حفاظا على ذكريات القرى المدمرة.. مهن توارثها اللاجئون الفلسطينيون بعد النكبة

الحاج محمود هديب أورث تجارة والده في المواشي واللحوم لأبنائه (الجزيرة)
الحاج محمود هديب أورث تجارة والده في المواشي واللحوم لأبنائه (الجزيرة)

عوض الرجوب-الخليل

حتى نكبة فلسطين عام 1948، ظلت المنطقة المحيطة بمقام الشيخ علي القلب النابض للسكان الفلسطينيين في بلدة الدوايمة (نحو 25 كيلومترا إلى الغرب من مدينة الخليل بالضفة الغربية).

بجوار هذا المقام، كانت الأسواق والمحلات والتبادل التجاري، وهناك كانت ملحمة محمد عبد الفتاح هديب، أحد أشهر الجزارين وبائعي اللحوم. ولم يكن في حينه الابن الحاج محمود هديب يتجاوز 12 عاما، لكنه ظل ملازما لوالده في الملحمة وتجارة الأغنام والأبقار.

رغم تقدم السن وغلبة النسيان، يستعيد أبو أحمد بعض تفاصيل الحياة حين كان يرافق والده إلى باقي المدن والقرى في الضفة الغربية كأريحا والخليل لشراء الأغنام وبيعها في الدوايمة أو في غزة.

عائلة الجزارين
ظل سوق الجمعة في الدوايمة أهم ملتقى لتجار "الحلال" (الماشية) في فلسطين حتى النكبة، وبينما كان استهلاك البلدة لا يتجاوز ثلاثة رؤوس من الأغنام يوميا، كان يذبحها في الصباح فتنفذ في المساء، أما في الأعراس فيذبح 12 رأسا تقريبا.

لم تتوقف عجلة الزمان للحاج محمود عند النكبة ومرارة الرحيل، فواصل مع والده المهنة ذاتها، وافتتح ملحمة في بلدة الظاهرية، ثم توسع إلى مخيم الفوار وبلدة دورا، وجميعها جنوب الضفة الغربية، وكما ورث المهنة عن والده نقلها إلى أبنائه.

الحاج محمود هديب نقل تجارة والده في المواشي واللحوم من الدوايمة إلى الخليل (الجزيرة)

يقول رامي -أحد أبناء الحاج محمود- إنه لا يجد نفسه في أي مهنة أخرى، ويزيد تمسكه فيها ما يقصّه عليه والده من ذكريات المهنة والأسفار والتجارة في الدوايمة.

لا يعتبر الابن أن مهنة الجزار مورد رزق له ولإخوانه فحسب، بل يجد فيها رائحة بلدة الدوايمة التي طالما حدّثه والده عن سهولها ومزارعها وأسواقها دون أن يراها، ويقول إنه مستعد للتخلي عن كل شيء يملكه الآن مقابل العودة إلى الدوايمة.

من الفالوجة إلى كورونا
مهن أخرى كثيرة رحلت مع أصحابها؛ فالسبعيني سعدي البايض أُجبر على اللجوء في طفولته، واستقر مع والده في مخيم الفوار، وهناك واصل والده مهنة النجارة التي احترفها في الفالوجة، فكان يصنع صناديق الخشب التي استخدمت لحفظ الملابس، وأدوات الزراعة والأبواب وغيرها.

مضى الحاج سعدي على نهج والده، مع تطوير العمل وفق ما تقتضيه حياة الناس، فأصبح يصنع المطابخ والأبواب وغرف النوم، ورغم المحاولات الحثيثة رفض السماح لنا بزيارته أو تصويره.

ويقول ابنه يونس البايض إن والده كان يحتطب الأخشاب بنفسه ويصنّعها حسب الطلب، ونقل ذلك إلى الأبناء، لكن الوظائف باتت تستنزف أغلب أوقاتهم.

عائلات فلسطينية كثيرة أثبتت نفسها على خريطة الاقتصاد الوطني، وحافظت على المهنة ذاتها التي اشتغلتها قبل النكبة؛ فعائلة السعافين واصلت حتى اليوم العمل في تجارة وتفصيل وبيع الأقمشة، واليوم في ظل جائحة كورونا تشتغل في صناعة الكمامات والملابس الواقية من الفيروس.

كما حافظت عائلة البايض على تجارة اللحوم، وتوسعت في المهنة إلى استيرادها من خارج فلسطين.

وفرضت أحداث نكبة فلسطين وما رافقها من مجازر نفسها على الإعلام والمؤرخين، لتبرز بشكل كبير صورة الفلسطيني الشهيد أو المشرد الذي يلوذ بنفسه إلى خيام اللجوء، على حساب صورة المجتمع الحضري والمدني الذي كان سائدا، سواء كان ذلك على المستويات التجارية أو الصناعية أو الزراعية.

تجارة وحضارة
ولم تكن الزراعة على أهميتها عمل الفلسطينيين الوحيد في فلسطين؛ ففضلا عن الحرف والمهن العديدة، كان للتجارة حظ وافر في المجتمع الفلسطيني قبل النكبة وانتقل مع كثيرين إلى الشتات.

الدكتور عدنان أبو تبانة وإلى يساره صورة والده الذي اشتغل في التجارة بالفالوجة ثم الخليل (الجزيرة)

فالحاج عبد المجيد أبو تبانة الذي شغل منصب نائب رئيس بلدية الفالوجة كان من أكبر تجار الأقمشة جنوب فلسطين، وله محلات تجارية وتوزع بضاعته على أنحاء الضفة وغزة.

ومع حلول النكبة رفض الحاج عبد المجيد مغادرة البلدة، وقاوم الاحتلال مع ابنه إبراهيم حتى استشهدا، ف يحين غادر باقي أبناؤه إلى غزة والخليل.

رفض الشيخ يونس -أحد أبناء الحاج عبد المجيد- البقاء في المخيمات، واستقر قرب المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، على اعتبار أن أجواء المدينة أفضل للمشاريع التجارية، فافتتح متجرا لبيع الحبوب، وسرعان ما تحول إلى واحد من كبار تجار المدينة.

يقول الابن الأكاديمي الدكتور عدنان أبو تبانة إن والده تحول لاحقا إلى تجارة البلاستيك، وورثها أبناؤه الذين يملكون الآن عدة شركات ومصانع للبلاستيك تعتمد عليها أسواق الضفة وغزة وإسرائيل.

شغف بالحضارة
يرى ابن الفالوجة والباحث في قضايا اللاجئين أن ميراث المهنة طبيعي بين الشعوب، لكن ما يختلف في التجربة الفلسطينية أن الحفاظ على المهنة جزء من التمسك بحق العودة، فرغم النكبة حافظ الفلسطينيون على مهنهم وواكبوا التغيير ونقلوها لأبنائهم.

يقول أبو تبانة إن أيا من الحرفيين اللاجئين سيعود بك حتما إلى بلدته التي هُجّر منها عند الحديث عن مهنته أو سرد قصصها فيربطها بحق العودة.

ويخلص إلى أنه من تجربة الشعب الفلسطيني قبل اللجوء يتضح كم كان شعبا حضاريا شغوفا بالصناعة والتجارة والاستيراد والتصدير والزراعة، وسبق بذلك الكثير من المجتمعات الشرقية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة