بسبب كورونا.. أكثر من مليون فرنسي غادروا باريس هربا من العزلة والاكتئاب

هشام أبو مريم-باريس
 
عادت بشرى الرامي (25 عاما) إلى منزل والديها في مدينة ميس شرقي فرنسا (نحو 500 كلم من العاصمة باريس) قادمة من باريس، بسبب إجراءات الحجر الصحي الصارمة التي فرضتها الحكومة الفرنسية من أجل الحد من انتشار فيروس كورونا، خصوصا في العاصمة الفرنسية التي يقطنها أكثر من 13 مليون نسمة وتتركز فيها كبرى الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة.
 
وكانت شركة الاتصالات الفرنسية "أورانج" نشرت تقريرا قبل أيام، أكدت فيه مغادرة أكثر من 1.2 مليون فرنسي العاصمة باريس باتجاه مختلف المدن والأرياف الفرنسية، وذلك من خلال تتبع تحركات الأشخاص باستخدام بيانات تحديد الموقع الجغرافي لهواتفهم خلال الأسبوع الأول من الحجر الصحي، وهو ما يشير إلى أن هذه النسبة ستزداد بوتيرة سريعة، كما ستنتشر في مدن فرنسية أخرى.
 
مخاوف حكومية
وحلت مدينة تولوز جنوبي البلاد في المرتبة الثانية، حيث غادرها أكثر من مئة ألف شخص في ظرف أسبوع فقط، باتجاه المدن المجاورة، وهو ما أثار مخاوف الحكومة الفرنسية من تفشي الفيروس بشكل أوسع وأسرع، ودعت المواطنين إلى الالتزام بالحجر الصحي وهددت بتغريم المخالفين.
 
أكثر من مليون فرنسي غادروا باريس باتجاه مناطق أخرى (مواقع التواصل الاجتماعي)

كما خفضت الحكومة حركة النقل بالنسبة للقطارات والحافلات بين المدن، وأصبحت لا تتجاوز نسبة 7% من مجموع الرحلات اليومية.

 
يشار إلى أن وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستنير جدد أمس الأربعاء دعوته لسكان باريس إلى الالتزام بإجراءات الحجر الصحي، والعدول عن السفر في الأيام المقبلة، خاصة أن الإجازة المدرسية السنوية لشهر أبريل/نيسان تبدأ غدا الجمعة، وعادة ما تشهد سفرا كثيفا لسكان باريس باتجاه كل مناطق فرنسا لقضاء عطلة الربيع.
 
كسر العزلة القاتلة
وتقول بشرى -التي تعمل موظفة تسويق في إحدى كبرى شركات الإعلانات والتسويق الإلكتروني- إنها لم تغادر باريس خوفا من فيروس كورونا، بل هروبا من الوحدة والعزلة، وبسبب مسكنها الضيق الذي لا يتجاوز 30 مترا مربعا، إضافة إلى إجراءات الحجر الصحي الصارمة التي فرضتها بلدية باريس والحكومة على سكان العاصمة بهدف احتواء تفشي الفيروس.
 
السلطات الفرنسية أعلنت أنها ستفرض قيودا على السفر بين المدن خلال عطلة الربيع (الصورة من موقع وزارة الداخلية الفرنسية)

وأوضحت بشرى في حديث للجزيرة نت أنها تفضل أن تكون إلى جانب والديها في حال مرضهما للاعتناء بهما، إضافة إلى قضاء أوقات جميلة في بيت والدها الفسيح، وحديقته التي يحلو فيها العمل خلال هذه الأيام المشمسة على وجه الخصوص، حسب تعبيرها.

 
وترى الشابة الفرنسية من أصول مغربية أن مغادرتها لباريس تصرف مسؤول وليس أنانية كما يزعم البعض، أو تهديدا لصحة مواطني المدن الصغرى، لأن الهدف الأساسي منه يتمثل في مواصلة العمل في ظروف أحسن، وفي أحضان ودفء العائلة، لكسر العزلة القاتلة في باريس، ولتجنب الاكتئاب أو أي مرض نفسي قد ينتج عن إجراءات التباعد الاجتماعي، نتيجة الإجراءات الاحترازية الصارمة التي فرضتها الحكومة لاحتواء فيروس كورونا.
 
سيف ذو حدين
ويرى المختص في علم الفيروسات في المستشفى الجامعي لمدينة ليون (جنوبي شرقي فرنسا) الدكتور يحيى مكي عبد المؤمن أن مغادرة الفرنسيين بأعداد كبيرة لباريس باتجاه المدن الصغيرة، فيه جانب إيجابي وآخر سلبي، إذ إن العائلات الميسورة التي تتوفر على منزل ثان في الأرياف والمدن الصغيرة يمكنها أن تعيش فترة الحجر الصحي في أمان وفي خلوة بعيدا عن الزحام وضيق المساكن في باريس الذي ينتج عنه ضغط نفسي قوي.
 
‎⁨⁨ الدكتور يحيى مكي عبد المؤمن يرى أن نزوح الفرنسيين من باريس له إيجابيات وسلبيات (الجزيرة نت)

كما أن مغادرة الفرنسيين بكثرة للمدن الكبرى سيساعد على التقليل من خطر انتقال العدوى بين المواطنين، حسب رأي الدكتور يحيى.

 
يذكر أن وزيرة المساواة مارلين شيابا قد كشفت قبل يومين عن ارتفاع كبير في نسبة العنف المنزلي بلغت 36% في منطقة باريس، و32% في ضواحي العاصمة، خلال الأسبوع الأول من الحجر الصحي.
 
أما الجانب السلبي في ظاهرة مغادرة الفرنسيين لباريس، فيرى يحيى مكي أنها قد تشكل تهديدا كبيرا للصحة العامة، لأن المدن الصغيرة والأرياف لا تتوفر على التجهيزات الكافية من مستشفيات وطواقم طبية للتعامل مع المواطنين المصابين، وهو ما سيخلق حالة من الإرباك لدى الطواقم الطبية.
 
وأشار إلى ضرورة التزام المواطنين بإجراءات الحجر الصحي، خصوصا أن المدن الصغرى والأرياف تعرف نقصا حادا في الأطباء، وتتركز فيها نسبة عالية من المسنين والمتقاعدين.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة