بين منحة السيسي ومحنة صرفها.. كورونا يزيد أوجاع المصريين

العمالة غير المنتظمة في مصر من أبرز ضحايا تأثيرات فيروس كورونا الاقتصادية (الجزيرة)
العمالة غير المنتظمة في مصر من أبرز ضحايا تأثيرات فيروس كورونا الاقتصادية (الجزيرة)

محمد عبد الله-القاهرة

فجرت تداعيات أزمة فيروس كورونا المستجد الاقتصادية قنبلة العمالة غير المنتظمة في العديد من دول العالم، ومن بينها مصر، التي تضم بين 10 و12 مليون عامل، وبات الكثير منهم من دون عمل أو دخل أو تعويض، وفق وزارة القوى العاملة.

وفي محاولة لدعم هذه الملايين، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي منحة قدرها خمسمئة جنيه (نحو 31 دولارا فقط)، تصرف لمدة ثلاثة شهور للعمالة غير المنتظمة، وقالت الحكومة المصرية إنها بدأت صرفها منذ أمس الاثنين.

ورغم أن المنحة "لن تسمن أو تغني من جوع" حسب تعبير البعض؛ فإنها تضمنت استغلالا سياسيا واضحا، كما كان مشهد صرفها مثارا لانتقادات واسعة بسبب التزاحم، وتجاهل إجراءات الوقاية من عدوى فيروس كورونا. 

منحة ومحنة
وتدور الأرقام المعلنة عن الأعداد المستحقة للمنحة حول 1.5 مليون شخص، لكن السلطات المصرية بدأت صرف المنحة للعمالة المسجلة لدى وزارة القوى العاملة فقط، البالغ عددها 120 ألف عامل، بتكلفة ستين مليون جنيه.

وبات الشغل الشاغل لملايين العمال المتضررين هو زيارة موقع وزارة القوى العاملة وتسجيل البيانات المطلوبة، غير أن الأمر أضحى معقدا، حيث واجه العديد من العمال صعوبات بسبب الأمية وعدم القدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، فضلا عن عدم استيفاء الشروط.

كما استثنت الحكومة أكثر من 25% من المتقدمين لنيل المنحة، حيث أوضح عضو لجنة القوى العاملة بالبرلمان المصري خالد شعبان -في تصريحات صحفية- أن من بين شروط الحصول عليها فرز العاملين ممن فقدوا وظائفهم على خلفية تفشي فيروس كورونا، وإثبات علاقة العمل السابقة من خلال الاشتراك في شهادة أمان المصريين، وإثبات الاشتراك في التأمينات، فضلًا عن إثبات المهنة في بطاقة الرقم القومي، وهو غير متوفر لأغلب العاملين المتضررين، ومن بينهم حملة شهادات متوسطة وعليا.

ويقول نشطاء عماليون ومراقبون إنه رغم ضآلة المنحة، فإنها كانت بمثابة طوق نجاة لكثيرين بشكل مؤقت، لكنها كشفت أيضا عن انهيار في معيشة الملايين من جهة أخرى، كما كشفت قدرات الحكومة المصرية المحدودة في دعم هؤلاء المتضررين.

لكن رواد مواقع التواصل الاجتماعي سخروا من الاستغلال السياسي للمنحة مع كثافة الترويج الإعلامي لها، رغم ضآلتها، والتي لن تكفي البعض سوى يومين أو ثلاثة.

في حين انتقد آخرون إجراءاتها المعقدة، وطريقة صرفها التي حملت إهانة للعمال، حيث يتم عرض وجوههم ليل نهار على وسائل الإعلام، فضلا عن التكدس أمام بعض مكاتب البريد وفروع البنوك.

وكالعادة استغل أنصار السيسي المنحة للترويج للنظام وسياساته، حيث اعتبرها البعض "هبة ومنحة من الرئيس"، ووصفه آخرون بأنه نصير الغلابة والمساكين والعمال".


تجارب سلبية
من جهته، قال عضو حركة الاشتراكيين الثوريين سابقا محمد شعبان إن إجراءات التسجيل معقدة، "كما أن شروطها مقيدة؛ فالمنحة لا تعطى إلا لمن قام المقاول الذي يعمل معه بتسجيل اسمه لدى التأمينات الاجتماعية، وهؤلاء نسبة لا تتعدى 5% من العمالة غير المنتظمة".

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح شعبان أن كثيرا من هؤلاء العمال غير مرتبطين بتأمينات، وليست لديهم معاشات، مثل عمال اليومية والمطاعم والمقاهي والورش وغيرها، لذلك لا يحصلون على شيء.

وأوضح أنه كان يعمل في السابق بأحد مصانع الاستثمار في محافظة بورسعيد، وحاليا لا يعمل، وبالتالي لا تنطبق عليه شروط المنحة.

ولم يستبعد شعبان استغلال السلطات المصرية المنحة لتبييض وجهها، في ظل الأزمة الطاحنة التي يمر بها ملايين المصريين من الفقراء والبسطاء، مضيفا أنه "لذلك نجد أنصار الدولة يستغلونها، وكما يقول المثل الشعبي الدارج الحداية لا ترمي كتاكيت". في إشارة إلى الخبرات والتجارب السلبية للمصريين تجاه القرارات الحكومية.


الخوف من الانفجار
وفرضت الحكومة قبل أسابيع حظرا ليليا، وأغلقت المطاعم والمقاهي والكافيهات والأندية الرياضية والصحية والأنشطة الترفيهية، ودعت إلى تقليص عدد العمالة في القطاعين العام والخاص، وتقليل أوقات العمل في بعض القطاعات، ووقف العمل في قطاعات أخرى.

لكن مع تزايد عدد العاطلين وشكاوى رجال الأعمال؛ سارعت الحكومة لتخفيف إجراءات السلامة وحماية المواطنين، ودعت إلى عودة العمل في العديد من القطاعات، ومن بينها قطاع التشييد والبناء الذي يضم وحده نحو 3.5 ملايين عامل.

وتحسبا لانفجار أكبر، واتساع دائرة التذمر، وتساقط الآلاف في براثن البطالة والفقر؛ أيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الأسبوع الماضي دعوات استئناف نشاط بعض القطاعات، وهو ما انسجم مع دعوات رجال الأعمال، رغم أن وزراء بالحكومة كانوا قد لوحوا باحتمال فرض إجراءات وقائية أكثر صرامة.

ويفاقم من أزمة العمالة غير المنتظمة أن الأغلبية منهم يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، الذي يشكل بين 40 و60% من حجم الاقتصاد الرسمي، وفق هيئات محلية ودولية ونواب بالبرلمان.

ورجح أستاذ الاقتصاد السياسي عمرو عدلي أن يضعف ذلك اقتصادات دول مثل مصر والمغرب وتونس، بسبب التداعيات الاقتصادية السلبية لفيروس كورونا.

وذكر في مقال بموقع بلومبرغ أن الحكومات تواجه صعوبة في إجبار الأسواق المؤقتة على الإغلاق وتصفية البائعين والمتجولين من الشوارع، كما أن من الصعب التعامل مع الأعمال الصغيرة ومتناهية الصغر التي تستخدم عمالا غير رسميين.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

أيهما أكثر أهمية أرواح البشر أم إنقاذ الاقتصاد؟ وهل يجب على الناس البقاء في منازلهم ووقف العمل لمواجهة انتشار جائحة كورونا؟ أم يجب استئناف بعض الأعمال أو كلها لحماية الاقتصاد؟

12/4/2020
المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة