تونس.. "السياحة الحزبية" تفجر سجالا بين البرلمان والرئيس

كتلة النهضة في البرلمان تقدمت بمشروع قانون يضع حدا للسياحة الحزبية بين الكتل (الجزيرة نت)
كتلة النهضة في البرلمان تقدمت بمشروع قانون يضع حدا للسياحة الحزبية بين الكتل (الجزيرة نت)

آمال الهلالي-تونس

فجر مشروع قانون يمنع السياحة الحزبية بين الكتل النيابية معركة داخل البرلمان التونسي بشأن دستورية هذا المقترح الذي تقدمت به كتلة حركة النهضة، وزاد دخول رئيس الجمهورية قيس سعيد على الخط حدة الخلاف

وصدقت لجنة النظام الداخلي في البرلمان على مقترح تعديل الفصل الـ45 من النظام الداخلي للمجلس تقدمت به كتلة النهضة وساندها فيه قلب تونس وائتلاف الكرامة، بهدف وضع حد للسياحة الحزبية وتنقل النواب بين الكتل البرلمانية.

وجاء في التعديل أنه في حال استقال النائب من الحزب أو القائمة أو الائتلاف الانتخابي الذي ترشح عنه أو الكتلة التي انضم إليها فإنه يفقد بشكل آلي صفته نائبا للشعب. 

"أخلقة" المشهد السياسي
وبررت الكتل المصادقة على التعديل هذا الإجراء بسعيها نحو جعل المشهد السياسي أكثر أخلاقية، وإنهاء ظاهرة السياحة الحزبية التي أثرت على استقرار الكتل البرلمانية وعلى تماسك الأحزاب، وساهمت في تشويه صورة النواب لدى ناخبيهم.

وندد حزب قلب تونس في بيان رسمي بتواصل ظاهرة السياحة الحزبية، داعيا إلى ضرورة وضع حد لهذه الظاهرة "التي تلوث الحياة السياسية وتسهم في ترذيلها، وتهدد المسار الديمقراطي، وتمثل خداعا للناخبين وتدليسا لإرادتهم".

وسبق أن أعلن 11 نائبا عن كتلة قلب تونس في البرلمان استقالتهم من الحزب والكتلة في مارس/آذار الماضي احتجاجا على طريقة تسيير الحزب، وكونوا بعدها كتلة نيابية داخل البرلمان حملت اسم "الكتلة الوطنية".

خيانة أمانة
وأبدى النائب عن حركة النهضة سيد الفرجاني استغرابه من حالة الجدل التي رافقت تصديق لجنة النظام الداخلي على مشروع  "من شأنه أن ينهي ظاهرة السياحة الحزبية، والحال أنه كان مطلبا ملحا في السابق لجل الكتل البرلمانية" وفق حديثه للجزيرة نت. 

واعتبر النائب أن ظاهرة استقالة النواب من الأحزاب التي ساهمت في إيصالهم إلى البرلمان تعد "خيانة أمانة"، وأسهمت في اهتزاز صورة النائب لدى ناخبيه. 

واستغرب الفرجاني من تدخل رئيس الجمهورية في "مسألة داخلية صرفة تتعلق بالنظام الداخلي للبرلمان" حين وصف مقترح التعديل بغير الدستوري"، وشدد النائب على أن مشروع القانون سيمر للجلسة العامة وسيتم التصويت عليه أو رفضه عبر الآلية الديمقراطية المعتمدة. 

وكان الرئيس قيس سعيد قد عبر في كلمة ألقاها بمناسبة تدشين مستشفى عسكري في محافظة قبلي جنوبي البلاد عن أسفه للنقاشات المتصاعدة داخل أروقة البرلمان بشأن هذا المشروع، واصفا إياه بـ"الخرق الجسيم للدستور".

وأضاف "لو كان النائب مسؤولا أمام ناخبيه وكان بإمكان الناخب أن يسحب منه الثقة لما احتاجوا أصلا لمثل هكذا خرق جسيم يجسد مرضا سياسيا ودستوريا".

ويرى مراقبون ونواب داخل البرلمان أن تصريحات قيس سعيد زادت تأجيج حدة المعركة بشأن هذا المشروع بين الكتل النيابية المتصارعة أصلا، حيث وصل الأمر إلى تهديد بعض النواب بسحب الثقة من رئيس الجمهورية واتهامه بالتحريض ضد المؤسسة البرلمانية.

وهاجم النائب عن قلب تونس عياض اللومي في تدوينة مطولة تصريحات الرئيس التونسي وخاطبه بالقول "سيدي الرئيس، أنا بصدد البناء مع زملائي وأنتم بصدد الهدم، لن أسامحكم أمام الله وأمام التاريخ على تحريضكم ضدي وضد زملائي..".

وتوعد النائب عن ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف في مداخلة له في البرلمان بسحب الثقة من الرئيس قيس سعيد، متهما إياه بتأليب الشعب ضد النواب، وإعطاء مشروعية لدعوات العنف وحل البرلمان.

غير دستوري
وحذر رئيس "الكتلة الوطنية" حاتم المليكي من خطورة تمرير مقترح تعديل الفصل الـ48 من النظام الداخلي للبرلمان، واصفا إياه بـ"قانون الرق البرلماني"، وبأنه يشرع لتوغل الأحزاب ويجعل النائب مجرد دمية يحركها رئيس الحزب كما يشاء.

وأضاف أن "القانون سيجعل من النواب عبيدا عند رؤساء الأحزاب وفي خدمة مصالحهم وليس في خدمة الشعب، وبهذا المنطق: لماذا لا يتم أيضا سن قانون يمنع نشاط الأحزاب بحال خانت ثقة ناخبيها وقواعدها؟".

ولفت المليكي في حديثه للجزيرة نت إلى أن مشروعية منح الصفة للنائب أو سحبها منه تناقش صلب القانون الانتخابي وليست من مشمولات النظام الداخلي للبرلمان.

واستشهد المليكي بموقف رئيس الجمهورية الذي وصف مشروع القانون بغير الدستوري، محذرا من أن خطورته تكمن في غياب آلية للطعن فيه لدى الهيئة الوقتية لدستورية القوانين في ظل غياب المحكمة الدستورية.

وكان نواب الكتلة الوطنية قد نبهوا في بيان رسمي لما وصفوها بـ"خطورة المحاولات المتكررة لاستصدار قانون الرق البرلماني، وخرق الدستور، والالتفاف على القانون، والعودة لممارسات التغول والدكتاتورية وسياسة الأمر الواقع".

ودعت الكتلة الوطنية رئيس الجمهورية "بصفته الضامن للدستور وللاستقرار والوحدة الوطنية إلى استعمال كافة صلاحياته للتصدي لكل هذه الممارسات".

ويرى المحلل السياسي بولبابة سالم أن دخول رئيس الجمهورية قيس سعيد على خط المعركة بين نواب البرلمان بشأن مشروع القانون لم يكن موفقا، وخلق نوعا من التوتر السياسي في البلاد بإعطائه مشروعية لدعوات حل البرلمان.

ولفت سالم في حديثه للجزيرة نت إلى أن الرئيس لا يخفي رفضه لشكل النظام السياسي الحالي وللقانون الانتخابي برمته، والذي يعتمد آلية الانتخاب على القوائم الحزبية وليس على الأفراد.

وشدد بالمقابل على أنه من حق رئيس الجمهورية أن يعطي موقفه من هذا المشروع، لكنه لم يحسن اختيار التوقيت، والأمر نفسه مع توقيت مناقشة هذا المشروع في البرلمان في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية حارقة.

وخلص إلى أن مشروع منع السياحة الحزبية وإن كان في ظاهره "أخلقة" للمشهد السياسي فإنه يخفي في طياته صراعات سياسية وحزبية عميقة وتجاذبات داخل قبة البرلمان وخارجه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة