انفتاح سياسي أم تغيير لقواعد اللعبة؟ لماذا تسعى القاهرة وموسكو للتقارب مع حكومة الوفاق الليبية؟

لقاء جمع في طرابلس وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا بوفد مصري يضم مسؤولين من وزارة الخارجية والمخابرات (مواقع التواصل الاجتماعي)
لقاء جمع في طرابلس وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا بوفد مصري يضم مسؤولين من وزارة الخارجية والمخابرات (مواقع التواصل الاجتماعي)

يشهد الملف الليبي تطورات متسارعة بعد اجتماع وزير الخارجية الليبي محمد سيالة مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو وفتح القاهرة خطا مباشرا للحوار مع حكومة الوفاق الوطني.

ودعا سيالة في مؤتمر صحفي في موسكو جميع الأطراف التي كانت تثق في الحل العسكري في ليبيا إلى إعادة النظر في حساباتها والاقتراب من جميع الأطراف، بهدف دعم التسوية السلمية والمساعدة في إخراج المقاتلين الأجانب من ليبيا، في حين أعرب نظيره الروسي عن تطلع موسكو إلى تثبيت وقف إطلاق النار في ليبيا.

وتدعم موسكو اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالمعدات والأسلحة الحربية، وتسيطر عبر مرتزقة من شركة فاغنر الروسية على قواعد عسكرية في سرت والجفرة شمال ووسط ليبيا رغم أن موسكو تنفي دعمها لحفتر.

وفتحت مصر هي الأخرى خطا مباشرا للتواصل مع حكومة الوفاق الوطني، بعد زيارة وفد عسكري مصري إلى طرابلس والتقائه بمسؤولين عسكريين وأمنيين بحكومة الوفاق، في تطور لافت، خصوصا بعد استماتة القاهرة في دعمها لحليفها حفتر منذ عام 2014.

وتأتي هذه الزيارات بعد زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي آكار ومسؤولين أتراك لطرابلس واجتماعهم مع حكومة الوفاق، حيث يرى محللون أن لهذه التطورات علاقة بالتقارب المصري التركي في ليبيا، والتنسيق بين موسكو وأنقرة في حل الأزمة الليبية.

وقد دعت ليبيا في أكثر من مناسبة روسيا إلى إخراج مواطنيها الذين يعملون مرتزقة يقاتلون إلى جانب حفتر.

ويرى سياسيون أن روسيا تراجعت عن دعم حفتر عسكريا بعد فشله في السيطرة على العاصمة طرابلس، إضافة إلى بادرة حسن النية من حكومة الوفاق بإطلاقها سراح المعتقلين الروس في طرابلس المتهمين بالتخابر مع سيف القذافي.

فشل مشروع حفتر

ويرى محمد الضراط مستشار رئيس حكومة الوفاق للعلاقات الأميركية، أن التطورات السياسية التي تشهدها الساحة الليبية من زيارات وإعادة فتح قنوات اتصال مباشرة، لدعم الجهود الهادفة للتوصل إلى حل سياسي شامل، تأتي نتيجة فشل مشروع حفتر وداعميه لإعادة مربع الحكم العسكري وتنصيب دكتاتور جديد لرهن مصير الشعب الليبي.

وأضاف الضراط للجزيرة نت أن الأطراف التي دعمت حفتر وجدت نفسها تراهن على جواد خاسر، وبطبيعة الحال لا يريد أحد أن يحسب على طرف خاسر أو مشروع فاشل، ولذلك أصبحت هذه الدول تعيد حساباتها بطرق مختلفة.

وأفاد بأن اللقاءات الدبلوماسية مع الحكومات التي كانت تدعم مشروع الانقلاب على حكومة الوفاق الشرعية، لا يعني التناسي أو التجاهل أو التنازل عن حقوق الشعب الليبي في ملاحقة المجرمين الذين ساهموا في قتل الأبرياء وارتكبوا جرائم حرب ضد الإنسانية.

وأشار الضراط إلى أن أي مشروع سياسي مبني على إشراك المجرمين لن ينجح، كما أن أي اتفاق سياسي يجب أن يشترط إبعاد من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء ومحاسبتهم.

وأوضح الضراط أن حفتر أصبح شخصية غير مرغوب بها من قبل معظم داعميه، لكنه سيبقى ورقة للتفاوض من أجل الحصول على مكاسب سياسية كانت تطمع بعض الأطراف في تحقيقها عسكريا.

سياسة متغيرة

بدوره، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة بالقاسم دبرز أن الانتخابات الأميركية غيرت بوصلة سياسيات بعض الدول الداعمة لحفتر، خاصة أن الإدارة الأميركية الجديدة لها رؤية مغايرة من المشهد.

وتابع رئيس لجنة الأمن في المجلس الأعلى للدولة "التغييرات في البيت الأبيض وابتعاد بريطانيا عن المشاركة في إدارة الاتحاد الأوروبي وفشل حفتر عسكريا، كلها عوامل ألقت بظلالها على الدور المصري الروسي الإماراتي في ليبيا".

وأكد دبرز في تصريحه للجزيرة نت أن الدول الدعمة لحفتر بدأت تبحث عن تموقع جديد وفق المتغيرات القادمة، بعد تحركات البعثة الأممية الأخيرة التي قد تفرز من خلال اجتماعات الحوار السياسي سلطة تنفيذية جديدة تحكم ليبيا.

ورأى دبرز أن الحليف التركي حاضر في المشهد الليبي بقوة، حيث يعمل على فرض تغييرات لتشكيل المشهد باعتباره الحليف القوي للحكومة الشرعية.

وأوضح دبرز أن دور أبو ظبي تراجع مؤخرا وأصبح ثانويا بعد هزيمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصعود جو بايدن إلى البيت الأبيض، لكن القاهرة وموسكو دورهما مستمر إلى الآن.

دور مصري هامشي

أما مدير مركز إسطرلاب للدراسات عبد السلام الراجحي فأكد أن التغييرات في السياسة المصرية الأخيرة، تأتي بعد توصل المصريين إلى قناعة أن دورهم في ليبيا هامشي، وأن إدارة الأزمة الليبية تتم من موسكو وأنقرة.

وأردف قائلا "بلا شك فإن التطورات في واشنطن لها دور في تغيير القاهرة من سياستها تجاه ليبيا، خاصة أن الرئيس الأميركي الجديد لديه مشكلة في التوسع الروسي في المنطقة وليبيا خصوصا، وأن مصر كانت مساهمة في هذا التوسع".

وصرح الراجحي للجزيرة نت بأن السلطات المصرية تأمل من خلالها تغيير سياستها في ليبيا فتح قنوات في غرب ليبيا للتحكم في الأزمة الليبية بشكل أكبر وليس لحلها، حيث ترى أن الانفراد الروسي بليبيا يفقدها ثقلها في المنطقة.

وتابع "مصر ستستمر في دعم حفتر ولن تتوقف عن إيصال الدعم إليه، باعتباره المشروع الوحيد الموافق لسياساتها، فلن ترضى القاهرة بأي مشروع ديمقراطي أو عملية سياسية سلمية في ليبيا، لأنها لا تتحرك من دوافع حماية أمنها القومي أو المصالح المشتركة، وإنما تتحرك بناء على ما تراه الإمارات الداعمة لمشروع حفتر الذي أنفق عليه أموال كبيرة".

ويرى الراجحي أن موسكو لا تعول على حفتر بسبب وجود مشروع لها جاهز، ولذلك تواصلت مع سيف القذافي، وترى أن أنصار القذافي هم الأقرب لها، خصوصا أن التقارير الدولية التي تشير إلى أن شركة فاغنر الروسية تتدخل في ليبيا وتدير شبكة من وسائل الإعلام والمواقع على الإنترنت بعضها يعمل من القاهرة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة