بعيدا عن ازدواجية الغرب وللتخفيف عن المعتقلين.. هذه دروس أزمة "المبادرة المصرية"

سفراء دول أوروبية خلال زيارة مقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (مواقع التواصل الاجتماعي)
سفراء دول أوروبية خلال زيارة مقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (مواقع التواصل الاجتماعي)

بعد نجاح حملة ضغط دولي شارك فيها مشاهير ومسؤولون غربيون، في إطلاق سراح 3 من موظفي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ظهرت تساؤلات عدة حول ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع ملف المعتقلين في مصر، لكن هناك من تحدث أيضا حول الدروس المستفادة من الواقعة.

السؤال الأبرز حول الدروس المستفادة كان عن كيفية استثمار الواقعة في الإفراج عن معتقلين آخرين، وكيف تستفيد المعارضة والحركة الحقوقية المصرية من ذلك في التخفيف عن آلاف المعتقلين بمصر.

وكانت النيابة العامة المصرية قررت الخميس الماضي إخلاء سبيل جاسر عبد الرازق، المدير التنفيذي للمبادرة، وكريم عنارة الباحث بالمبادرة في مجال العدالة الجنائية، ومحمد بشير المدير الإداري للمبادرة، بعد نحو 15 يوما من حبسهم على ذمة التحقيق في اتهامهم بـ "الانضمام إلى جماعة إرهابية".

غير أن محكمة مصرية، قررت الأحد تأييد قرار النائب العام، بمنع الثلاثي مؤقتا من التصرف في أموالهم الشخصية وممتلكاتهم وأي حصص يملكونها من هذه المنظمة الحقوقية.

وجاء القبض على جاسر ورفقائه بعدما زار دبلوماسيون كبار مقر المنظمة، من أجل الحصول على إفادة بشأن وضع حقوق الإنسان في نوفمبر/تشرين الثاني، حسبما أعلنت المبادرة في وقت سابق.

 

ورغم الربط بين رسائل التضامن الصادرة عن مشاهير بارزين كان على رأسهم الممثلة الهوليودية سكارليت جوهانسون وبين الإفراج عن المعتقلين في قضية المبادرة، فإن حقوقيين ومحللين أكدوا في أحاديث منفصلة للجزيرة نت أن حلحلة أزمة المنظمة الحقوقية جاء مرتبطا بعدة عوامل مجتمعة، خصوصا أن لدى المنظمة ذاتها ناشطا حقوقيا لا يزال معتقلا منذ فبراير/شباط الماضي وهو باتريك جورج، والذي تم تجديد حبسه الاثنين 45 يوما على ذمة التحقيق.

ورغم الحديث عن ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع ملف المعتقلين في مصر وتفضيل بعضهم على بعض مع تجاهل واضح للمعتقلين أصحاب التوجهات الإسلامية والثورية، فإن حقوقيين أكدوا إمكانية البناء على هذه الأزمة في إحداث الزخم لقضايا معتقلين آخرين، خاصة أن الاستدلال الأقرب في هذه الانفراجة، قد يكون مرتبطا بشكل مباشرة مع زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الحالية لفرنسا، والتي سبقها تنديد كبير من الخارجية الفرنسية إزاء القبض على قيادات المبادرة، وتأكيد الإعلام الفرنسي أن "باريس لن تسكت عن التصعيد القمعي للحكومة المصرية".

وقبيل زيارة السيسي لباريس، أعلن القضاء المصري نهاية التحقيقات في القضية المعروفة بـ"التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني"، والتي تعود إلى عام 2011، واتهمت فيها 20 منظمة غير حكومية بتلقي تمويلات أجنبية بشكل غير قانوني.

لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أمس الاثنين خلال المؤتمر الصحفي مع السيسي أنه لن يربط التعاون العسكري وتصدير السلاح إلى مصر، بقضية حقوق الإنسان.

ورقة ضغط

سارة ليا ويتسون، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، اعتبرت أن سلوك النظام المصري في اعتقال النشطاء البارزين "ورقة ضغط يتم استخدامها للتفاوض مع الحكومات الأجنبية، باعتبارها تنازلات تُقدم أمام مطالبات إصلاح الوضع الحقوقي المصري"، محذرة من أن هذا السلوك "قد يشجع السيسي على اعتقال مزيد من النشطاء".

وفي تصريحات للجزيرة نت، قالت ويتسون إن إطلاق سراح جاسر وبقية أعضاء المبادرة "قد يُرجِّح أن السيسي غير قادر على السيطرة على الهجمات غير المنطقية الانتقامية لأجهزته الأمنية، التي تعتقد أنه يتعين عليها معاقبة أولئك النشطاء بعد لقائهم مسؤولين أوروبيين".

وأشارت الناشطة الحقوقية البارزة، إلى أن السيسي "أُجبر بشكل مهين على إطلاق سراح نشطاء المبادرة، خشية إلغاء لقائه مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون".

وأضافت "وبينما نشعر في الحقيقة بالارتياح لفاعلية الغضب الدولي في الضغط على مصر لإطلاق سراح أولئك الرجال، نتحفظ على أن عشرات الآلاف لا يزالون محتجزين دون أي حملات تدافع عنهم"، مؤكدة أنه "دون إصلاح كامل من الحكومة المصرية، فإننا نتحرك فقط في هوامش الملف الحقوقي".

استثمار الواقعة

وحول كيفية استثمار واقعة "المبادرة المصرية" في الإفراج عن مزيد من المعتقلين السياسيين في مصر، رأى عبد الرحمن يوسف الصحفي المصري المقيم في واشنطن، أن ذلك يمكن عبر استثمار الزخم الذي أحدثته في بعض المحافل الحقوقية والسياسية الدولية، بتسليط الضوء على الحالات المشابهة أو الحالات الإنسانية العاجلة والخطيرة.

وفي تصريحات للجزيرة نت، أشار يوسف إلى أن شخصا مثل أنتوني بلينكن (وزير الخارجية الجديد في إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن)، قام بالتغريد حول القضية.

وأضاف أنه يمكن للمنظمات الأخرى أو الشخصيات السياسية محاولة الدفع في المسار نفسه مع الشخصيات ذاتها وغيرها، خاصة أن حالة الزخم التي حدثت دفعت الجميع للالتفات إلى مصر والأوضاع بداخلها.

أما عن كيفية استفادة المعارضة والحركة الحقوقية في التخفيف عن آلاف المعتقلين، بعد إطلاق سراح نشطاء المبادرة، نصح يوسف بأن يكون ذلك من خلال مستويين رئيسيين.

الأول هو التعلم من درس المبادرة بأهمية بناء علاقات دولية قوية والتشبيك مع دوائر مختلفة على قواعد حقوقية وسياسية معا، مشيرا إلى أن ذلك طريق تراكمي يأتي عبر الاستثمار في الحضور والتفاعل الدولي في المحافل والأحداث المختلفة.

وأكد أن هذا المستوى سيؤدي بدوره إلى قدر من الضغط الفاعل على النظام في أهم الملفات الحقوقية في مصر وهو ملف الاعتقال والمعتقلين.

أما المستوى الثاني، فيتمثل في استثمار شهادة المعتقلين حول سوء الأوضاع التي عانوا منها في المدة القصيرة التي مكثوا فيها مثل شهادة جاسر عبد الرازق مدير المنظمة، في تسليط الضوء على أوضاع السجون.

وأوضح أن أعضاء المبادرة لهم مصداقية عند جهات دولية كثيرة، ولهم صوت مسموع يمكن رفعه أو استخدامه لتخفيف ظروف الحجز غير الإنسانية للمعتقلين حتى يتم الإفراج عنهم.

حملات مدروسة

في السياق ذاته، قال الباحث والناشط الحقوقي المصري أحمد العطار، إن قرار الإفراج عن نشطاء المبادرة المصرية جاء بعد حملة منظمة مدروسة استمرت لأسابيع  قادتها إدارة المبادرة، وكان مدير هذه الحملة بامتياز الحقوقي حسام بهجت بما له من علاقات دولية وأممية، وكذلك بالتعاون مع المئات من المنظمات والأفراد والسياسيين والمهتمين بملف حقوق الإنسان وبعض الدول التي تربطها علاقات مع المبادرة المصرية.

وعن الدروس المستفادة من الواقعة، أوضح العطار أن السلطات المصرية استجابت للضغوط الدولية وأفرجت عن ثلاثي المبادرة، وجاء قرار الإفراج عنهم ليعطي مزيدا من الأمل والتحفيز في العمل على استحداث المزيد من الآليات الدولية والمحلية.

وفي تصريحات للجزيرة نت، أضاف الباحث الحقوقي أن من شأن استحداث آليات محلية ودولية في الملف الحقوقي، فرض المزيد من الضغوط على السلطات المصرية، لاستغلال هذه الحالة التي تثبت كارثية ملف حقوق الإنسان في مصر.

العطار أكد أن هذه الحالة، تكونت لدى الكثيرين حول العالم سواء كانوا حقوقيين أو سياسيين أو حتى فنانين وإعلاميين، ومن أجل كسب تأييدهم واستمراره بالعمل على الإفراج عن المزيد من المعتقلين وتخفيف حدة الانتهاكات التي تقوم بها السلطات المصرية بل وإنهائها، مضيفا "بالتأكيد هذا يستدعي منا جميعا (المعنيين بالملف الحقوقي المصري) العمل والتعاون أكثر الفترة المقبلة".

وكان الوكيل السابق للجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى المصري عز الدين الكومي، قد انتقد ما أسماها الانتقائية الغربية في التعامل مع ملف حقوق الإنسان بمصر، وذلك في تصريحات بتقرير سابق للجزيرة نت.

وأكد الكومي أن هناك ازدواجية واضحة في موقف الدول الغربية وأميركا من ملف حقوق الإنسان في مصر يقوم على الانتقائية، فهم يتحركون من أجل معتقلين بعينهم، ومؤسسات حقوقية أو مجتمع مدني بعينه، مضيفا "دعنا نقولها صراحة: هم لا يأبهون بالإسلاميين أو المحسوبين عليهم، سواء كانوا أشخاصا أو منظمات".

وعقب الانقلاب الذي قاده الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في صيف 2013 عندما كان وزيرا للدفاع، وأطاح فيه بالرئيس المنتخب محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، تم الزج بآلاف من أعضاء الجماعة ومن المؤيدين لمرسي في السجون دون أن تصدر مواقف قوية تذكر من جانب الدول الغربية.

كما طالت الاعتقالات شخصيات تنتمي للتيار المدني مثل أعضاء "حركة 6 أبريل"، وطالت كذلك أعضاء بحركة الاشتراكيين الثوريين قبل أن تصل حتى إلى مؤيدين سابقين للسيسي تحولوا لمعارضة بعض سياساته، كما شملت رئيس أركان الجيش المصري السابق سامي عنان بعدما أعلن اعتزامه الترشح على الرئاسة في مواجهة السيسي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يُذكّر الباحث مايكل حنا الرئيس المنتخب جو بايدن بتعهده بإعادة الديمقراطية إلى جدول الأعمال، عندما وعد باستضافة تجمع لديمقراطيات العالم، بعد 4 سنوات من تدليل الرئيس ترامب غير المبرر للطغاة.

8/12/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة