قبور اللاجئين الفلسطينيين.. شواهد على الأرض والقضية

مقبرة الشهداء في مخيم الجلزون بالضفة الغربية (الجزيرة)
مقبرة الشهداء في مخيم الجلزون بالضفة الغربية (الجزيرة)

ميرفت صادق–رام الله

ضريح الحاجة فاطمة عبد الله الأفغاني من مدينة الرملة، وبالقرب منه ضريح وجيه مصطفى الرمحي من المزيرعة، ثم مريم عكاشة من السافرية، وضريح زياد الحطاب من عنّابة، والحاج إبراهيم شالش زيد من بيت نبالا، كلهم يتشاركون تراب مقبرة مخيم الجلزون للاجئين (شمال مدينة رام الله بالضفة الغربية).

وفي المقبرة الواقعة شمال المخيم، وعلى أرض بلدة بيرزيت، يوثق لاجئو مخيم الجلزون -الذين تعود أصولهم إلى 36 قرية مدمرة في نكبة 1948- أسماء المتوفين والشهداء ومدنهم وقراهم الأصلية على قبورهم، في ظاهرة تُعرف بها مخيمات اللجوء في فلسطين والشتات، بل وشواهد قبور اللاجئين الفلسطينيين في أوروبا أحيانا.

وعلى اختلاف أشكال القبور عبر السنين، وتباين هوية موتاها، وظروف رحيلهم بين الوفاة العادية أو القتل الإسرائيلي؛ ظل تدوين القرية الأصلية للاجئ ثابتا في المقبرة المسماة "مقبرة الشهداء". وهنا لا يوجد قبر واحد كُتب في خانة القرية أو المدينة "من مخيم الجلزون".

يذكر موسى عنبر -وهو أحد معلمي المخيم، وكان مديرا لدار المسنين فيه أيضا- كيف رحلت والدته أسماء عبد الرازق قبل عامين وهي ترجو دفنها في قريتها الأصلية وادي حنين قضاء غزة، التي هُجّرت منها في عمر 12 عام 1948. لم تتحقق أمنيتها، لكن اسم قرية العائلة دوّن على قبرها.

ولأن المطلب بعيد المنال، يقول عنبر إن الكثير من أبناء المخيم ممن ولدوا في قرى شملتها النكبة، كانوا يزورون قراهم خفية، إذا استطاعوا الوصول إليها، ويحضرون معهم ترابا من أرضها يحتفظون به في بيوتهم أو يطلبون ذرّه على قبورهم إذا رحلوا قبل العودة إليها.

‪قبر الحاجة فاطمة المهجرة من مدينة الرملة‬ (الجزيرة)

وتوثق المصادر الفلسطينية تهجير أكثر من 530 قرية فلسطينية بعد مهاجمتها من قبل العصابات الصهيونية في نكبة عام 1948 وتدمير أغلبها لاحقا. وقتل نحو 13 ألف فلسطيني، وهجّر ما يربو على ثمانمئة ألف، ليصبح أغلبهم لاجئين خارج وطنهم، في واحدة من أكبر عمليات التطهير العرقي تاريخيا.

"إلى فلسطين خذوني معكم"
في شتاته، يتذكر الفلسطيني إياد أبو العلا ابن العائلة اللاجئة من بلدة شفا عمرو قضاء حيفا إلى مخيم اليرموك في سوريا، واللاجئ في السويد حاليا؛ استشهاد عمه روبين أبو العلا في عملية اغتيال نفذها الموساد الإسرائيلي ببيروت عام 1980.

عندما نقل جثمان الشهيد إلى مخيم اليرموك، وهو الذي عُرف كمسؤول لأمن المخيمات الفلسطينية في سوريا، دوّنت العائلة على ضريحه جريمة اغتياله ومسقط رأسه في شفا عمرو ووصيته "بأن يعاد رفاته إليها عند العودة" مع المقطع الشعري: "إلى فلسطين خذوني معكم".

لا تملك العائلة الآن صورة لضريح شهيدها، ولن يكون لها، بعد أن دُمرت مقبرتا الشهداء في مخيم اليرموك على أيدي عناصر تنظيم الدولة التي سيطرت على المخيم قبل سنوات، كما تردد أن قبور الفلسطينيين نُبشت، على أيدي عناصر روسية بحثا عن رفات جنود إسرائيليين أُسروا هناك قديما.

إضافة إلى شفا عمرو، كتب أهالي اليرموك أسماء حيفا والناصرة وعكا وصفورية وعشرات القرى والمدن التي هُجّروا منها. واستمروا في تدوين أسماء بلداتهم الأصلية على قبور المتوفين منهم كبارا أو صغارا، حتى نزوحهم وتهجيرهم مرة أخرى بسبب الحرب في سوريا.

ليس هذا فحسب، إذ يذكر إياد أبو العلا تدوين اسم قرية لوبيا المهجرة قضاء طبريا، على قبر ابن مخيم اليرموك أحمد حمدان الذي توفي ودفن في السويد قبل شهور "أملا في نقل رفاته إلى فلسطين يوما ما"، كما قال صديقه.

‪أضرحة الشهداء احتفظت دائما بتوثيق قراهم الأصلية قبل النكبة‬ (الجزيرة)

شواهد في لبنان
وفي هذا السرد أيضا نجد صورة ضريح الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني بمقبرة الشهداء الفلسطينيين في بيروت، والذي دوّن عليه تاريخ ولادته في مدينة عكا عام 1936 واستشهاده في بيروت عام 1972. وكذلك ضريح الشهيد علي حسن سلامة "أبو حسن سلامة" الذي سجل عليه مولده في قرية قوليا الفلسطينية عام 1942 واستشهاده عام 1979، والمناضل الفلسطيني أحمد حسين اليماني المولود في سحماتا قضاء عكا عام 1924 والمتوفى ببيروت عام 2011.

مع هذه الصور، ينقل الناشط الفلسطيني في لبنان ياسر العلي ما كُتب على جدار مقبرة مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان: "نعدكم أننا سنحمل رفاتكم معنا".

المقبرة الحيّة
وفي رحاب هذه الذاكرة، ثمة مشروع بحثي طويل يعمل عليه أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية بجامعة بيرزيت عبد الرحيم الشيخ منذ سنوات، ويحمل عنوان "المقبرة الفلسطينية الحية".

وفي مقابلتنا مع الشيخ، يقول إن الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948، يكافحون من أجل استعادة مكونات هويتهم الوطنية الثلاثة: الجغرافية التي جرى احتلالها، والديمغرافية التي شُتت في العالم، والثقافية التي يجري محوها.

"فبعد تشتيتهم من بلادهم، واصلت إسرائيل عمليات محو ثقافة الفلسطينيين وتاريخهم بإزالة قراهم وأسمائها. في المقابل أصبح الفلسطيني، في أماكن اللجوء، لا يملك الأرض التي يدفن فيها، ولا الكيان السياسي الذي يعبر عن روايته التاريخية، رغم أن منظمة التحرير قامت لاحقا بهذا العمل جزئيا (…) فأخذ اللاجئون على عاتقهم إيجاد بدائل لحفظ مقتنيات ذاكرتهم الوطنية".

يعتقد الشيخ أن مقبرة المخيم كانت جزءا من هذه البدائل، حيث صارت الحيز المتحرر من سيطرة السلطات ومن الرقابة على ما يُكتب فيها، إذ إنها ليست أرشيفا ولا صحيفة ولا مكانا عاما بحاجة لإذن رسمي لممارسة سياسات التسمية، وفيها لذوي كل متوفى حرية الكتابة على قبره حسب وصيته.

ويعد هذا جزءا من المقاومة في إطار ما تعرف "بسياسات الموت والحياة" التي تمارسها السلطات السياسية على الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة وفي الشتات.

‪قبر في مخيم الجلزون لسيدة فلسطينية من قرية بيت نبالا المهجرة‬ (الجزيرة)

لقد وجد اللاجئون في شواهد القبور -حسب الشيخ- "مكانا لاستعادة اسم الأرض وممارسة حقهم في قول حكايتهم التاريخية"، سواء في مخيمات وتجمعات الشتات خارج فلسطين، أو داخلها.

والمسألة لا تتعلق فقط بتثبيت حقهم القانوني في العودة -كما يقول- بل في ما سمّاه جانب "المؤقتيّة" التي تظهره مقولات اللاجئين على قبورهم، أي الرغبة في أن تكون هذه مجرد "تربة مؤقتة"، والرغبة بعودة رفاتهم إلى ديارهم الأصلية حتى بعد الموت.

في مشروعه حول "المقبرة الفلسطينية الحية"، يتوقف الشيخ عند المقابر الجماعية وأعداد كبيرة من الشهداء الذين دُفنوا "بأسماء حركية" دون أسمائهم الحقيقية، خاصة من شهداء الثورة الفلسطينية في لبنان، والبعض رافقت أسماءهم أرقام ضاعت دلالتها لاحقا بضياع بعض وثائق الثورة.

ورغم وجود تأثيرات ثقافية وسياسية أثرت تاريخيا على إشهار القبور والكتابة عليها، فإن الشيخ يسجل استثناء الشهداء دائما من أية اختلافات، حيث وثقت حادثة استشهادهم وانتماؤهم السياسي وبلدانهم الأصلية على شواهد ظاهرة، ولم تطلها التغيرات السياسية والثقافية والاجتماعية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة