الشدائد تقوي الصداقات.. قصص تضامن مقيمين عرب مع الصين في محنتها

الجزيرة نت-بكين

لم يكن محمد أبو ناموس يعلم أن رحلته التي خُطط لتكون سياحية ستتحول لرحلة علاجية بعد سفره من مدينة ووهان وسط الصين -حيث يدرس الدكتوراه بالجامعة المركزية- إلى مدينة قوانغتشو جنوب الصين، ليستقر به المطاف في أحد مستشفياتها للعلاج من إصابته بفيروس كورونا الجديد.

يروي للجزيرة نت تفاصيل رحلته الصعبة مع العلاج، والمشقة التي تحملها بعيدا عن أهله في مسقط رأسه قطاع غزة، وبُعده عن أصدقاء ورفاق الدراسة في مدينة ووهان.

يقول أبو ناموس إنه خضع للحجر الصحي بعد تشخيص إصابة أحد أصدقائه بالمرض، وخلال تلك الفترة ثبتت إصابته وبدأت رحلة العلاج "القاسية" في المدينة التي جاءها زائرا بعيدا عن محيطه وأصدقائه في ووهان.

لكن أبو ناموس تعافى من المرض ووجد دعما كبيرا من الطلبة والمقيمين العرب في قوانغتشو من خلال الاتصالات الهاتفية وإرسال الوجبات الغذائية للمستشفى الذي يمكث فيه، بعدما عرفوا بإصابته بالفيروس. 

مساعدات أردني مقيم في فوشان (الجزيرة نت)

لجنة خاصة
يقول شادي اللهاليه، وهو طالب دكتوراه بجامعة جونان للاقتصاد والقانون بمدينة ووهان، إن التضامن الذي أبداه الطلبة العرب تجاه بعضهم كان "مشرفا" خاصة في مدينة ووهان التي باتت تحت الحجر الصحي منذ نهاية يناير/كانون الثاني الماضي بسبب تفشي الفيروس فيها.

يعيش اللهاليه مع 88 طالبا من جنسيات مختلفة داخل منطقة السكن الجامعي، ويُحظر عليهم الخروج منه، مما يجعل مهمة توفير المستلزمات الحياتية شاقة.

فقد شكل الطلاب منذ اليوم الأول لإعلان الحجر الصحي على المدينة لجنة خاصة من الطلبة الأقدم جامعيا في الصين، مهمتها تأمين الاحتياجات اليومية من مواد غذائية ومستلزمات وقائية وطبية بحسب اللهاليه.

ويضيف للجزيرة نت أن اللجنة تُشرف أيضا على الحالة الصحية للطلبة، وتتابع مع اللجان الطبية في الجامعة أي حالات قد تظهر عليها أعراض الإصابة بالفيروس حرصا على سلامة المصاب ومنعا لاختلاطه بالطلبة الآخرين. 

الكفيري قدم كمامات وقفازات طبية (الجزيرة نت)

استجابة عربية
تكاتف الجهود بين الطلبة العرب لم يكن هو شكل التضامن الوحيد في ظل انتشار الوباء وحصد أرواح آلاف السكان. فنداءات الاستغاثة -بضرورة تأمين مستلزمات طبية ووقائية في ظل نفادها داخل الصين- لاقت آذانا عربية صاغية من غيرهم من المقيمين هبوا للمساعدة رغم وجودها في دائرة الوباء.

فقد استطاع أيمن الكفيري رجل الأعمال الأردني المقيم في مدينة فوشان جنوب الصين تأمين 320 ألف كمامة، بالإضافة إلى مئتي ألف قفاز طبي، ونقلها بالتنسيق مع السفارة الصينية في عمان، من الأردن إلى الصين، وتسليمها للحكومة المحلية في المدينة.

يقول الكفيري إنه كان يخطط للعودة إلى بلده مع بداية عطلة رأس السنة الصينية، لكن إعلان الحكومة الصينية بدء انتشار الفيروس من مدينة ووهان دفعه لإلغاء رحلته والبدء في اتصالات لتأمين مساعدات عاجلة للبلد الذي يقيم فيه منذ سنوات.

ويضيف أن عائلته في الأردن استطاعت شراء المستلزمات خلال أيام قليلة، وتولت السفارة الصينية هناك مسؤولية نقلها وقد تولى صديق له من سوريا دفع تكاليف التخليص الجمركي في الصين.

وبلغت قيمة التبرعات التي تسلمتها الحكومة المحلية في مدينة فوشان 434 ألف يوان (نحو 62 ألف دولار أميركي) بالإضافة إلى 120 ألف يوان تم دفعها لاستكمال تخليص ونقل المستلزمات، حيث قامت بتوزيعها حسب الاحتياجات.

حملات تضامن أخرى نظمتها الجالية اليمنية، وقدمت في فترة وجيزة ثلاثمئة ألف كمامة طبية لمدينة ووهان، ونحو ستة آلاف كرتونة معقمات لليدين تم إرسالها إلى مدينة ييوو شرق الصين.

يقول فارس المعماري مساعد الملحق الثقافي بالسفارة اليمنية في بكين إن المساعدات جمعت من خلال تبرعات أبناء الجالية اليمنية، مشيرا إلى مبادرات فردية أيضا نفذها رجال أعمال يمنيون بالتبرع مباشرة للصليب الأحمر الصيني ومراكز الطوارئ في عدة مدن صينية.

مساعدات الجالية اليمنية (الجزيرة نت)

رد الجميل
وبموازاة الموقف الرسمي الصيني الذي قدم الشكر للدول والمؤسسات والأفراد التي أرسلت مساعدات، عبر مواطنون صينيون عن امتنانهم لكل من وقف بجانب بلادهم في هذه المحنة.

ويعلق شوي تشينغ قوه الأستاذ والباحث بجامعة الدراسات الدولية في بكين على ذلك بالقول إن حالة التضامن العربية الرسمية والشعبية مع الصين تعكس عمق العلاقات بين الجانبين "وصدق المثل القائل الصديق وقت الضيق، والمحنة تزيد الصداقة قوة".

ويضيف أن بقاء الكثير من "الأصدقاء العرب" ومشاركة الشعب الصيني محنته، ومد يد العون له، تبرهن على أنهم "جزء أصيل من هذا المجتمع الكبير".

وقال الصحفي الصيني لي قانغ إن العلاقة مع العرب ضاربة في القدم، وقد عكست حملات التضامن الشعبية داخل وخارج الصين "شهامة المواطن العربي".

المصدر : الجزيرة