مزارع شبعا تفتح لأول مرة أمام وسائل الإعلام.. ماذا يدور في ذهن المحتل؟

إلياس كرّام -مزارع شبعا المحتلة

نظم الجيش الإسرائيلي جولة لفرق من الصحافة الإسرائيلية والأجنبية في مزارع شبعا المحتلة الواقعة على الحدود اللبنانية مع الجولان السوري المحتل من قبل إسرائيل.

وتعد هذه الخطوة غير مسبوقة منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان تحت جنح الظلام في 24 مايو/أيار عام 2000، وتعتبر مزارع شبعا من أكثر المناطق حساسية على الصعيد الأمني فهي معلنة من قبل إسرائيل كمنطقة عسكرية مغلقة وتحيطها بتدابير أمنية مشددة وصارمة جدا.

وتسيطر إسرائيل على القمم الجبلية العالية المشرفة على المزارع والممتدة على نحو 25 كيلومترا، ويزيد ارتفاع هذه القمم على 1500 متر فوق سطح البحر، مما يوفر لها تفوقا من حيث قوة النيران، فضلا عن أهميتها الإستراتيجية كموقع لمراقبة ورصد تحركات حزب الله اللبناني في القطاع الشرقي للحدود مع لبنان، ولا سيما عند بلدتي عديسة وكفر كلا الملاصقتين للحدود، إضافة إلى مرج عيون وسهل الخيام ومناطق واسعة أخرى.

وينشر الجيش الإسرائيلي في مواقع مختلفة على الحدود المتشابكة والمتداخلة التي تتلوى بين الجبال الوعرة عددا من الدبابات وقطع المدفعية والمواقع العسكرية المتقدمة منها المرئي ومنها السري، كما يشغل على إحدى هذه القمم محطة رادار للكشف والاستطلاع المبكر.

ومنذ انسحاب إسرائيل من الحزام الأمني في جنوب لبنان، وهذه المنطقة محل خلاف لبناني إسرائيلي إذ اعتبرتها إسرائيل جزءا من الجولان الذي احتلته عام 1967، كما أن الأمم المتحدة أبقتها تحت السيطرة الإسرائيلية عند ترسيم الحدود عقب انسحاب عام 2000، أو ما يعرف اليوم بالخط الأزرق.

وظل لبنان يطالب ببسط سيادته على هذه المنطقة باعتبارها أرضا لبنانية، في وقت اتخذها حزب الله اللبناني مسرحا لعمليات استهدفت قوات الجيش الإسرائيلي، كان آخرها مطلع عام 2015، عندما شن هجوما على رتل عسكري إسرائيلي بصواريخ كورنيت الموجهة، مما أدى إلى مقتل ضابطين إسرائيليين وإصابة عدد آخر وتدمير مركبات عدة.

وجاءت تلك العملية ردا على قصف إسرائيلي، استهدف عناصر تابعة لحزب الله في مزرعة الأمل في ريف القنيطرة في الجولان السوري قبل ذلك بعدة أيام، كان من بينهم جهاد مغنية نجل عماد مغنية القائد العسكري العام لحزب الله الذي اغتيل في فبراير/شباط عام 2008 في العاصمة السورية دمشق بتفجير سيارته.

الجيش الإسرائيلي ينشر على الحدود عددا من الدبابات وقطع المدفعية (الجزيرة)

عمليات حزب الله
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه لاحظ في الآونة الأخيرة محاولات من جانب حزب الله لاختراق الحدود الدولية وتنفيذ عمليات على السياج الأمني، كرد على ما ينسب لإسرائيل من هجمات في سوريا، تستهدف بين الحين والآخر مواقع إيرانية ومستودعات أسلحة وصواريخ معدة للوصول إلى الحزب.

ويقول المقدم إيال بزيني نائب قائد وحدة "حيرام" العاملة في القطاع الشرقي للحدود في حديث للجزيرة نت إنه لا يستبعد أن تكون مزارع شبعا هدفا لحزب الله للرد على ما ينسب لإسرائيل من هجمات في سوريا، ذلك أن حزب الله يعطي الشرعية لنفسه للرد على إسرائيل من هذه المنطقة، لأنه يعتبرها أرضا محتلة غير أن إسرائيل مصممة على أن تمارس سيادتها في هذه المنطقة، وصد أي هجمات لحزب الله، على حد تعبيره.

ويضيف بزيني أن حزب الله ينتشر على الحدود الدولية خلافا لقرار الأمم المتحدة 1701 الذي أنهى الحرب على لبنان عام 2006. ويشير إلى وجود تعاون بين عناصره وقوات الجيش اللبناني، عدا عن أن الحزب يعمل تحت غطاء مدني على جمع معلومات استخباراتية عن تحركات الجيش الإسرائيلي ومواقعه المنتشرة على طول الحدود.

مزارع شبعا منطقة عسكرية مغلقة ويحيطها الاحتلال بتدابير أمنية مشددة (الجزيرة)

مواجهة محتملة
وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي قد أصدر مطلع العام الجاري تعليماته إلى كافة وحدات الجيش بضرورة الخضوع لتدريبات عسكرية صارمة ومكثفة، تحاكي احتلال قرى في جنوب لبنان وخوض قتال شوارع مع حزب الله، في مؤشر لاحتمال أن يشهد العام الجاري مواجهة عسكرية جديدة.

وكشف الجيش الإسرائيلي في هذا السياق أنه أقام وحدات قتالية صغيرة تشارك فيها قوات من المشاة والهندسة والمدرعات ومدعومة من سلاحي الجو والبحرية، وذلك لإنجاح التنسيق بين أذرع الجيش الإسرائيلي المختلفة، وإخضاعها تحت إمرة قائد واحد يتحكم فيها ويدير عملياتها.

وقد بدأت هذه المناورات فعليا منتصف فبراير/شباط الماضي على سفوح جبل الكرمل جنوب مدينة حيفا، وهي منطقة مشابهة من حيث تضاريسها الجغرافية لجنوب لبنان، قبل أن تتوقف هذه المناورات لأسابيع عدة بسبب جائحة كورونا، لكنها استؤنفت قبل أسبوعين في مرتفعات الجولان السوري المحتل.

الجيش الإسرائيلي: مزارع شبعا قد تتحول هدفا لعمليات حزب الله (الجزيرة)

حرب مختلفة
وفي هذا السياق، أضاف المقدم إيال بزيني أن الجيش الإسرائيلي يعد نفسه لاحتمال اندلاع مواجهة جديدة مع حزب الله. قائلا إن حرب لبنان الثالثة ستكون مختلفة تماما عن سابقاتها، ذلك أن الجيش الإسرائيلي عاقد العزم هذه المرة على حسمها لصالحه، والقضاء على حزب الله وإبعاده عن الحدود الدولية، على حد تعبيره.

ويعتبر الجيش الإسرائيلي أن عملية درع الشمال أواخر عام 2018 قد أحرزت نجاحا كبيرا في تجريد حزب الله من أهم أسلحته السرية، وهو سلاح الأنفاق الهجومية، حيث دمر الجيش الإسرائيلي ستة أنفاق اخترقت الحدود إلى داخل إسرائيل، وزعم الجيش الإسرائيلي أن حزب الله كان يعد هذه الانفاق لنقل مقاتليه عبرها واجتياز الحدود بهدف السيطرة على بلدات إسرائيلية ملاصقة للسياج الأمني واعتقال رهائن من بين سكانها ونقل المعركة إلى داخل إسرائيل عند أول مواجهة.

وفي المقابل، شرعت إسرائيل بإقامة جدار إسمنتي حصين في موقعين على الحدود الشرقية والغربية، لصد أي هجمات لحزب الله وتوفير الحماية لثماني عشرة بلدة إسرائيلية ملاصقة تماما للحدود، والممتدة على مسافة نحو ثمانين كيلومترا من رأس الناقورة وحتى المطلة.

مزارع شبعا ظلت منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان محل خلاف لبناني إسرائيلي (الجزيرة)

هروب أم إستراتيجية؟
ورغم مرور عشرين عاما على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، فإن الجدل في إسرائيل ما زال على أشده بين من اعتبره هروبا عسكريا مذلا، وبين من رأى فيه خطوة إستراتيجية مهمة، حقنت دماء الجنود الإسرائيليين بعد ثمانية عشر عاما على حرب لبنان الأولى عام 1982 التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 650 جنديا إسرائيليا وإصابة الآلاف.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه إيهود باراك قد قرر الانسحاب من جنوب لبنان، بعد أن أطلق وعدا بذلك خلال حملته الانتخابية التي انتهت بفوزه على بنيامين نتنياهو عام 1999، لكن الانسحاب لم يكن وليد الحملة الانتخابية فحسب، بل أيضا كان نتاج ضغط شعبي كبير مورس على المستوى السياسي في إسرائيل للانسحاب من لبنان، قادته بالأساس حركة نسائية عرفت باسم "أربع أمهات" وحظي هذا الحراك بدعم سياسي من وسط ويسار الخريطة الحزبية في إسرائيل.

من مناورات عسكرية إسرائيلية في مزارع شبعا (الجزيرة)

تبعات الانسحاب
كما أن الانسحاب من جنوب لبنان لم يكن خيارا إسرائيليا محضا، بقدر ما كان انسحابا فرضته ضربات المقاومة اللبنانية التي أوقعت يوميا قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، سواء باستهداف مواقعه العسكرية الحصينة بالصواريخ، أو بعبوات ناسفة أثناء تحركاته على الطرقات في جنوب لبنان.

عندها أيقنت إسرائيل أن احتلالها أصبح مكلفا وغير مجدٍ، ولم يعد يحقق أهدافه في حماية البلدات الإسرائيلية، فحسم باراك موقفه بالانسحاب لتخرج القوات الإسرائيلية تحت جنح الظلام تجر ذيول الخيبة والهزيمة بحسب البعض، ذلك أن قادة في الجيش الاسرائيلي رأوا في هذا الانسحاب المستعجل هروبا سيضر بقوة ردع إسرائيل ويعزز مكانة حزب الله، في وقت أيده آخرون، لأنه أعاد إسرائيل من وجهة نظرهم إلى حدود دولية معترف بها من قبل الأمم المتحدة، وأوقف استنزاف جنود الجيش على الجبهة حيث كان يوصف حالهم إعلاميا أشبه بالبط في مرمى الصيادين.

ويقول د. روني شاكيد من معهد ترومان للأبحاث في الجامعة العبرية بالقدس للجزيرة نت، إن الادعاء الأبرز في إسرائيل هو أن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان دون أي تسوية مع الحكومة اللبنانية ومن دون أي اتفاق، أدى إلى تعاظم قوة حزب الله وجر الطرفين لاحقا إلى حرب عام 2006 وتأكل قوة الردع الإسرائيلية.

كما أن الانسحاب غير المنظم أدى بحسب شاكيد إلى تعزيز المحور الشيعي الممتد من إيران عبر سوريا وحزب الله، وهو تهديد ما زالت إسرائيل تعاني من تبعاته إلى اليوم، من خلال محاولات إيران للتمركز عسكريا في سوريا وسعي حزب الله إلى إقامة قاعدة صواريخ موجهة وبالغة الدقة على الأراضي اللبنانية، قادرة على إصابة أهداف إستراتيجية في عمق اسرائيل بهامش خطأ لا يتعدى خمسة إلى عشرة أمتار.

الجيش الإسرائيلي يستخدم المنطقة لمراقبة ورصد تحركات حزب الله اللبناني في القطاع الشرقي للحدود (الجزيرة)

خطأ التقدير
وأضاف شاكيد أن الانسحاب الذي أراده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك كان إستراتيجيا لأنه ظن أنه من خلاله سيكون بالإمكان التوصل إلى معاهدة سلام مع سوريا ولبنان، إلا أن باراك أخطأ التقدير ليس لأن سوريا لم تكن مستعدة للسلام، بل بالأساس لأن اليمين في إسرائيل أحبط أي محاولة للانسحاب من الجولان والتخلي عنه في إطار أي اتفاق سلام مع سوريا، ورفض تقديم أي تنازلات للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

وفي نظرة تاريخية، يقول شاكيد إن إسرائيل ارتكبت خطأ فادحا باحتلال جنوب لبنان أصلا، ذلك أن هذا الاحتلال لم يحقق لإسرائيل أي إنجازات أمنية، بل جلب لها ويلات متتالية، فقد عزز قوة المقاومة اللبنانية، ولم يخرج سوريا من لبنان في حينه، كما أنه أتى بصفقة تبادل الأسرى الشهيرة مع أحمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية -القيادة العامة عام 1985، والتي أطلق بموجبها سراح مئات الأسرى الفلسطينيين ممن شكلوا فيما بعد قيادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اندلعت شرارتها الأولى أواخر عام 1987، كما أساء هذا الاحتلال بحسب شاكيد إلى العلاقات الإسرائيلية المصرية حديثة العهد بعد اتفاق السلام في كامب ديفد وجعل منه سلاما باردا.

ويضيف شاكيد، أن احتلال جنوب لبنان أضر بالعلاقات بين إسرائيل ودول أوروبية عدة، إلى جانب أنه بدد آمال أرئيل شارون الذي اعتقد أن احتلال جنوب لبنان، قد يكون محفزا لضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة