من رمضان وشاكوش للأهلي والزمالك.. هكذا يتم إلهاء المصريين بالفن والرياضة

عبد الرحمن أحمد-القاهرة
 
بدأ فبراير/شباط الجاري حافلا بالأحداث المهمة بل والمصيرية لمصر مثل مفاوضات سد النهضة وسعي أوغندا لبناء سد عملاق على نهر النيل، وظهور فيروس كورونا، فضلا عن تداعيات إعلان "صفقة القرن" والحديث عن الدور المصري فيها الذي كشفه جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي، إلا أن كل ذلك توارى سريعا من المشهد الإعلامي المصري.
 
وبصورة لا تبدو عفوية، احتل صخب معارك مطربي المهرجانات وضجيج مباريات كرة القدم مركز الصدارة بوسائل الإعلام التابعة للنظام والخاضعة لسيطرة الأجهزة الأمنية وتوجيهاتها المعتادة في اختيار الضيوف والموضوعات.
 
وبدا الأمر تطبيقا لإستراتيجية الإلهاء التي تحدث عنها المفكر الأميركي ناعوم تشومسكي، عبر تحويل انتباه الرأي العام عن القضايا الهامة بإغراقهم بوابل متواصل من وسائل الترفيه والإلهاء، مقابل شحّ المعلومات وندرتها.. وإبقاء الجمهور مشغولا لا وقت لديه للتفكير.
 
رمضان والطيار 
بدأت وجبة الإلهاء الدسمة بفيديو للطيار أشرف أبو اليسر، يتهم فيه الممثل والمغني محمد رمضان بالتخلي عنه بعدما تسبب في وقفه نهائيا عن عمله بسبب مقطع مصور يظهر رمضان داخل قمرة قيادة طائرة خاصة أثناء تحليقها وجلوسه على مقعد الطيار المساعد.
 
وتبادل رمضان وأبو اليسر الاتهامات عبر المقاطع المصورة على مواقع التواصل، لتدخل الفضائيات المخابراتية على خط الأزمة -التي يرجح البعض أنها مفتعلة- وبدأت في استضافة الطرفين، لتشتعل المواجهة بين من يتعاطف مع الطيار رغم خطئه وإهماله، ومن يدافع عن الممثل رغم سوء صيته ورداءة فنه. 
 

 

وتطور الأمر سريعا لتبدأ حملة على مواقع التواصل لمقاطعة رمضان تجد ترحيبا واسعا، لا سيما وأن الممثل متهم بنشر الإسفاف والبلطجة عبر أعماله سواء في التمثيل أو الغناء.
 
وبعد أن أفسح أحمد موسى (أحد أبرز إعلاميي نظام السيسي) المجال أمام الطيار ليدافع عن نفسه، أقدم تابع آخر للسلطة هو وائل الإبراشي على استضافة رمضان أمس السبت بأولى حلقات برنامجه الجديد "التاسعة مساء" على شاشة التلفزيون الرسمي، وهو برنامج تنتجه شركة المتحدة المملوكة للمخابرات العامة.
 
حرب المهرجانات 
وبالتوازي، كانت تدور حرب من نوع آخر يمكن أن نسميها حرب المهرجانات، فمع مطلع الشهر الجاري، فوجئ المصريون بمهرجان "بنت الجيران" لحسن شاكوش وعمر كمال وهو نوع من الأغاني الشعبية ظهر قبل سنوات وأثار جدلا كبيرا، فوجئوا بها في المركز الثاني بالقائمة الأسبوعية للأغاني الأكثر استماعا عبر ساوند كلاود.  
 
 
ووجد الإعلام المخابراتي صيدا ثمينا لم يفلته، وبين ليلة وضحاها صار شاكوش وكمال ضيفين على كل شاشات النظام، بدءا من لميس الحديدي ومرورا بأحمد موسى وعمرو أديب وقائمة لم تنته بعد، وأثنى عليهما الجميع بمن فيهم نقيب المهن الموسيقية هاني شاكر، ومدحوا المهرجان رغم ما يحويه من كلمات خارجة تراقص عليها من يفترض أنهن مذيعات.  
 
 
ولأن شاكوش استأثر بالأضواء أول الأمر فقد تبارت صحف النظام وفضائياته في استضافة كمال ليكيل الاتهامات لصديقه، وتزداد الخلافات التي تضمن اهتماما أكبر لدى المتابعين، لتتخطى "بنت الجيران" حاجز 120 مليون مشاهدة على موقع يوتيوب بعد الجدل حولها، وتحظى مقاطع العديد من البرامج والصحف بعشرات الآلاف من المشاهدات. 
 
ويفاجأ الجميع بأن شاكوش وكمال سيشاركان في حفل رسمي يقام في ملعب القاهرة الرياضي الدولي بمناسبة "عيد الحب" يوم 14 فبراير/شباط، وتنقله قناة دي إم سي المملوكة للمخابرات، ورغم إعلانهما حذف الألفاظ الخارجة من أغنيتهما فإنها أذيعت دون تغيير.
 
ورغم اعتذارهما اللاحق، تحولت الإشادة إلى تقريع وأعلنت نقابة المهن الموسيقية الحرب على مطربي المهرجانات لأن كلمات أغانيهم "تحمل ألفاظا متجاوزة" ورغم تأييد عدد كبير من رواد مواقع التواصل لهذا القرار فقد أبدوا تعجبهم من صمت النقابة سنوات على هذه الأغاني التي لا تخلو غالبا من البذاءات.
 
وبينما كان شاكر يعلن وقف مطربي المهرجانات عن العمل، كانت قناتا سي بي سي وإم بي سي-مصر تستضيفان كمال، استضافت قناة المحور والدة حمو بيكا لاحقا لتستجدي شاكر (نقيب الموسيقيين) عدم معاقبة ابنها.
 
وبدأت الاستفتاءات على وسائل الإعلام المختلفة تدعو الناس لإبداء آرائهم، والتعبير عن مدى تأييدهم لقرار وقف مطربي المهرجانات. 
 

 

ودخل البرلمان على الخط ليصف أغاني المهرجانات بأنها أخطر من كورونا، بحسب تصريح المتحدث باسم مجلس النواب صلاح حسب الله.
 
ومازالت حرب المهرجانات مستمرة، وكانت أحدث جولاتها أمس السبت بمواجهة على قناة "القاهرة والناس" بين كمال والملحن حلمي بكر الذي اشتهر مؤخرا باستضافته في البرامج لعمل مشادات مع المطربين الشعبيين ومغني المهرجانات، لتنتشر الحلقات سريعا على مواقع التواصل مادة للسخرية.  
 
الزمالك والأهلي 
على الزاوية الأخرى، كانت رواية الإلهاء المكررة والأكثر شعبية تدور أحداثها بمزيد من الإثارة، فلأيام عدة انشغل محبو كرة القدم بتهديدات مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك المتكررة بعدم خوض لقاء السوبر الأفريقي في قطر يوم 14 فبراير/شباط، ثم تراجعه بعد ذلك، ووضعه صور السيسي على ملابس اللاعبين واعتباره هذا الأمر انتصارا يستحق الفخر.
 
ولمزيد من إشغال الجماهير تقرر لأول مرة منذ زمن بعيد أن يلعب الفريقان الأكثر شهرة وجماهيرية (الأهلي والزمالك) مباراتين خلال أقل من أسبوع، إحداها (وهي مباراة الدوري) مؤجلة منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
 
وعادة تحظى مباراة القمة -كما يسميها الجماهير والإعلام- بتغطية إعلامية كبيرة واهتمام جماهيري لأيام قبل وبعد المباراة، فكيف سيكون الحال بالنسبة لمباراتين خلال أسبوع؟
 
وبالفعل حظيت المباراة الأولى (كأس السوبر المحلي) التي جرت الخميس الماضي في الإمارات باهتمام واسع، وتزايد الحديث عنها بعد الاشتباكات التي وقعت بين لاعبي الفريقين عقب انتهاء المباراة. 
 
ولم تترك اللجنة المعينة المسؤولة عن الكرة الفرصة لتزيد الجدل بعقوبات طالت العديد من اللاعبين من الفريقين، وحظيت باستياء واسع من الجماهير.
 
وأصبح مهددا مصير المباراة الثانية المقرر أن تلعب غدا الاثنين رغم تأكيد مسؤولي اتحاد الكرة أن المباراة ستلعب في موعدها، في حين يشكك البعض في ذلك ويتوقع تأجيلها باللحظة الأخيرة.
 
وسواء تم تأجيل المباراة أو أقيمت في وقتها فإنها ستظل وجبة دسمة يقدمها الإعلام للجمهور خصوصا متعصبي كرة القدم الكثيرين، بما يشغلهم فترة ليست بالقصيرة لا سيما وأن كلا الفريقين ينتظرهما خلال أيام قليلة مباريات قوية بدوري أبطال أفريقيا، الزمالك أمام الترجي التونسي، والأهلي أمام صن داونز الجنوب أفريقي.
 
تاريخ من الإلهاء 
وللأنظمة الحاكمة في مصر تاريخ طويل من إلهاء المواطنين بالفن والرياضة، فبينما كانت البلاد تعاني من هزيمة عسكرية أمام إسرائيل عام 1967 بدأت السينما تقديم أفلام كوميدية وأخرى زادت فيها جرعة العري.
 
وفي الوقت الذي كان الشارع يغلي خلال انتفاضة الخبز عام 1977 عُرضت مسرحية "مدرسة المشاغبين" لأول مرة على شاشات التلفزيون، واعترف مؤلفها علي سالم -في حوار تلفزيوني لاحق- بأن الهدف كان إلهاء الناس وحثهم على البقاء في المنازل والالتزام بحظر التجول المفروض وقتها.
 
وذكرت العديد من التقارير أن نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك كان يسعى للوصول إلى كأس العالم عام 2010 ليقوم بتمرير عملية توريث الحكم لنجله جمال أثناء انشغال الجماهير بالمباريات، ولكن مصر لم تصعد إلى النهائيات آنذاك ووقعت الأزمة الشهيرة مع الجزائر والتي اعترف إعلاميون بينهم أحمد شوبير بأن أجهزة أمنية كانت تدفعهم وقتها لتأجيج الأزمة بدلا من السعي لتهدئتها.
 
 
ومنذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 عمل النظام على بناء أذرع إعلامية تمكنه من السيطرة على الوعي الجمعي، وامتلكت أجهزةٌ أمنية ومخابراتية قنواتٍ فضائيةَ وصحفا. ومؤخرا تمت السيطرة على الدراما التلفزيونية وجانب كبير من صناعة السينما.  
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

امتلأت المقاهي في العاصمة المصرية والمدن الأخرى لمتابعة مباراة جمعت ناديي الأهلي والزمالك، وعقب انتهاء المباراة بفوز النادي الأهلي انطلق أنصاره في الشوارع ابتهاجا بالفوز.

23/7/2015
المزيد من رياضي
الأكثر قراءة