كوريا الشمالية.. أين الزعيم؟

كيم جونغ أون يراقب تدريبات وحدات المدفعية ل يلق الجيش الشعبي الكوري (غيتي)
كيم جونغ أون يراقب تدريبات وحدات المدفعية ل يلق الجيش الشعبي الكوري (غيتي)
مجدي مصطفى
 
أن يغيب زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون عن الاحتفال بمرور 108 سنوات على مولد جده كيم إيل سونغ الزعيم المؤسس للبلاد، فهذا يعني أن ثمة خطبا جللا حال دون ذلك، خصوصا أنها أهم مناسبة في تلك الدولة الشيوعية. 
 
هذا الغياب يعدّ سابقة تاريخية لم تعرفها البلاد من قبل، سواء في حياة الجدّ المؤسس أو الأب كيم جونغ إيل "الزعيم الثاني"، أو حتى الحفيد نفسه منذ أن آلت إليه "الزعامة الثالثة" لكوريا الشمالية خلفا لأبيه الراحل قبل تسع سنوات.
 
مرت المناسبة يوم 15 أبريل/نيسان الجاري ولم يسجل للزعيم أي حضور، لكن الأسئلة عن سبب الغياب حاضرة تنتظر إجابة بيونغ يانغ التي لزمت الصمت، فتولت المصادر الأميركية الحديث عن "تدهور الحالة الصحية للزعيم الشاب بعد جراحة في القلب"، فيما تنشغل الجارة الجنوبية بالتحقق، وكذلك اليابان وبقية دول الإقليم المشغولة بصحة الزعيم التي سحبت جزءا من الاهتمام بصحة العالم في ظل جائحة كورونا.  
 
آخر ظهور علني لكيم جونغ أون سبق المناسبة بأربعة أيام، حيث ترأس اجتماع المكتب السياسي لحزب العمال الحاكم في 11 أبريل/نيسان، وناقش التدابير الوقائية ضد جائحة كورونا، وانتخب أخته كعضو مناوب في المكتب.
 
وذكرت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية، أن كيم "أرسل تحياته إلى الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الماضي، كما وجّه التهنئة لامرأة كورية شمالية لبلوغها عامها المئة".  
 
ولم تذكر وسائل الإعلام الكورية الشمالية أية نشاطات للزعيم بعد هذا الموعد، أو تنشر له أي صورة، مما فتح الباب أمام أنباء متواترة وردت في وسائل الإعلام الأميركية تتحدث عن تردي الحالة الصحية للزعيم الشمالي.
 
واستشهد تقرير لشبكة "سي إن إن" الإخبارية الأميركية بمسؤول أميركي رفض ذكر اسمه، قال إن كيم "في حالة سيئة بعد عملية جراحية غير محددة". وفي وقت لاحق، أخبر مسؤول أميركي آخر الشبكة نفسها بأن "المخاوف بشأن صحة كيم موثوقة ولكن من الصعب تقييم شدتها".
 
ونقل موقع "دايلي إن كاي" المتخصص في أخبار كوريا الشمالية عن مصدر محلي في بيونغ يانغ، قوله إن كيم جونغ أون "خضع لعملية جراحية لأوعية القلب الدموية يوم 12 من الشهر الجاري".
 
ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤول أميركي قوله إن البيت الأبيض كان على علم قبل ظهور التقارير في وقت متأخر من يوم أمس الاثنين، أن صحة كيم" قد تكون محفوفة بالخطر، والولايات المتحدة لديها معلومات تفيد بأن كيم قد خضع لعملية جراحية، وأن المضاعفات ربما جعلته عاجزا".
 
لكن المسؤول الذي رفض ذكر اسمه شدد على أن الولايات المتحدة "ليس لديها ما يؤكد إجراء الجراحة أو أن أي مضاعفات قد حدثت"، ولم يوضح من أين أتت المعلومات أو متى تلقاها؛ بينما لم يعلق البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية على الأمر. 
 
تفاوتت أصداء تلك الأنباء في الإقليم خصوصا لدى الجارة الجنوبية، حيث أعلن "البيت الأزرق"  الرئاسي في كوريا الجنوبية أنه ليس لديه معلومات حول الشائعات بشأن صحة كيم، وقالت وزارة الوحدة في سول "لا يوجد شيئا يعلن عنه رسميا".
 
وقال المسؤول الحكومي عن التعامل مع كوريا الشمالية، "بحسب علمي، لا يوجد ما يقدر به سوء صحة كيم جونغ أون بالإشارة إلى ممارسة كيم نشاطه المعلن في الآونة الأخيرة". وفي اليابان، قال كبير أمناء مجلس الوزراء يوشيهيد سوجا إن حكومته "تراقب الوضع".
‪الزعيم الشمالي مستعينا بعصا للمشي بعد غياب دام 40 يوما عام 2014‬ الزعيم الشمالي مستعينا بعصا للمشي بعد غياب دام 40 يوما عام 2014  (رويترزـ أرشيف)

الصحة والغياب
أطول حالة غياب سابقة للزعيم الكوري الشمالي كانت عام 2014، وارتبطت بأسباب صحية أيضا، حيث اختفى كيم عن أعين الجمهور لمدة ستة أسابيع تقريبا، مما أثار موجة من التكهنات من  بينها أنه أقصي عن الحكم في انقلاب دبره له بعض السياسيين الكبار.

 
ما لبث كيم أن عاد للظهور بعد 40 يوما متكئا على عصا، وأقرّت وسائل الإعلام الكورية الشمالية وقتها بأنه كان يعاني من "حالة مرضية غير مريحة"، لكنها لم تنف أو تؤكد الإشاعات التي تحدثت عن إصابته بالنقرس، وقالت وكالة التجسس في كوريا الجنوبية حينها إنه أزال كيسا من كاحله.
 
صحة الزعيم الشاب سرٌّ من الأسرار الكبرى في تلك الدولة الشيوعية المغلقة، تلزم أقصى درجات الحيطة والتكتم والحذر بشأنها حتى في سفره خارج البلاد. وفي هذا الصدد يقول لي يون كيول العضو السابق في وحدة قيادة الحرس الكوري الشمالي، إن كيم جونغ أون لا يستخدم أية حمامات أثناء سفره، ويلجأ عوضا عنها لـ"مرحاض شخصي".
 
ويوضح  لي أن السبب وراء هذا لا علاقة له بالنظافة، بل لأن "إفرازات الزعيم تحتوي على معلومات بشأن حالته الصحية لا يمكن تركها وراءه". وفي عام 2015، ذكرت وكالة الأنباء الكورية الجنوبية أن حماما مخصصا تم بناؤه في واحدة من سيارات قافلة كيم للمركبات المدرعة.    
 
‪الزهور تحيط بتمثالين للجد المؤسس (يسار) والأب الراحلين في "قصر الشمس" بالعاصمة بيونغ يانغ‬ (رويترز)

البديلة
وفي محاولة مبكرة لرصد واستشراف مستقبل كوريا الشمالية في حالة العجز الصحي للزعيم، يستبعد المحلل تشونج سيونج تشانج من معهد سيجونج الخاص في كوريا الجنوبية، حدوث اضطراب سياسي في كوريا الشمالية "حتى لو أصبح كيم مهمشا بسبب المشاكل الصحية".

 
وقال تشونج إن كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري، تمارس بالفعل نفوذا كبيرا داخل الحكومة، وإن معظم أعضاء قيادة بيونغ يانغ يجمعون على دعم عائلة كيم والالتفاف حولها في الحفاظ على نظام كوريا الشمالية.
 
وتبدو الشقيقة كيم يو جونغ هي الخيار الواضح، ليس لأنها فقط تنحدر من نفس "سلسال دم بيكتو المقدس" عند الكوريين الشماليين الذي تنتمي إليه السلالة الحاكمة، بل لأنها أيضا أخذت تتصدر عناوين الأخبار. ففي الشهر الماضي أصدرت أول بيان رسمي لها، وأصبحت تشاهد -بصحبة شقيقها- في القمم الرئيسية التي يحضرها.  
 
تتبع تطورات وأخبار النخبة الحاكمة في كوريا الشمالية يعد أمرا بالغ الصعوبة، بسبب سيطرة بيونغ يانغ الصارمة على المعلومات المتعلقة بها. وإلى أن تفسر أو تحسم بيونغ يانغ أمر الغياب الحالي لتنهي مراقبة الجوار والتحقق من التقارير الإعلامية الأميركية، تظل شخصية الزعيم الشاب مغرية بالتوقف عندها بعد أن دخلت البلاد السنة العاشرة من حكمه. 
‪ترامب وكيم في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين في صيف عام 2019‬ (غيتي-أرشيف)

العجوز والسمين
وعلى العكس من الجد والأب الراحلين، يبدو الزعيم الثالث لكوريا الشمالية أقل لياقة بدنية منهما مقارنة بسنه، فهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره -بحسب التقديرات- لكنه خلال اللقاءات الثلاثة التي جمعته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب (73 عاما) في عامي 2018 و2019، بدا الأخير أكثر رشاقة من الزعيم الشاب لأفقر دولة نووية في العالم، والذي يتمسك بشراسة بحق بلاده في امتلاك ترسانة نووية؛ ثم توقفت الجهود الدبلوماسية المتعلقة بهذا الملف منذ ذلك الحين.

 
قبل تلك اللقاءات كانت الرشاقة والعمر موضوعا للتلاسن والتنابذ بين ترامب وبيونغ يانغ التي وصفت الرئيس الأميركي بـ"العجوز المجنون"، فما كان من ترامب إلا أن رد على تويتر -كعادته- قائلا "لماذا يسيء إليّ كيم جونغ أون ويصفني بالعجوز، في حين أنني لن أصفه أبدا بالقصير السمين؟".
 
ويستدعي الحديث عن الرشاقة، العادات الغذائية للزعيم الكوري الشمالي، حيث ذكرت تقارير غربية أنه  يتناول في وجبة الغداء "السوشي" مع شريحة لحم كوبي، وهو لحم بقري عالي الجودة، ويتناول البيتزا وعليها طبقة كبيرة من اللحم والدهن وقطع من لحم الخنزير.
 
كما يحب هذا الشاب الذي -أمضى أربع سنوات من مراهقته طالبا في سويسرا، بدأها عام 1996- أنواعا أخرى من اللحوم، مثل لحم "بروشوتو" أي لحم الخنزير الإيطالي المبشور بالملح، ويحب أن يتناول وجبة إسبانية من فخذ الخنزير تسمى "هامون"، أما بالنسبة للتدخين، فإنه يدخّن السجائر الباهظة الثمن ويشرب الخمور المستوردة.
 
هذه العادات الغذائية إلى جانب السمنة ترجّح صحة الرواية التي لم ينفها أو يؤكدها أحد رسميا بعد، وهي أن الغياب يعود لأسباب صحية تتعلق بسلامة القلب والشرايين، وليس كورونا الذي لا يُعلَم أعداد ضحاياه في كوريا الشمالية، صاحبة الحدود البرية الطويلة مع الصين بلد المنشأ، وكوريا الجنوبية التي طالها الوباء وخلف عشرات الآلاف من الوفيات والإصابات.
المصدر : الجزيرة + وكالات

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة