فوج مكافحة الدوام.. قصة التشكيل الاحتجاجي الأكثر عنفا في العراق

حرق سيارة للشرطة بعد حادثة الزيتون في الناصرية التي خلفت عشرات القتلى والجرحى (الجزيرة)
حرق سيارة للشرطة بعد حادثة الزيتون في الناصرية التي خلفت عشرات القتلى والجرحى (الجزيرة)
يستخدم هذا الفوج أرتالا من الدراجات النارية ودراجات نقل البضائع في تنظيم حركته، لا يحملون أسلحة ولكنهم يستخدمون إطارات وقنابل المولوتوف الحارقة والعصي في حال مواجهة أي مقاومة.

الجزيرة نت–ذي قار

على مسافة ليست بعيدة عن مركز تجمع المعتصمين في ساحة الحبوبي (وسط الناصرية جنوبي العراق)، يجلس أحمد المدريدي مع رفاقه في مقهى شعبي لتدخين النارجيلة، بعيدا عن أجواء وصخب الهتافات التي تملأ الساحة طوال اليوم، محاولا الاستراحة بعد أسابيع قضاها بين الرصاص الحي والعبوات الدخانية.

وبينما يأخذ نفسا عميقا من نارجيلته الموضوعة بجانبه، يستذكر المدريدي -كما يُلقبه أصدقاؤه- العبوات الدخانية التي كان يتلافاها أو يتلقفها أيام المواجهات بين المتظاهرين وقوات الشغب وسط الناصرية، التي شهدت سلسلة من أحداث العنف منذ بدء الاحتجاجات في 1 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

يحاول المدريدي (23 عاما) أن يخفي بعض آثار الحروق والسواد التي لا تزال واضحة على يديه، معلقا عليها "كنا نحاول إحراق بعض الإطارات في تقاطع البهو، واحترقت يدي، هذا ثمن من يريد وطنا، علينا أن نتحمل ما خرجنا من أجله".

 فوج مكافحة الدوام بدأ الظهور نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (مواقع التواصل)

بداية الظهور
لم أكن أنوي التظاهر، لكن بعدما رأيت شباب الناصرية في ساحة الاحتجاج وبحماس كبير -كما يقول أحمد- قررت الانضمام، وسخرت دراجة نقل البضائع الخاصة بي (الستوتة) لنقل الجرحى من المتظاهرين، وحملت العديد منهم، وامتلأت ملابسي بدماء الجرحى والقتلى خلال الصدامات التي وقعت.

انضممت لتشكيل عرفت أن مهمته هو غلق الدوائر الحكومية والمدارس، تم استغلال فرصة الترويج للإضراب العام في المدارس والجامعات، ثم بدأنا غلق الجسور وقطع التقاطعات وحرق الإطارات، وبمشاركة أرتال من الدراجات.

يشارك مازن غانم (21 عاما) الحديث مع أحمد بشأن جهاز مكافحة الدوام، قائلا "ليس لنا انتماء سوى العراق، والإشاعات التي تتحدث عن انتمائنا للأحزاب هي محاولات تسقيط، بسبب تعطيلنا الدوام في الناصرية إكراما للقتلى الذين سقطوا في الأحداث".

ويؤكد للجزيرة نت أنهم استطاعوا إغلاق جميع دوائر الدولة منذ انطلاقة الفوج، وبالتحديد بعد منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث خلت المدينة من الدوام، وباتت كلها ساحة احتجاج، ومن يرفض نحرق دائرته بلا ندم.

لا نرتبط بجهة مطلقا، كما يقول غانم، وأغلب التوجيهات التي تأتي هي عن طريق صفحة فوج مكافحة الدوام على فيسبوك، ولا أحد يدعمنا سوى تبرعات بعض الخيّرين.

ويضيف غانم أن هناك أكثر من ألف شخص في فوج مكافحة الدوام، ولحظة الانطلاق تكون كبيرة، ولكن لم أشاهد أي عنصر ابتز دائرة حكومية أو أهلية، وربما قد حصل ولا نعلم بذلك بسبب الأعداد الكبيرة المتواجدة من الشباب، حيث يصعب تنظيمهم.

 مواجهات سابقة بين المتظاهرين والشرطة (الجزيرة) 

عنف وحرق
ظهر تنظيم فوج مكافحة الدوام على نحو مفاجئ وعنيف في الناصرية، من خلال أعداد عناصره الكثيرة، وهم يحملون قنابل المولوتوف والإطارات على دراجات نارية، ودراجات البضائع، وبدأ هذا العنف بتهديد المؤسسات الحكومية التي لا تلتزم بقرار الغلق، حيث أحرقوا في بادئ الأمر مديرية الوقف الشيعي، وكسروا زجاج دائرة صندوق الإسكان، وضربوا موظفيها.

وهاجم الفوج أيضا عددا من المدارس، وسجلت الأجهزة الأمنية بالمحافظة تهديدات طالت مديري مدارس، في حين تم الاعتداء على بعض الكوادر التدريسية أمام الطلبة.

يقول مصدر أمني إن الأجهزة الأمنية لم تستطع إيقاف ظاهرة إغلاق المؤسسات الحكومية بسبب طبيعة الأحداث التي جرت، وتفاقم الأمر تباعا بعد حادثة جسر الزيتون في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بعد أن شنت قوة عسكرية حملة لفتح الجسر المغلق من قبل المتظاهرين، وإثرها قُتل وأصيب العشرات.

ويتابع المصدر الأمني أن هذا الأمر جعل الشرطة في موقف محرج، مما عقّد المشهد أكثر من اللازم، ليأخذ جماعة مكافحة الدوام زمام الأمور والسيطرة على شوارع المدينة لتنشط الجماعات المسلحة وتنتشر الفوضى بشكل كبير.

صورة لإغلاق أحد الجسور وسط الناصرية (الجزيرة)

تخطيط مدبر
يوضح المصدر الأمني أن التنظيم نشط بشكل أقوى، حيث تشير بعض المعلومات إلى أن هناك محرّكين لهذا الفوج، وهؤلاء ينتمون لأحد التيارات الحزبية، ولكنهم بالعادة لا يظهرون بالصورة، وهناك دعاوى قضائية على بعضهم.

لكن كل ما حصل في الناصرية -كما يقول المصدر- كان من المخطط له، وجرى وفق دعم تقوده بعض الأحزاب، ولكن بعض الأشخاص برزوا في هذا التشكيل للحصول على بعض المكاسب المادية، والأجهزة الاستخبارية لديها تفاصيل بشأن ما يحصل، وثمة ملايين الدنانير وصلت لبعض عناصر هذا الفوج عبر مستثمرين ومقاولين مقابل عدم حرق بعض المؤسسات العلمية الأهلية.

بدأ التشكيل بأقل من خمسمئة شخص، لكنه اتسع لاحقا بعد أن تصاعدت وتيرة الأحداث والحملات الأمنية التي حاولت تقويض الاحتجاج وحصره في ساحة الحبوبي، ليتجاوز الألف شخص، حيث يتراوح موكب إغلاق المؤسسات الحكومية بالمئات، وهم يجوبون شوارع المدينة بحثا عن أي دائرة أو مؤسسة مفتوحة.

ينفي صادق الغزي (وهو ناشط في مظاهرات ساحة الحبوبي) أي إشاعات تتحدث عن أموال وابتزاز ينفذها فوج مكافحة الدوام، لكنه ينتقد طريقة استخدام القوة والتجاوز على الكوادر التربوية والطبية في المحافظة، ويعتبر ذلك غير صحيح.

ويضيف الغزي أن اندفاع الشباب في قضية مكافحة الدوام سبب مشاكل للمحتجين في ساحة الحبوبي، لأننا لا نعرف بالضبط من يقف خلفهم ويحركهم بهذه القوة، كما أن أعدادهم كبيرة، وجرت أحداث وتجاوزات على بعض الدوائر الحكومية، وهذا أمر مرفوض ولا نرغب فيه.

ويكشف نجم محمد الشويلي (مدير مدرسة في ذي قار) عن تعرضه لتهديد من فوج مكافحة الدوام، بعدما دخلوا المدرسة وأخرجوا التلاميذ والكادر التدريسي بالقوة، وسط صمت من القوات الأمنية التي وجدت نفسها عاجزة عن رد أي محاولات لإيقاف تلك المجاميع.

ويضيف الشويلي للجزيرة نت أن "مشهد إغلاق المدارس كان بمثابة إهانة لنا، شباب ملثمون يدخلون المدرسة ويخرجون الطلاب بالقوة، وعندما نحاول مجادلتهم نتعرض للتجاوز والتهديد بالاعتداء، أعتقد أن هؤلاء مخربون وليسوا متظاهرين".

ورغم رفض ساحات التظاهر بعض أفعال فوج مكافحة الدوام وإساءته لمؤسسات الدولة، فإنه شكل جزءا من الاحتجاجات، ووصف بأنه أحد أبرز المظاهر السلبية في المظاهرات التي رفعت شعار السلمية.

وفي 11 فبراير/شباط 2020، أعلن الفوج حل نفسه في بيان رسمي، والانخراط في ساحات الاحتجاج وسط ساحة الحبوبي، والابتعاد عن أعمال العنف، وأكد أنه ربما يعود من جديد لو ساءت الأوضاع مرة أخرى بالمحافظة.

المصدر : الجزيرة