مسودة دستور الجزائر.. أبرز التعديلات وردود الفعل

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون طرح مسودة الإصلاح الدستوري للنقاش العام قبل عرضها للاستفتاء (الجزيرة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون طرح مسودة الإصلاح الدستوري للنقاش العام قبل عرضها للاستفتاء (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

بعد خمسة أشهر من اعتلائه سدة الحكم طرح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للنقاش العام مسودة التعديل الدستوري التي تمثل أول ورشة في برنامجه للإصلاح السياسي الشامل.

وتضمنت مسودة المشروع مقترحات موزعة على ستة محاور أساسية، أهمها إقرار مبدأ التصريح (عوض الترخيص) لممارسة حرية الاجتماع والتظاهر، وكذلك إنشاء الجمعيات وعدم حلها إلا بقرار قضائي، كما أنه لا يمكن للقانون أن يتضمن أحكاما تعيق بطبيعتها حرية إنشاء الأحزاب السياسية.

ونصت المسودة على عدم ممارسة أكثر من عهدتين رئاسيتين متتاليتين أو منفصلتين، وتحديد العهدة البرلمانية بعهدتين فقط، مع إمكانية تعيين رئيس الجمهورية نائبا له.

كما عادت الوثيقة إلى تعزيز مركز رئيس الحكومة وتوسيع صلاحياته بدلا من اعتماد منصب الوزير الأول كمنسق شكلي للفريق الوزاري، ناهيك عن إلغاء حق الرئيس في التشريع بأوامر خلال العطل البرلمانية.

‪مقترح دستوري بتدخل الجيش الجزائري خارج الحدود لأول مرة منذ الاستقلال‬  (الجزيرة)

مقترحات الوثيقة
وفي محور السلطة القضائية، أبعدت المسودة وزير العدل والنائب العام لدى المحكمة العليا من تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، مع رفع عدد القضاة المنتخبين داخله، وإقرار لأول مرة محكمة دستورية بدلا من المجلس الدستوري، ومنحها حق الرقابة على القرارات المتخذة أثناء الحالة الاستثنائية، وتكريس اختصاصها بالنظر في مختلف الخلافات التي قد تحدث بين السلطات الدستورية بعد إخطار الجهات المختصة.

وفي أبواب أخرى، نقف على دسترة سلطة عليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، وإدراجها ضمن الهيئات الرقابية، وكذلك دسترة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

ومن المقترحات المهمة أيضا دسترة الحراك الشعبي ليوم 22 فبراير/شباط 2019 ضمن ديباجة الدستور، مع حظر خطاب الكراهية والتمييز، وإدراج اللغة "الأمازيغية" ضمن الأحكام الصماء التي لا تخضع للتعديل الدستوري.

كما شكل مقترح دسترة مشاركة الجزائر في عمليات حفظ السلام تحت رعاية الأمم المتحدة إضافة دستورية لافتة، حيث يسمح لرئيس الجمهورية بالتدخل عسكريا خارج الحدود بعد موافقة البرلمان.

‪خبراء ينتقدون الاحتفاظ بصلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية في الدستور الجزائري‬ (الجزيرة)

ترحيب وتحفظ
وجاء في عرض الأسباب للمشروع التمهيدي أن هذا "التعديل خطوة أملاها واقع سياسي، فرض ضرورة التكفل بالمطالب الشعبية لبناء دولة القانون وتحقيق التوازن بين مختلف السلطات مع ضمان الشفافية في تسيير الشؤون العامة"، إلا أن موقف مكونات الحراك والطبقة السياسية بشأنه يبقى محل تساؤل.

وقال الحقوقي البارز في فعاليات الحراك مصطفى بوشاشي "إن الدستور الذي سيحكم مستقبل الجزائر والجزائريين هو ذلك الذي يصنعونه بأنفسهم عبر نقاش واسع ومن خلال مؤسسات منتخبة فعليا".

واعتبر بوشاشي في تصريح للجزيرة نت أن "طريقة النظام الحالية غير مجدية، لأنها نفسها التي انتهجها كل الرؤساء السابقين، وبالتالي نستشف غياب الإرادة السياسية الحقيقية التي تكرس الديمقراطية في الجزائر".

وأوضح "لا يمكن أن يكون هناك حوار حقيقي حين نطرح مسودة دستور معدة سلفا في مثل هذه الظروف الاستثنائية مع وباء كورونا".

وأردف "أعتقد أن هذه المسودة لن تشكل دستورا لتكريس الديمقراطية، بل ستحافظ على نفس النظام الأحادي الشمولي الذي لا يؤمن بحق المواطنين بالمشاركة في بناء جزائر جديدة".

ويعتقد بوشاشي أن "المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية يشعرون أنهم غير معنيين بهذه المسودة، باعتبارها لبنة من أجل بقاء نظام غير ديمقراطي في الجزائر، ولهذا سيستمرون في النضال".

غير أن المتحدث باسم جبهة التحرير الوطني محمد عماري أكد أن الإعلان عن مسودة الدستور يندرج ضمن الوفاء بتعهدات رئيس الجمهورية الـ54، معتبرا "إشراك الأحزاب والنقابات والشخصيات الوطنية من دون قيود هو اتجاه لتكريس سياسة جديدة تشاركية تعبر فعلا عن نمط جديد في ممارسة الحكم".

وكشف عماري للجزيرة نت أن حزبه "أنشأ لجنة مختصة لدراسة وإثراء المسودة بمشاركة الإطارات، قبل عرض توصياتها على المكتب السياسي ثم رفعها إلى رئاسة الجمهورية في الآجال المحددة".

‪بوشاشي: لا يمكن فتح نقاش حول الدستور في ظل وباء كورونا والإرادة السياسية غائبة‬ (الجزيرة)

تثمين وتدقيق
من جانبه، ثمن عبد القادر بن قرينة -الذي حل ثانيا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة- طرح الوثيقة للنقاش، وقال إنه "من غير المعقول أن تتوقف الحياة كلها وينحصر أداء الدولة بسبب وباء كورونا، بل لا بد من الاستجابة لمطالب الحراك في بناء مؤسسات بوثائق وآليات وقاعدة حكم جديدة".

لكنه أوضح في تصريح للجزيرة نت أن صلاحيات الرئيس تحتاج إلى تدقيق أكثر، بما يستجيب للتوازن بين السلطات.

وشدد بن قرينة على أن "اللغة الوطنية الرسمية واحدة وغير قابلة للنقاش والمزايدة والرضوخ أمام جماعات الضغط"، وفق تعبيره

 كما حذر من تناول حرية المعتقد بجرأة، أي "دون تمييز بين عقيدة الأمة الجزائرية وبين كل ما هو دخيل، ليكون أداة ضغط لبناء أقليات كيفما كان شكلها".

ودعا بن قرينة كذلك إلى توضيح مساهمة الجيش خارج الحدود "حتى لا يستنزف في معارك الكبار ويبقى ظهر الجزائر عاريا"، على حد وصفه.

‪بن قرينة: صلاحيات الرئيس وحرية المعتقد وتدخل الجيش خارج الحدود تحتاج إلى توضيحات‬ (الجزيرة)

صلاحيات واسعة
من جهة أخرى، يرى أستاذ القانون الدستوري مختار خميلي أن المسودة تمت صياغتها بإرادة منفردة للسلطة التنفيذية، وأن بنود الدستور (234 مادة) كثيرة جدا كون الكثير منها مكانها القوانين العضوية.

أما في المحتوى فقد اعتبر خميلي في تصريح للجزيرة نت أن "صلاحيات رئيس الجمهورية لا تزال واسعة جدا، مشددا على ضرورة تكليف مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي الفائز بتشكيل الحكومة عوض تعيينه من الرئيس" .

واستغرب السماح بتعيين نائب لرئيس الجمهورية "يمكن أن يتولى مهامه الأسطورية في حال الاستقالة أو الوفاة دون تفويض شعبي"، منتقدا بقاء تعديل الدستور معقودا بيد الرئيس، وحتى مبادرة البرلمان مرتبطة بقبوله.

ونفس الملاحظات التحفظية أبداها خميلي بخصوص رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس الأعلى للقضاء، وتعيينه رئيس المحكمة الدستورية، مع تسمية ثلث أعضاء مجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان).

وتساءل في الختام "إلى أي حد ستلتزم الرئاسة بمخرجات المشاورات المزمع عقدها؟ وهل ستكون هناك سابقة تأسيسية في الجزائر برفض الشعب هذا التعديل الدستوري بعد تسعة استفتاءات مرت كلها بالإجماع؟".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

وزعت الرئاسة الجزائرية مسودة مشروع تعديل الدستور على الأحزاب والجمعيات لمناقشتها وإثرائها. وتتضمن المسودة تحديد فترات الرئاسة، وتتيح لأول مرة إمكانية قيام الجيش بمهمات خارجية بعد موافقة البرلمان.

المزيد من أحزاب وجماعات
الأكثر قراءة