توماس فريدمان: الطبيعة تلفظ خطة ترامب

Jordanian protesters take part in a protest against U.S. President Donald Trump's
محتجون أردنيون يتظاهرون ضد خطة سلام ترامب (رويترز)

انتقد الكاتب توماس فريدمان من قبل خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، لكنه في مقاله التالي أراد أن يسلط الضوء على ما سماها "خطة سلام ترامب كوشنر" من زاوية مختلفة، ولذلك قرر استدعاء ما سماه أفضل محلل يعرفه في شؤون الشرق الأوسط ألا وهي "الطبيعة" ووجه إليها بعض الأسئلة عن هذه الخطة وكان بينهما هذا الحوار الافتراضي:

ما رأيك في "صفقة القرن"؟
حسنا يا توم، ليس كثيرا. كبداية ذكرني بالخطة في سطور قليلة، ودعني آخذك في جولة في الجوار كما أراه، لكني أحذرك فخرائطي ليس لها خطوط حدودية ولا أسوار، ولا توجد مناطق ألف وباء وجيم في الضفة الغربية.

ويمكنك أن تكون على يقين من أن الرئيس ترامب، الذي أعلن أن تغير المناخ هو مجرد خدعة، ليس لديه فكرة أن شرق المتوسط قد عانى من ظروف الجفاف طوال 15 من العشرين عاما الماضية والتي لا مثيل لها في السجل التاريخي الحديث. وتتنبأ دراسة أجرتها جامعة تل أبيب مؤخرا بأن شرق البحر المتوسط سيصبح أكثر دفئا وجفافا وسيفقد تدريجيا شهرين من فصل الشتاء، أي شهري هطول الأمطار، خلال 25 عاما القادمة.

وفي الوقت نفسه، عام 1948 كان عدد سكان إسرائيل ثمانمئة ألف والآن العدد 8.7 ملايين. وكان الأردن 450 ألفا وهو الآن عشرة ملايين. وكان عدد سكان سوريا ثلاثة ملايين وهو الآن 17.5 مليونا. لذلك فالمستقبل يعني ناسا أكثر وماء أقل.

ما هي الآثار؟
اعتادت إسرائيل ضخ ما يصل إلى خمسمئة مليون متر مكعب سنويا من مياه بحيرة طبرية وهي ذات مياه عذبة، لتلبية الاحتياجات المحلية، بما في ذلك الحقول الزراعية في جنوب إسرائيل لتخضير الصحراء. وعام 2018 استطاعت ضخ ثلاثين مليون متر مكعب فقط!

وصيف 2018 كانت البحيرة منخفضة جدا بسبب الجفاف وتزايد سحب المياه لاستهلاك السكان المتزايد لدرجة كانت تهدد بأن تصبح بحيرة مالحة أخرى مثل البحر الميت. هل تتذكر أن المسيح مشى على الماء في بحيرة طبرية؟ حسنا يمكنك أن تفعل ذلك أيضا الآن لأنها أصبحت منخفضة جدا لدرجة أن جزيرتين مغمورتين ظهرتا منتصفها.

‪انخفاض واضح لمستوى المياه في بحر الجليل‬ انخفاض واضح لمستوى المياه في بحر الجليل (رويترز)‪انخفاض واضح لمستوى المياه في بحر الجليل‬ انخفاض واضح لمستوى المياه في بحر الجليل (رويترز)

وكيف يؤثر ذلك على نهر الأردن ومن يعتمدون عليه؟
للأسف، في الخمسين سنة الماضية انخفض التدفق السنوي لنهر الأردن بشكل كبير. ومع قيام إسرائيل والأردن وسوريا بسحب أكبر قدر ممكن من المياه النظيفة، أصبحت مياه الصرف الصحي هي التي تجعل النهر يتدفق اليوم. ولكن نظرا لأن مساحة كبيرة من النهر منطقة عسكرية مغلقة فإن معظم الناس لا يعرفون أنه يجف.

والمياه المضمونة الوحيدة للمراكز والمزارع الحضرية الكبيرة في إسرائيل على سهلها الساحلي هي المياه المحلاة والمياه المعالجة التي بها مشاكل كيميائية. والآن من أجل التكيف مع تغير المناخ يتعين على إسرائيل عكس اتجاه نظامها لنقل المياه، بنقل المياه المحلاة من محطات المياه الساحلية في الشمال إلى بحيرة طبرية التي تتضاءل لدرجة أنها لا يمكن أن تكون خزانا للمياه في إسرائيل.

وفي الوقت نفسه لا يوجد في غزة مرافق كافية لمعالجة مياه الصرف الصحي، ولذلك يتدفق حوالي مئة مليون لتر من مياه الصرف الصحي الخام من غزة كل يوم إلى البحر المتوسط. يأخذها التيار السائد مباشرة إلى أعلى الساحل، حيث تدخل نفاية غزة في مرشحات محطة تحلية عسقلان الكبيرة في إسرائيل والتي كان لا بد من إغلاقها بشكل متقطع لتسليكها.

وماذا عن غزة والأردن والضفة؟
حسنا، قامت العاصمة الأردنية عمان مؤخرا بتقليص خدمات مياه البلدية لسكانها من يومين في الأسبوع إلى ثماني ساعات فقط. ويتعين عليهم شراء بقية المياه من القطاع الخاص. وقد اضطر الأردن إلى استيعاب 1.5 مليون لاجئ من الحرب في سوريا، والتي كان سببها جزئيا هو الجفاف. ومع تعطل الأسواق في كل من العراق وسوريا وانخفاض إمدادات المياه نتيجة للجفاف بلغت نسبة بطالة الشباب على الجانب الأردني من الوادي 40%. وقد جعلت هذه الظروف معظم هذه المجتمعات فقيرة.

إذن ماذا تقترحين كمبادئ للسلام؟
بادئ ذي بدء، أي خطة تقسم الضفة الغربية إلى مساحات وأسوار وطرق سياسية معزولة، مدفوعة برغبة ترامب وكوشنر لتبني "الواقع" الذي استقر فيه المستوطنون اليهود عشوائيا حول الضفة، ليس من المنطقي بالنسبة لي. فهذا نظام بيئي واحد ولن يكون هناك أمن مادي لأحد إذا لم يكن هناك أمن بشري للجميع. وأكثر من مرة تسببت الفيضانات المفاجئة في تدمير جدار إسرائيل الأمني حول طولكرم والقدس.

وعليك أن تبدأ بالسؤال الصحيح: كيف يمكننا إحلال السلام في هذا المنطقة في عصر النمو السكاني السريع وتغير المناخ؟ وليس كيف يمكننا إحلال السلام في هذه المنطقة بطريقة تعطي أولوية لمتطلبات المتعصبين من الإسرائيليين أو الفلسطينيين أو المسيحيين الإنجيليين؟

كيف تبدو خريطتك؟
حسنا، السلام والازدهار جاءا إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من خلال إنشاء السوق المشتركة التي بنيت على تداول مصدر الطاقة والمنتجات الصناعية الرئيسية في القرن الماضي (الفحم والصلب). وسيأتي السلام بين الإسرائيليين والأردنيين والفلسطينيين من خلال اتحاد لكياناتهم السيادية القائمة على البحر والشمس. والطريقة الوحيدة للحصول على أمن المياه والطاقة للإسرائيليين والفلسطينيين والأردنيين من خلال تحلية المياه على نطاق واسع. والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك، وليس لتفاقم تغير المناخ، من خلال توليد الطاقة الشمسية على نطاق واسع.

وإذا قمتم بالبناء على صيغتي فسيتعين أن ينطوي أي سلام على الاحترام المتبادل واحترام نظامي البيئي، على عكس المعادلات الصفرية للمتطرفين السياسيين الذين يقودون هذه القصة ويعبثون مع الطبيعة، فليس من الذكاء العبث معها، واسأل الأستراليين عن ذلك.

المصدر : نيويورك تايمز