الإغلاق الشامل في إسرائيل.. ظاهره الوقاية من كورونا وباطنه مصلحة سياسية لنتنياهو

نقطة تفتيش إسرائيلية في الطريق بين تل أبيب والقدس (الأناضول)
نقطة تفتيش إسرائيلية في الطريق بين تل أبيب والقدس (الأناضول)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

أجمع محللون ومختصون بالاقتصاد في إسرائيل على أن فرض الإغلاق الشامل على البلاد من مساء أمس الثلاثاء حتى يوم الجمعة المقبل، للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، يحمل في طياته أهدافا مزدوجة سياسية وأخرى تنظيمية، تعكس السجال المتعلق بمدى استعداد الجهاز الصحي لحالة الطوارئ.

ورغم الاتفاق على أن الإغلاق الشامل وسيلة مهمة لمنع تفشي الفيروس، فإن هناك شبه إجماع على أن الإغلاق نفّذ من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتأخير ثلاثة أسابيع، وهو ما يعكس توظيف نتنياهو الفيروس لأهداف سياسية من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسته بالتناوب مع زعيم "أزرق أبيض" بيني غانتس.

وعلى الرغم من أهمية الإغلاق الشامل للحد من انتشار فيروس كورونا -وهو القرار الذي اتخذته الدوائر المهنية في وزارة الصحة منتصف مارس/آذار الماضي- فإن نتنياهو امتنع عن تنفيذه في حينه، حيث يعتقد المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل أن الغالبية العظمى من القرارات -إن لم تكن كلها- اتخذت لدوافع سياسية.

قرارات واعتبارات
وأوضح هرئيل أن قرارات نتنياهو بخصوص كورونا، والتي يبدو بعضها تافها، تتأثر بالاعتبارات الإسرائيلية الداخلية وما أفرزته نتائج الانتخابات والمساعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية.

‪نقاط التفتيش التي نصبتها السلطات الإسرائيلية تهدف للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد‬ (الأناضول)

واستشهد المحلل العسكري بتردد نتنياهو مؤخرا في حسم قرار فرض الإغلاق الشامل على بلدات حريدية وأحياء سكنية للحريديم في كبرى المدن الإسرائيلية، حيث حدث تفش واسع النطاق للفيروس، لافتا إلى أن نتنياهو استغل "الفصح العبري" وأعلن عن إغلاق شامل للبلاد، وذلك بغية ألا تغضب أحزاب الحريديم الداعمة له في الائتلاف الحكومي.

وأشار هرئيل إلى أن حكومة نتنياهو انشغلت في الأيام الأخيرة بالإغلاق الشامل أو إغلاق بلدات الحريديم الموبوءة بالفيروس، أكثر من البحث في توفير حلول عملية وتقديم المساعدة للتجمعات السكنية للحريديم لمنع تفشي الفيروس بين قاطنيها، وهذا يأتي خلافا لموقف وزارة الصحة التي أكدت أن إغلاق تجمعات موبوءة بكورونا أمر حيوي وحاسم لمكافحة الفيروس.

وإذا ما كان هدف نتنياهو من خلال الإغلاق الشامل إرضاء حلفائه من الأحزاب الحريدية "شاس" و"يهدوت هتوراة"، فقد أفادت غيلي كوهين المراسلة السياسية للإذاعة الإسرائيلية الرسمية "كان"، بأن النية الأصلية لنتنياهو كانت إغلاق ثماني بلدات للحريديم، بيد أن اعتراض وزيري أحزاب الحريديم يعقوب ليتسمان وأرييه درعي حال دون ذلك، وعليه عمم قرار الإغلاق على جميع أنحاء البلاد.

إغلاق وسيناريوهات
ومع تسجيل عشرات الوفيات وآلاف الإصابات بالفيروس، دخل الإغلاق الشامل حيز التنفيذ، فيما صدر تقرير مرحلي عن لجنة الكنيست لمواجهة فيروس كورونا، ووجهت انتقادات شديدة اللهجة للحكومة وللمستوى السياسي في إدارة الأزمة.

كما انتقد تقرير اللجنة البرلمانية قرار نتنياهو توكيل مهمة إدارة ملف كورونا إلى مجلس الأمن القومي، وشدد أعضاء اللجنة على ضرورة إنشاء هيئة وطنية جديدة لإدارة الأزمات وحالات الطوارئ المستقبلية، والنقص بالمعدات الطبية والتغطية على ذلك بالسعي لإحضارها عبر حملات خاصة حول العالم في ظل أزمة كورونا.

ووجّه التقرير انتقادات لوزارة الصحة، واتهمها بالفشل في إدارة حالة الطوارئ وصياغة سيناريوهات قاسية ومتطرفة، عبر التهويل والتضخيم في أعداد الوفيات والإصابات بالفيروس، وذلك في محاولة منها للتغطية على فشلها وعدم جاهزية المنظومة الصحية للتعامل مع حالة الطوارئ، وعدم قدرتها على استيعاب كميات كبيرة من المصابين بالفيروس.

جاهزية وفشل
ووفقا لتقرير اللجنة البرلمانية، فإن وزارة الصحة -وبسبب عدم الجاهزية وعدم توفر أجهزة التنفس الاصطناعي المطلوبة- دفعت مع تواصل الارتفاع في وتيرة الوفيات والإصابات بكورونا، نحو الإغلاق الشامل للبلاد، وذلك للحيلولة دون تفشي الفيروس وفقدان السيطرة، ومنع انهيار المستشفيات والمراكز الطبية.

وأوصت اللجنة في تقريرها بضرورة إلغاء الإغلاق الشامل في البلاد والعودة المتدرجة لسوق العمل والاقتصاد فورا بعد انتهاء عيد الفصح العبري يوم الخميس من الأسبوع المقبل، مؤكدة أن تعليق قطاعات العمل والشلل الاقتصادي يشكل تهديدا إستراتيجيا على مستقبل البلاد أكثر من وباء كورونا.

وتعليقا على توصيات وانتقادات لجنة الكنيست لمواجهة كورونا للحكومة والمسؤولين في إدارة وزارة الصحة، نقل مراسل صحيفة "هآرتس" للشؤون البرلمانية يهونتان ليس، عن مصادر مقربة من نتنياهو قولها "اتضح أن لجنة كورونا هي لجنة سياسية بامتياز. وبينما يشيد العالم بنجاح إسرائيل الكبير في معركة كورونا، فإن هجمات اللجنة على صنع القرار وسياسة الإغلاق الشامل أكثر سخافة من أي وقت مضى".

خطأ وخسارة
في الجانب الآخر، وبعيدا عن الاعتبارات السياسية، كتب رجل الأعمال يكير غباي مقالا في صحيفة "كلكليست" التي تعنى بقضايا الاقتصاد والمال والأعمال، انتقد فيه قرار الإغلاق الشامل، مبينا أن حظر التجول ومنع التنقل وتعليق نشاط سوق العمل والاقتصاد يعتبر قرارا خاطئا، وليس حلا لمواجهة فيروس كورونا.

ودعا غباي إلى إلغاء الحظر والإغلاق فورا ورفع التقييدات وعودة قطاعات العمل والسوق التجاري والاقتصاد للعمل بشكل فوري، وإعادة النظر في إجراءات وآليات مكافحة فيروس كورونا وتغييرها على الفور، لافتا إلى أن سياسة الحكومة لمواجهة الوباء قد تفضي إلى خسارة المعركة ضد الفيروس، والأهم خسارة الاقتصاد.

ويعتقد أن السياسية التي تعتمدها الحكومة لمكافحة الوباء ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد ولن تحول دون تفشي الوباء، مبينا أن الحكومة الإسرائيلية رغم أنها كانت من أوائل الحكومات حول العالم التي شخصت المخاطر من تفشي الفيروس وعملت على وجه السرعة، فإنها فقدت الوسائل وتخبطت وضلت الطريق.

ويعتقد رجل الأعمال أن على صانعي القرار أن يسألوا أنفسهم: ما الغرض من جميع الإجراءات التي يقومون بها والإغلاق الشامل، هل الهدف هو تصحيح الدالة ووقف انتشار الوباء فقط؟

وقال إن الإغلاق يبطئ انتشار الفيروس ولكنه لا يقضي عليه، متسائلا: ماذا سيحدث إذا ما رُفعت التقييدات وعُلّق الإغلاق ثم عاد الفيروس إلى الانتشار والتفشي؟ هل سنفتح ونغلق الاقتصاد بين الحين والآخر على مدار السنوات المقبلة؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة