الإعلام في "حضرة" كورونا.. بين البحث عن الإثارة واحترام أخلاقيات المهنة

جانب من مؤتمر صحفي لوزير الصحة التونسي قبل أيام (الأناضول)
جانب من مؤتمر صحفي لوزير الصحة التونسي قبل أيام (الأناضول)

آمال الهلالي-تونس
عبد الرؤوف زقوت-غزة

أثارت حادثتان وقعتا قبل أيام في كل من تونس وقطاع غزة موجة انتقادات إزاء تعامل وسائل الإعلام في تغطية التطورات المتعلقة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، واضعة أخلاقيات المهنة على المحك.

وأدى دخول فريق تلفزي لمكان مخصص للحجر الصحي غضبا عارما في تونس، إثر حصول مناوشات بين الصحفية وبعض الموجودين بالمقر، في حين سارعت جهات إعلامية رقابية لتسليط عقوبات صارمة ضد القناة، لمخالفتها أخلاقيات العمل الصحفي.

وبثت قناة "التاسعة" الخاصة وفي إطار تغطيتها لتفشي الوباء وآليات تعامل السلطات معه، برنامجا تلفزيونيا تضمن ربطا مباشرا من داخل أحد النزل المخصص للحجر الصحي، حيث يوجد عشرات من العائدين من مناطق موبوءة.

وحصلت مشادات كلامية بين الصحفية من جهة، وبعض الأشخاص المتواجدين في النزل الذين احتجوا على تصويرهم، مما أحدث حالة من الهلع والفوضى ودفع الصحفية للتفوه على المباشر بعبارات مسيئة ضد المشتبه بإصابتهم بالفيروس.

وسارعت "الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري" (الهايكا) -وهي هيئة دستورية أوكلت لها مهمة مراقبة وتعديل المشهد الإعلامي- بإيقاف البرنامج لمدة ثلاثة أشهر وعرض الملف على مجلس الهيئة للنظر فيه.

واعتبرت "الهايكا" في بيان لها أن البرنامج لم يحترم الكرامة الإنسانية والحياة الخاصة للأشخاص، كما تضمن مخالفة صريحة لأخلاقيات المهنة الصحفية وقواعدها.

وشدد القاضي ونائب رئيس الهيئة عمر الوسلاتي على أن حرية الإعلام التي كفلها الدستور والتي تعد أهم مكسب بعد الثورة، لابد أن تقابلها مسؤولية بعيدا عن منطق البحث عن الإثارة الإعلامية.

وأضاف للجزيرة نت "يمكن للصحفي أن ينتقد الحجر الصحي وظروفه والخروقات التي قد تحدث داخله، وهذه مهمة الإعلام في نقل الحقائق دون تزييف، لكن أيضا دون الذهاب نحو هتك الأعراض أو نشر أخبار تؤدي للهلع والفوضى أو تهديد الصحة العامة".

وأشار بالقابل إلى أن الهيئة ليست سيفا مسلطا على رقاب الصحفيين، لكن من واجبها التدخل لتعديل المشهد السمعي البصري في البلاد في مثل هكذا ظروف ومراقبة مدى احترام الإعلام للمبادئ الأساسية لحرية الإعلام واحترام المسؤولية الاجتماعية.

بدورها، نددت لجنة أخلاقيات المهنة الصحفية بالنقابة الوطنية للصحفيين بالحادثة، معتبرة في بيان رسمي أن الصحفية "لم يكن لها المبرر الإخباري الحارق كي تتحول لمراسلة ميدانية" وكان هدف التغطية أقرب لخلق الإثارة منه إلى الإخبار.

ونبهت النقابة لخطورة إرسال مراسل ميداني في مثل تلك الظروف وإمكانية تعرضه للعدوى، فضلا عن انتهاك سرية المعطيات الشخصية للأشخاص الذين جرى تصويرهم دون موافقتهم.

وناشدت اللجنة جميع الصحفيين بضرورة الالتزام حرفيا بأخلاقيات المهنة الصحفية وبقواعد السلامة المهنية، والاستئناس بالوثيقة التي نشرتها نقابة الصحفيين فيما يتعلق بالسلامة المهنية في التغطيات المتعلقة بتفشي فيروس كورونا في تونس. 

القناة تعتذر
من جانبها، سارعت القناة الخاصة لنشر بيان اعتذار لجمهورها عن التجاوزات الأخلاقية الصادرة عن الصحفية، مشددة على أنها ستتخذ جميع التدابير التأديبية اللازمة معها.

وأقر الصحفي معد البرنامج بالقناة وليد برويس بفداحة ما قامت به الصحفية على المباشر، لكنه أشار إلى أن الضغط المسلط على المراسلة من داخل مكان الحجر الصحي ومن مقدم البرنامج جعلها تفقد رصانتها.

وفي حديثه للجزيرة نت، لفت معد البرنامج إلى أن العمل الصحفي تم وفق الضوابط والإجراءات القانونية، بعد حصولهم على جميع التراخيص للتصوير، وفي احترام تام لإجراءات السلامة الجسدية للصحفية وللموجودين داخل مكان الحجر الصحي.

جدل كبير في غزة
وفي غزة أيضا، أشعل تقرير تلفزيوني داخل مركز الحجر الصحي في مدينة رفح جنوب القطاع، فتيل الجدل والاتهامات، بعد أن تمكّن صحفيان من الوصول إلى المستشفى الميداني الذي يوجد به مصابون بكورونا، ووصل الأمر إلى حجر الصحفيين وفتح تحقيق في الأمر.

وثارت الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي في قطاع غزة، بعد مخالطة الصحفيين للطبيب المشرف على الحالات المصابة، وسط الخشية من انتقال العدوى إليهم وانتشارها في القطاع.

ودون الصحفي سعيد الطويل في صفحته على فيسبوك "نطالب بحجر كل من قام بمخالطة وتصوير وإعداد التقرير اللامهني".

وأضاف أن "الطاقم الصحفي قام بتصوير الشيخين المصابين بالكورونا في غزة داخل حجرهم الصحي بمعبر رفح، وخرجوا بعد ذلك وخالطوا الجميع وأهاليهم ومواطنين آخرين".

وعلّق الصحفي نضال الوحيدي على الحدث قائلا "فرق لما نغطي حرب وأنت بتتحمل مسؤولية روحك لوحدك وبين أنك تغطي وباء ممكن تنقله لأسرتك قبل لتنقل للعامة السلامة التامة لكل الزملاء والعتب على من أعطى التصريح".

أما نقابة الصحفيين الفلسطينيين فطالبت بفتح تحقيق في ملابسات السماح للصحفيين بالدخول إلى حجر المصابين، واستخدام مكتب سيارات خاص وإعداد التقرير ونشره.

وأشارت النقابة في تصريح صحفي إلى أن "الإجراءات التي قامت بها الجهات المسؤولة بغزة بحجر الطاقم جاءت متأخرة، بعد الضجة الكبيرة وحالة السخط والهلع التي تسبب بها التقرير وحالة القلق". 

واتسعت دائرة الجدل بعد إعلان كل من صحيفة فلسطين وفضائية الكوفية في غزة تعليق العمل في مكاتبهما كونها توجد في المبنى ذاته الذي يعمل به الصحفيان.

بدوره أكد الناطق باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة، أن الوزارة نفذت إجراءات الحجر الصحي بحق الصحفي والمصور اللذين قاما بإعداد التقرير.

وأوضح القدرة للجزيرة نت أن حجر الصحفيين جرى داخل المستشفى الميداني في معبر رفح البري جنوب قطاع غزة، مشددًا على أن "الوزارة ستقوم بالمساءلة حول السماح بالتصوير داخل الحجر".

من جهته، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أنه اتخذ قرارات فيما يخص التقرير الذي تم تصويره داخل المستشفى الميداني في رفح.

وأكد سلامة معروف الناطق باسم المكتب في بيان صحفي اطلعت الجزيرة نت على نسخة منه، أن ما حدث من تصوير تقرير صحفي في المستشفى الميداني للعزل الطبي برفح يشكل مخالفة للتوجيهات والتعليمات الصادرة لكافة جهات الاختصاص.

وأضاف معروف أنه "تم تشكيل لجنة تحقيق في الأمر، واتخاذ قرار مباشر بحجر الصحفيين اللذين أعدا التقرير المذكور وستقوم وزارة الصحة بمتابعة ذلك فورا".

في المقابل ردت "الوكالة الوطنية" المسؤولة عن تصوير التقرير ببيان للرأي العام أكدت فيه حصولها على جميع التصاريح اللازمة للتصوير، إضافة لاتخاذ الطاقم كافة التدابير الصحية اللازمة.

يشار إلى أن وزارة الصحة بغزة أعلنت إصابة تسعة مواطنين بفيروس كورونا، اثنان منهم عائدان إلى القطاع من باكستان، وسبعة من عناصر الأمن المخالطين لهما في الحجر الصحي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعلنت دول عربية عن إجراءات جديدة لمواجهة فيروس كورونا وصلت حد نزول الجيش إلى مداخل المدن بالأردن، وتكليف المستشفيات العسكرية بالمساعدة في محاصرة الفيروس بالمغرب، وفرض حظر التجول في تونس.

فجر وباء كورونا حرب تصريحات واتهامات بحوادث قرصنة وسطو على مواد طبية أبطالها ليسوا عصابات إجرامية بل دول، في مشهد يعيد للذاكرة حوادث القرصنة بالقرن الأفريقي.

المزيد من أمراض وأوبئة
الأكثر قراءة