لوتان السويسرية: هذا الفيروس يجب أن يقضي على الرأسمالية بشكلها القديم

منظر لمركز التجارة العالمي بمانهاتن في نيويورك (رويترز)
منظر لمركز التجارة العالمي بمانهاتن في نيويورك (رويترز)
تسير الحياة ببطء بعد أسابيع من بداية أزمة كورونا (كوفيد-19)، ورغم أن ذروة الارتباك وحالة الطوارئ القصوى قد مرت، فلا أحد يدري من أين سيأتي الفشل، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحول دون التفكير فيما يجب أن يكون عليه الاقتصاد في زمن ما بعد كورونا.
 
بهذه المقدمة، انطلقت فالير غونيا في تحليل نشرته صحيفة لوتان السويسرية، تساءلت في بدايته: هل من المعقول الاستمرار في سحب الملايين من الأرباح مع طلب مساعدة الدولة في الوقت نفسه؟ وعلقت بأنه حان الوقت لشركات مثل إيزي-جيت أن تصحح بعض مفاهيمها.
 
ورأت الكاتبة أن حالة الوقف القسري الحالي للاقتصاد يعد فرصة عظيمة للتعامل مع هذه الأمور، مشيرة إلى أنها ستتوقف عند ملاحظتين.

قدرة مذهلة على التكيف

الملاحظة التي تعتبرها الكاتبة إيجابية تتلخص في أن الأزمة الحالية لم تفتح الباب فقط لتسريع التاريخ، ولكنها سلطت الضوء أيضا على قدرتنا المذهلة على التكيف، إذ لم تعد المرونة لدى الشركات والتفاعل والابتكار مفاهيم غير مستغلة يقدمها المستشارون، بل أصبحت واقعا ملموسا.
 
ونحن هنا -كما تقول الكاتبة- لا نتحدث فقط عن الاستخدام الواسع للعمل عن بعد، علما أن هذا المقال أعد وصحح ونشر عبر الإنترنت من غرف النوم والمطابخ، ولكن أيضا عن السهولة الباهرة التي تحول بها المجموعات أدواتها للإنتاج، كما فعلت شركة بلغاري التي أوقفت إنتاج العطور لتوفير المحاليل الكحولية للمستشفيات، وكما فعلت موران التي حولت عطورها إلى مطهرات.
 
ورغم أن هذه المبادرات قد ينظر إليها بريبة، فقد نبه زميلان إلى أنها يجب ألا ينظر إليها بسرعة على أنها "تسويق انتهازي"، بل باعتبارها جزءا من التكيف الذي قامت به العديد من الشركات لتقديم مساهمة ودعم للجهد الجماعي.
 
وأشارت الكاتبة إلى أن هذه القدرة على التكيف ظهرت أيضا لدى السلطات التي غالبا ما تنتقد بسبب الجمود، إذ تمكنت الإدارة الفدرالية في غضون أسبوعين مع البنك الوطني السويسري وغيره من وضع خطة لمساعدة الأعمال التجارية بطريق سيظهر أنها بارعة.
 

لا يمكن الدفاع عن إيزي جيت 
وتقوم الملاحظة الثانية على أن هذه الأزمة تعمل ككاشف هائل، وهي لذلك تلقي الضوء على جوانب الاقتصاد الأقل إشراقا، حيث تستحق إيزي-جيت -بالنسبة للكاتبة- جائزة من لا يمكن الدفاع عنه في هذا الصدد، بعد أن جاءت هذه الشركة البريطانية تطرق أبواب الاتحاد لطلب المساعدة المالية بحجة أن لديها ألف موظف سويسري.

وكتبت الشركة أن "للحكومات دورا تؤديه في ضمان حصول شركات الطيران القادرة على أداء دورها، على الأموال التي تحتاجها لدعم موظفيها والانتعاش الاقتصادي".

 
ومن المفارقات أن مؤسسها السير ستيليوس إيوانو الذي يملك 34% من رأسمالها، دافع في اليوم السابق عن حقه في تلقي أرباح قدرها ستون مليون جنيه إسترليني (74 مليون و334 ألف دولار) وهو ما يعادل 72 ألف فرنك مقابل كل موظف سويسري تدعي الشركة أنها تريد "دعمه".
 
وقالت الكاتبة إن الشركة دافعت عن نفسها -عند الاتصال بها- بأن المساهمين قرروا دفع أرباح الأسهم في فبراير/شباط الماضي، وبالتالي كان عليها "التزام قانوني بدفعها لهم"، ولكن فالير غونيا علقت متسائلة "ألم يقض كوفيد-19 على فكرة الالتزام القانوني في منظورها الصحيح في عدة حالات؟".
 

أزمة في الوقت المناسب
وخلاصة القول -حسب الصحفية- أن هذه الأزمة تسلط الضوء على بعض العيوب الكبيرة في "الرأسمالية القديمة"، ولكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن لدينا الإبداع والمرونة لتغييرها، وبالتالي فإنها جاءت في الوقت المناسب بعد أن دعا منذ العام الماضي سياسيون وشركات متعددة الجنسيات بصوت واحد إلى التحول إلى رأسمالية أكثر مسؤولية.
 
وأشارت الكاتبة إلى أن عمالقة الطاقة كإيني وربسول وتوتال قدمت مئات الملايين من الدولارات للطاقة الخضراء، كما أن نستله تستثمر للقضاء على البلاستيك، مما يعني تحركا نحو الاستثمار المؤثر والتمويل المستدام وتحسين المتطلبات البيئية والاجتماعية والمتطلبات الإدارية.
 
وتوفر الأزمة الحالية حسب الصحفية فرصة هائلة للانتقال من الأقوال إلى الأفعال بالنسبة لسياسيين كانوا يقولون أوقات الحملات الانتخابية إنهم سيقومون بالتغيير.
 
وختمت الكاتبة بالتأكيد أن اللحظة التي نعيشها تاريخية عندما توقف "الاقتصاد" بسبب النقص غير المسبوق في العرض والطلب، مشيرة إلى أن عدم رؤية فرصة في هذا الفاصل الاستثنائي لتصحيح بعض الأساسيات سيكون خطأً فادحا، مما يعني أنه يجب على قادة الأعمال والسياسيين والمساهمين التفكير الآن في الاقتصاد الذي سيبنونه في فترة ما بعد الأزمة.
المصدر : الصحافة السويسرية

حول هذه القصة

بات من المؤكد أن آثار كورونا المستجد ستتجاوز التوقعات والآثار المعتادة لحالة مرضية عابرة، فالأمر يتعلّق بتعقيدات تتصل بالنظام الاقتصادي والاجتماعي السائد عالميا.. فكيف يمكن أن يُغيّر الفيروس نظرتنا للاقتصاد؟

يرى المفكر وعالم اللسانيات ناعوم تشومسكي أن "الرأسمالية النيوليبرالية نفسها تقف وراء التعامل الفاشل للولايات المتحدة مع جائحة كورونا". ويقول تشومسكي إن الوباء كان متوقعا قبل ظهور كورونا بوقت طويل.

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة