شهادات خاصة للجزيرة نت.. لماذا يتعايش البوسنيون بسهولة مع حصار كورونا؟

آدس حوغيتش وزميله يحملان الطعام إلى إحدى العائلات (الجزيرة)
آدس حوغيتش وزميله يحملان الطعام إلى إحدى العائلات (الجزيرة)

محمد شربي-سراييفو

يردد البوسنيون عبارة شهيرة كتبها علي عزت بيغوفيتش في كتابه السيرة الذاتية، حيث قال "أحيانا لا تعرف ما هو الخير لك وما هو الشر في هذه الحياة، فلو لم يتم سجني سنة 1946، وهو ما اعتبرناه أنا وعائلتي أمرا كارثيا، لما نجوت من القتل الذي قدر لزميل لي حلَّ مكاني في المنظمة بعد اعتقالي، أُعدم رميا بالرصاص بعد محاكمته في أكتوبر 1949، وهكذا أنقذ السجن حياتي!". 

لم يكن يعرف البوسنيون أن سنوات الحصار الصربي على العديد من مدنهم، وعلى رأسها العاصمة سراييفو، وأن المعاناة الشديدة التي عاشوها، ستكونان يوما ما مفيدتين لهم، فقد علمتهم قسوة السنين دورسا لا تُقدر بثمن، كما يقولون، وجعلت منهم شعبا قويا ومثلا يحتذى في تحدي الصعاب وإدارة الأزمات.

واليوم يدركون قيمة الدرس وعظمة التجربة، ويلاطف بعضهم بعضا قائلين "ماذا يعني حصار كورونا بالنسبة لحصار دام 1425 يوما"، ويعقدون المقارنات بين تلك الظروف القاسية وظروف التباعد الاجتماعي المفروضة الآن على البلاد.

‪المحلات تغلق أبوابها في سوق باش تشارشيا الشهير بسراييفو‬  (الجزيرة)

دروس الحياة
يقول آدس حوغيتش "عندما قامت الحرب، وحاصر الصرب سراييفو، كنت طفلا صغيرا قاموا بقصف منزلنا، ورأيت أبي يُقتل أمام عيني، لم أستطع مساعدته، منذ ذلك اليوم عشت يتيما، لكني لم أشعر بالوحدة، فقد وقف معي الأهل والجيران والأصدقاء". 

والآن -يضيف حوغيتش- "لما بدأت جائحة كورونا شكلتُ فورا مع بعض أصدقائي فريقا لدعم كبار السن، حيث نوصل لهم الطعام ومواد النظافة إلى بيوتهم حتى لا يخرجوا ويعرضوا أنفسهم للإصابة بالفيروس، إنني أشعر بسعادة غامرة، وأحمد الله لأنه جاءتني الفرصة لرد الجميل".

‪إبراهيم بيغوفيتش: أثناء حصار سراييفو كانت أسباب الحياة والخطر معا في خارج بيوتنا.. والآن الخطر فقط بالخارج‬ (الجزيرة نت)

أما الشيخ أحمد عاديلوفيتش فيقول "جاءت جائحة كورونا لتذكرنا بما عشناه طوال أربع سنوات، لكن الأمر يختلف كثيرا، فخلال فترة العدوان تعودنا العيش حيث لا ماء ولا كهرباء ولا غاز للتدفئة، لهذا فالعيش في ظل إجراءات كورونا والتباعد الاجتماعي -حيث كل شيء في متناول أيدينا- أسهل علينا بكثير، نحن كمن تدرب استعدادا لامتحان صعب للغاية فجاءه امتحان يسير". 

لكن المهندس آيس بيركوفيتش لا يتفق مع هذا الرأي، ويقول "كنت خلال سنوات الحرب جنديا في الجيش البوسني، وكنت في الخطوط الأمامية لقتال عدو أعرفه جيدا، أدافع عن أهلي وبلدي، أما الآن فهذا العدو (فيروس كورونا)، أنا لا أعرفه بل لا يعرفه أحد، لا يمكننا قتاله بل عليّ أن أنسحب أمامه، هذا الأمر يضايقني جدا، أرى الناس في بعض البلدان يتشاجرون من أجل كيس طحين أو ورق التواليت، نحن على الجبهة كنا نقتسم لقمة الخبز وشربة الماء، وبفضل الله، لم يمت أحد منا جوعا ولا عطشا".

أما الأستاذ إبراهيم بيغوفيتش فيعقد مقارنة، "أثناء حصار سراييفو، كانت أسباب الحياة من طعام أو ماء أو حطب التدفئة في خارج بيوتنا فكنا نخرج ونخاطر حتى نحصل عليها، أما الآن فأسباب الحياة كلها في البيت والخطر في الخارج"، في إشارة إلى سهولة الأمر حاليا بمقارنة بسنوات الحرب.

‪آيس بيركوفيتش: كنا نقتسم لقمة الخبز وشربة الماء‬ (الجزيرة نت)

شهادات أجانب
لا يتذكر البوسنيون دروس الحصار وحدهم، بل ويستحضرها معهم بعض ممن عاشوا معهم، من هؤلاء الصحفية الأميركية باربرا ديميك التي كتبت في افتتاحية لوس أنجلوس تايمز، مقالة بعنوان "كيف أعدّتني الحياة في سراييفو خلال الحصار للتعايش مع العزلة بسبب فيروس كورونا؟".

تقول باربرا "إنها بدأت مسيرتها المهنية كمراسل أجنبي في تسعينيات القرن الماضي في سراييفو والتي كانت تخضع لحصار من القرون الوسطى تقريبًا، حيث كانت معزولة وتقصف باستمرار".

وتضيف "أتذكر عندما سألتني امرأة بوسنية "ما رأيك، كيف كنتم ستعيشون أيها الأميركان لو أنكم في مثل هذه الظروف؟، لقد ظل ذلك السؤال عالقا بذهني على مر السنين، والآن، مع فيروس كورونا، تعرفت على جزء من الإجابة".

ثم تتابع "هذا لا يعني مساواة معاناة أهل سراييفو مع معاناة الأميركيين اليوم، حيث إن النقص في ورق التواليت، على سبيل المثال، هو إحدى المشكلات الكبرى، أما في سراييفو، فلم يكن بإمكان الناس الحصول على الماء، وكانت مغادرة المنزل بحثًا عن الطعام تعني المخاطرة بحياتك".

‪المدينة القديمة في سراييفو خلال حظر التجول‬  (الجزيرة)

مواكبة الحياة
وتعدد الدروس التي تعلمتها من سراييفو و"هي تكيف السكان مع الواقع الجديد وبذلهم الجهد وهم محاصرون في منازلهم أو في الملاجئ تحت الأرض لمواكبة مظاهر الحياة الطبيعية، من ذلك محاولتهم يوميا تغيير ملابسهم، بالرغم من صعوبة غسلها دون إمدادات مياه منتظمة".

ولم تكن الصحفية الأميركية هي الوحيدة التي شهدت لصمود سراييفو، فقد حذت حذوها أيضا الكاتبة الصربية الشهيرة "بيليانا سيربليانوفيتش" خلال مقابلة تلفزيونية، في برنامج "برفا تيما" بقناة "برفا" الصربية، وذلك بعد تعافيها من الإصابة بفيروس كورونا.

تقول "يشتكي البعض من إجراءات العزل والتباعد الاجتماعي، ويدّعون أن هذا انتهاك للحرية وحقوق الإنسان، وأود أن أذكّر المشاهدين أنه في هذه الأيام بالتحديد تمر ذكرى بداية حصار سراييفو، حيث بقي الناس هناك في عزلة منزلية لمدة أربع سنوات، تحت الرصاص، من دون كهرباء ولا ماء". 

‪جنانة هوسريموفيتش: لا بد أن تكون أعيننا على المستقبل لإدارة ما بعد الأزمة‬ (مواقع التواصل)

ما بعد الأزمة
أما علماء النفس فيرون الموضوع من زاوية أخرى، ففي حوارها مع جريدة "فاكتور تقول أستاذة علم النفس بجامعة سراييفو جنانة هوسريموفيتش، "أنا لست قلقة بشأن قدرتنا على إدارة الأزمة، فإننا تعلمنا ذلك جيدا وتدربنا عليه لمدة أربع سنوات خلال العدوان علينا، لكني قلقة بشأن كيفية إدارة ما بعد الأزمة". 

وتضيف "خلال سنوات العدوان كنا نعتقد أن أهم شيء هو البقاء، أن ننجو بأرواحنا من الخطر الداهم الذي كان يحيط بنا، فعلنا كل شيء حتى نبقى أحياء، ونجحنا في ذلك، لكننا بعد ذلك أدركنا أن مخاطر ما بعد الأزمة أخطر وأصعب، واستغرق علاج فترة ما بعد الأزمة زمنا طويلا، بل ما زلنا نعاني من آثارها".

والآن -تؤكد هوسريموفيتش- "لا يجب أن نكرر الشيء نفسه مع فيروس كورونا، لا بد أن نعمل على البقاء أحياء، لكن في الوقت ذاته لا بد أن تكون أعيننا على المستقبل لإدارة ما بعد الأزمة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة