مقابر جماعية وخطط لحرق الجثث.. كورونا تعصف بالبرازيل

عامل بأحد المقابر في مناوس (رويترز)
عامل بأحد المقابر في مناوس (رويترز)

حسان مسعود-ساو باولو

بشكل مفاجئ، صعدت البرازيل إلى المرتبة السادسة عالميا في عدد الوفيات جراء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، بعد تسجيل أكثر من 12,400 وفاة حتى مساء أمس الثلاثاء، رغم تسجيل أول وفاة يوم 17 من الشهر الماضي.

ولم تستطع كثير من مقابر البلاد استيعاب الارتفاع الكبير في عدد الجثث، وتفاوت التعامل مع حالات الوفاة بتفاوت الواقع الاقتصادي والاجتماعي في الولاية أو المدينة المتضررة.

في مناوس، عاصمة ولاية الأمازون، كان المشهد الأصعب، حيث اضطرت الحكومة المحلية لفتح مقابر جماعية، ورص التوابيت بعضها جنب بعض، واستخدام الجرافات لإهالة التراب على القبور تحت أنظار عائلاتهم المفجوعة.

ورغم اللجوء إلى هذا الحل، فإن عمدة المدينة أرتور فيرغيليو نيتو دعا بشكل رسمي سكان المدينة لقبول فكرة حرق جثث ضحايا كورونا، نظرا لصعوبة إيجاد حاويات مبردة لحفظ الجثث، ريثما يتم حفر قبور جديدة.

وقال إن ذلك سيُعرض الأسر والعاملين في قطاع الصحة والدفن لخطر العدوى، خاصة في ظل وجود نقص كبير في المعدات الطبية وانهيار النظام الصحي في المدينة التي طالما غابت عنها الخدمات.

انهيارات مشابهة وامتلاء لأسرة المستشفيات وغرف الإنعاش تعيشه بعض ولايات الشمال البرازيلي المعروفة بفقرها كولاية بارا وسيارا، حيث اضطرت 18 مدينة لإعلان الإغلاق الشامل لوقف انتشار الفيروس.

وفي هذه المناطق، ارتفعت نسبة الوفيات في البيوت أكثر من أي وقت مضى نظرا لعدم قدرة فرق الإسعاف على الاستجابة لجميع النداءات، وآخر التقديرات التي ذكرها عمدة مناوس أن "ثلث الوفيات على الأقل تُسجل في المنزل".

وسجلت ولاية ساو باولو -مركز الاقتصاد في البلاد- أعلى عدد وفيات وإصابات، إذ شكلت مشاهد مئات القبور المفتوحة مسبقا في مقبرة "فيلا فيرموسا" صدمة للرأي العام.

وقال برونو كوفاس عمدة ساو باولو إن الولاية بصدد تجهيز 13 ألف قبر جديد لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الموتى، إضافة لتجهيز ثماني عربات تبريد لحفظ الجثث مؤقتا ريثما يتم نقلها للمقابر.

وبلغ عدد الوفيات في ساو باولو أكثر من 4000، في حين تخشى الحكومة المحلية أن يرتفع العدد إلى 10 آلاف مع نهاية الشهر الجاري، مما دفعها لتمديد الحجر الصحي حتى ذلك التاريخ.

يقول العامل في مقبرة "فيلا فيرموسا" أدنيلسون كوستا للجزيرة نت إن "العمل في المقبرة لا يتوقف، ارتفع عدد الموتى الذين ندفنهم يوميا بشكل كبير، ونعيش خطر العدوى في أي وقت خلال عملنا".

أما ولاية ريو دي جانيرو، ومع امتلاء عدد الأسرّة في غرف الإنعاش في مستشفياتها وارتفاع عدد الوفيات فيها، فيعيش سكانها واقعا صعبا في إيجاد قبور لضحاياهم.

في تصريح لها لإحدى وسائل الإعلام البرازيلية، تقول راكيل كافيرزان -وهي إحدى أقارب الضحية ثاليس ساليس التي توفيت عن عمر 44 عاما بسبب كورونا- إن "إيجاد قبر لقريبها تطلّب يومين في ظل عدم وجود متسع في ثلاجة الموتى في المركز الصحي بمدينة سان ميغيل".

بين الخوف والتشكيك
وقد انعكس الانقسام السياسي في التعامل مع أزمة انتشار كورونا على الشارع أيضا، إذ اتهم الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو من قبل معارضيه بالاستخفاف بضحايا الفيروس.

وبعد سؤاله عن تخطي عدد الضحايا المسجل ذلك العدد المسجل في الصين نهاية الشهر الماضي، رد بالقول "وماذا يعني ذلك؟ ماذا تريدون مني أن أفعل؟"، مضيفا "صحيح أن اسمي المسيح لكنني لا أستطيع فعل المعجزات".

وفي 20 من الشهر الماضي، رد أيضا على سؤال بشأن ارتفاع أعداد الوفيات بقوله "لست عاملا في مقبرة لأعرف"، مما زاد حدة الغضب تجاهه.

وتصاعدت حدة الجدل بعد تخطي البرازيل 10 آلاف وفاة، مما حدا بمجلس النواب والشيوخ والمحكمة الفدرالية العليا لإعلان الحداد العام، بينما اختار الرئيس البرازيلي في اليوم ذاته ممارسة هواية ركوب الدراجة المائية في برازيليا غير آبه، لكنه عاد في اليوم التالي وأعلن أسفه.

في الأثناء، دفع إعلان فتح القبور الجماعية في مناوس وساو باولو من قبل حكام محليين -يُصنفون معارضين للرئيس البرازيلي وسياساته- مؤيدي الرئيس للتشكيك بحقيقة الحالة الصعبة للمقابر والنظام الصحي، ونشروا فيديوهات وصورا قالوا إنها تظهر توابيت فارغة يقوم هؤلاء الحكام بدفنها لنشر الرعب بين السكان وتأليب الرأي العام على بولسونارو.

ونشر روبيرتو لويز الناشط على تويتر، الذي يضع على صورة ملفه الشخصي شعار "لا تنشروا الخوف"، فيديو لشخص يفتح تابوتا فارغا، وعلق قائلا "الشرطة تكشف دفن التوابيت الفارغة، لا يوجد حدود لتصرفات الحكام والعمداء خلال الوباء"، مضيفا "علينا التحقق من كل الوفيات بسبب كورونا".

في المقابل، أكد عدد من صفحات التحقق من الأخبار الكاذبة أن الفيديو يعود لـ2017، حين وجدت الشرطة تابوتا فارغا بالفعل في مدينة ساوكارلوس وفتحت تحقيقا في الحادث، أثبت حينها أن دفن التابوت كان لأسباب عائلية، وألا علاقة له بكورونا.

وفي السياق، قالت إلياني لوبيز، وهي مسؤولة في أحد المراكز الصحية الحكومية في ساو باولو، للجزيرة نت "نحن نعمل في الخط الأمامي لمواجهة كورونا، كنا نعمل في مجال الصحة قبل الأزمة وبعدها، والحقيقة تثبت أن عدد الوفيات أصبح أكبر بكثير، نعيش ذلك بشكل يومي".

وتضيف إلياني التي أصيبت بالفيروس خلال عملها وتعافت منه، أن "التشكيك في أعداد الوفيات وحجم انتشار كورونا في البرازيل سببه دوافع سياسية.. للأسف تم إقحام السياسة في مسألة صحية خطيرة كهذه، وهو ما أدى لاستخفاف البعض أيضا وانتشار الفيروس أكثر".

وأكدت أن "الوضع جدي فعلا، وهذا واضح، وانهيار النظام الصحي في بعض المدن والدفن بمقابر جماعية هو نتيجة طبيعية لارتفاع الطلب على المراكز الصحية والمقابر بشكل غير مسبوق".

من جانبها، تقول لوسيانا أزافيدا، وهي صاحبة متجر في ساو باولو، "لدينا خوف كبير من الفيروس، أغلقت متجري لمدة 36 يوميا بعد انتشار كورونا، لكننا لم نستطع الاحتمال أكثر، فاضطررنا للعودة لكن مع أخذ جميع الاحتياطات الممكنة".

وعن رأيها باعتبار الفيروس "خدعة إعلامية" من قبل جزء من البرازيليين، تقول للجزيرة نت "بات واضحا أن ادعاء استخدام التوابيت الفارغة والتضخيم هو أخبار كاذبة وليس العكس، للأسف لا يصدق الشخص خطورة الأمر إلا إذا أصابه، وقد أصاب الفيروس أحد أفراد عائلتي، إلا أني أحمد الله على عدم وفاة أحدهم".

المصدر : الجزيرة

المزيد من أمراض وأوبئة
الأكثر قراءة