشد الرأي العام للدفاع عن بلده، وإعلام الإخوان يمارس التجييش ضدنا".

تخطيط مدروس

جنوح السيسي لتقييم الشعب ليس أمرا عشوائيا بل مخططا، وفق رأي مدير المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري، إذ اعتمد الرئيس منذ الانقلاب العسكري على تلقي توصيات دورية خاصة بإدارة وإعادة توجيه الرأي العام، من مركز غوتمان للرأي العام التابع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، على حد قوله.

وأضاف خضري للجزيرة نت أن تلك التوصيات تدفع إلى استخدام عدة إستراتيجيات، أهمها إستراتيجية التلاعب بالانفعالات مثل بث الخوف والأمل والعاطفة، وإستراتيجية الإلهاء والإسقاط، وإستراتيجية التدرج في القرارات.

وهناك إستراتيجية أخرى وفق خضري، هي المخاطبة الطفولية للرأي العام، حيث يتم استخدام خطاب شعبوي صبياني يستدرج به الجمهور لمساحات غير عقلانية من الحوار، يمكنه فيها إقناع قطاع من المجتمع بأن قطاعا آخر هو المسؤول عن معاناته.

وحول تأثير هذا النهج على المواطنين، رأى خبير الرأي العام أن كل ما قام به السيسي في السنوات السابقة لم ينطل على القطاع الأكبر من المجتمع، مدللا بعدم نجاح النظام في حشد الناخبين لأي من الفعاليات الانتخابية التي أقامها.

وطبقا لآخر الدراسات الميدانية التي قام بها المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام، فإن نسبة تأييد السيسي في المجتمع المصري لم تزد على 3%.

السيسي يتنصّل

وأوضح خضري أن السيسي فقد منذ أحداث سبتمبر/أيلول 2019 قدرته على التحكم الكامل بمقاليد الحكم، وأصبحت المؤسسات السيادية شريكة في القرار خاصة المتعلق بالقرارات المصيرية، ولذلك سعى السيسي لاستخدام بعض المؤسسات الخاصة لمحاولة العودة إلى وضعه الأول.

واستطرد "ظهر ذلك جليا في كثافة المشاركات الإعلامية ومحاولته تصدير المشكلات الناتجة عن سياساته القديمة للجانب المدني من نظامه، كمحاولة للتنصل من آثار حكمه في الفترة السابقة".

وعن إمكانية محاسبة السيسي رغم تنصله من كونه المتسبب في الفشل، قال مدير المركز المصري إن داعمي الرئيس ومستشاريه الخارجيين دأبوا على توصيته بتصدير المسؤولية القانونية لغيره.

وأضاف أنه ألقى على مجلس النواب معظم القرارات المصيرية، كاتفاقيات الترسيم البحري التي تخلى بها عن جزيرتي تيران وصنافير ومكامن الغاز في المتوسط.

لكنه في الوقت نفسه سقط في بعض الأخطاء الجسيمة، كتوقيعه على اتفاقيات تفرط في حق مصر بماء النيل لصالح أثيوبيا. وتوقع خضري أن يأتي اليوم الذي يحاسب فيه السيسي قانونيا على كل قراراته التي اتخذها، وأهمها إسقاط التجربة الديمقراطية في مصر والاستيلاء على الحكم باعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم وفق القوانين الدولية، فضلا عن التفريط في أرض مصر وإفقار شعبها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

حرصت الأنظمة المصرية المتعاقبة على شعارات كان الاقتراب منها محظورا، مثل “لا مساس بمحدودي الداخل”، و”لا مساس بالدعم”، و”المرأة خط أحمر”، و”لا تفريط بمياه النيل”، إلا أن السيسي كسر هذه المحرمات جميعا.

6/6/2020

أثار مقطع فيديو للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موجة من الجدل والسخرية على منصات التواصل، بعد تداول وسائل إعلام مصرية مقطعا له أثناء جولة تفقدية وهو يتوقف بسيارته للاطمئنان على شاب أصيب في حادث.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة