سكاكين وخناجر وسيوف.. ماذا وراء اجتياح السلاح الأبيض للخرطوم؟

شبان سودانيون وبينهم من يظهر تشوّه وجهه بآلة حادة (الجزيرة)
شبان سودانيون وبينهم من يظهر تشوّه وجهه بآلة حادة (الجزيرة)

إسماعيل جبريل تيسو-الخرطوم

وكأنها من مكمِّلات هندام الرجل، أصبح حمل السكاكين والخناجر والمطاوي وإخفاؤها تحت الملابس، ظاهرة منتشرة بشكل لافت في شوارع العاصمة السودانية، وتتزايد في أطراف المدينة.

الظاهرة التي جزع لها الأمن والمجتمع السوداني، انتشرت خاصة بين شباب يتجولون بأسلحتهم البيضاء في الشوارع والمناطق العامة وحتى في وسائل النقل العام.

وبات حمل السلاح الأبيض بهذا الشكل بمثابة "تهديد أمني"، في ظل الفوضى التي ضربت شوارع الخرطوم تحت ستار الحراك الثوري، وما نتج عنها من ظواهر التعدي على المواطنين ونهب ممتلكاتهم.

ويُرجع مختصون تفاقم الظاهرة إلى تنامي الإحساس بفقدان الأمان، على خلفية الانتشار غير القانوني للأسلحة النارية ومعدل السرقات وتصاعد وتيرة العنف.

ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2018، ظلت الخرطوم تعاني من ظاهرة الانفلات الأمني التي انطلقت مع بداية المظاهرات الشعبية والمواكب الاحتجاجية المطالبة بالتغيير وإسقاط نظام الرئيس عمر حسن البشير.

سكاكين وخناجر صادرتها الشرطة (الجزيرة)

وانتشرت عصابات أطلقت على نفسها "النيقرز"، وهم شباب يافعون ينشطون في مجموعات تنهب وتروع المواطنين باستخدام أسلحة بيضاء.

وأقرت السلطات الأمنية المختصة في ولاية الخرطوم بتحول ظاهرة "النيقرز" إلى مهدد أمني خطير، في وقت كشف فيه تقرير لصحيفة "الانتباهة" عن تلقِّي هذه العصابات تدريبات مكثفة على إحداث الشغب وافتعاله.

وتحركت معظم أحياء العاصمة الخرطوم لتأمين نفسها جراء تصاعد وتيرة الانفلات الأمني، حيث انتظم شباب الأحياء في دوريات ليلية تنتشر في مداخل وشوارع الأحياء، مما حدَّ من ظاهرة السرقة وأعاد الطمأنينة والسكينة إلى البيوت.

مواقف محرجة
ويقول مصطفى آدم سليمان -ويكنى "ود الفكي"، وهو من سكان منطقة النصر جنوب الحزام جنوب العاصمة الخرطوم- إن استخدام السلاح الأبيض يعود إلى الشعور بفقدان الأمن، خاصة في الفترات المسائية، مشيرا إلى بعض المواقف الحرجة التي واجهته فقرر على إثرها حمل سلاح دائم في سيارته.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقول "ود الفكي" إن حالة من الاطمئنان تعتريه كلما تحسس سلاحه الأبيض بجانبه، مؤكدا أنه يستطيع التحرك بأمان، ويعود إلى منزله في أي زمان دون أن تعترضه أي مخاوف.

انتشار السلاح الأبيض أثار المخاوف من سطوة المنحرفين (الجزيرة)

ويفجِّر "ود الفكي" مفاجأة مفادها أن معظم النساء في منطقة جنوب الحزام يحملن أسلحة بيضاء لحماية أنفسهن، ويقول إن معظم هؤلاء النساء يشتغلن في بيع الشاي، وهو أمر يتطلب خروجهن للعمل في الساعات الأولى من الفجر، وهو الزمن المفضل لمن سماهم "زوَّار الليل".

مناشدة لوزير الداخلية
وتبدي الخبيرة التربوية الأستاذة ناهد أبو زيد تخوفا من ظاهرة انتشار السلاح الأبيض وسط المواطنين، وتصفه بالمشكلة الأمنية الخطيرة، مناشدة وزارة الداخلية ضرورة سن قوانين تمنع استخدامه.

وتروي ناهد للجزيرة نت حكاية تلميذ يبلغ من العمر 14 سنة قابلته في إحدى المناسبات، يحمل سكينا تحت ملابسه، وعندما سألته عن سبب حمله السكين، أجاب بأنه يدافع بها عن نفسه.

وتساءلت عن مصير مثل هذا الطفل في حال نشوب أي شجار أو مشادة في الشارع أو حتى في المواصلات العامة.

وتؤكد الشرطة عدم وجود قانون يمنع استخدام الأسلحة البيضاء في السودان، ويقول الناطق الرسمي باسم الشرطة اللواء الدكتور عمر عبد الماجد إن تدخل الشرطة مرهون بمدى استشعارها بخطورة الظاهرة.

ويكشف عبد الماجد للجزيرة نت عن وجود أوامر محلية تصدر بين الفينة والأخرى لتنظيم استخدام السلاح الأبيض، مشيرا في هذا الصدد إلى العديد من الحملات التي نفذتها قوات الشرطة وجمَّعت خلالها كميات كبيرة من الأسلحة البيضاء.

ثقافة مجتمعية
وفي الوقت الذي يعتبر فيه حمل السلاح الأبيض تهديدا أمنيا في العاصمة الخرطوم، تعتبر بعض القبائل حمل السلاح الأبيض -وتحديدا السيف والسكين- ثقافة محلية ومظهرا اجتماعيا.

ففي غرب السودان، تحرص العديد من القبائل -وتحديدا الرعوية- على وضع السكين داخل غمده وربطه على الكتف وتحت الجلابية "الجلباب".

أما في شرق السودان، فإن حمل السيف لدى قبائل الهَدَندَوة والبني عامر إلى جانب كونه مظهرا اجتماعيا، هو مكمِّل لهندام الرجل وأناقته، ويعكس مدى شجاعته وقوته ورجولته، وفيه يتغنى فنان أفريقيا الأول محمد وردي:
يا بلدي يا حَبّْوب
أبو جلابية وتوب
وسروال ومَركُوب
وجِبّة وصِدِيري
وسيف وسكين
يا سمح يازين 

المصدر : الجزيرة