الجامعة العربية والتطبيع.. لا أرى لا أسمع لا أتكلم

اجتماع استثنائي لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة بناء على طلب السعودية
اجتماع سابق لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة (وكالات)

حسم الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، الجدل بشأن دور الجامعة إزاء انفراط عقد الرفض العربي للتطبيع مع إسرائيل، بالقول إن "الجامعة لا تستطيع منع أي دولة من التطبيع مع إسرائيل".

وبعد عقود من الرفض، اسَتأنف قطار التطبيع رحلته لتنضم إليه الإمارات في 13 أغسطس/ آب الماضي، مرورا بالبحرين في 11 سبتمبر/أيلول الماضي، ثم السودان في 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وصولا إلى المغرب في 11 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وفي تصريحات تلفزيونية أذيعت الجمعة الماضية، قال عمرو موسى إن "أمين جامعة الدول العربية الحالي لا يستطيع أن يقول لأي دولة أن تطبع أو لا تطبع مع إسرائيل، ولا يستطيع أن يقول لأي دولة أن تحارب إسرائيل".

اللافت أن الجامعة العربية كان لها في السابق مواقف عملية وليس مجرد أقوال، إزاء توقيع مصر اتفاق سلام مع إسرائيل عام 1979، وقررت على إثرها نقل مقرها من القاهرة، وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها اقتصاديا ودبلوماسيا. لكن مؤخرا وصل سقف الطموح العربي من دور الجامعة إلى مجرد انتظار بيانات شجب وإدانة، لكن خاب أمل البعض حتى في مجرد صدور تلك البيانات.

وبات مواطنون عرب يسألون عن دور الجامعة وموقفها من التطبيع في ظل عدم التوصل إلى اتفاق سلام شامل يضمن قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وهو ما نصت عليه المبادرة العربية في 2002، التي جاء فيها أن "السلام العادل والشامل خيار إستراتيجي للدول العربية يتحقق في ظل الشرعية الدولية، ويستوجب التزاما مقابلا تؤكده إسرائيل في هذا الصدد".

ودعا ولي عهد السعودية آنذاك، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، إلى انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ 1967، تنفيذا لقراري مجلس الأمن (242 و338) واللذين عززتهما قرارات مؤتمر مدريد عام 1991 ومبدأ الأرض مقابل السلام، وإلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وذلك مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل.

تطبيع بلا قيمة في هذه الحالة

في معرض تعليقه على صمت الجامعة العربية، قال البرلماني المصري السابق سليمان صالح، إن "المعرفة من أهم مصادر القوة، والواقع يكشف الكثير من الحقائق التي يمكن أن تساهم في تحقيق النصر، ومن أهمها أن بعض النظم العربية كانت تقيم علاقات سرية مع إسرائيل التي استخدمت هذه النظم لمواجهة الربيع العربي وتدبير الانقلابات، لمنع الأمة من إقامة نظم ديمقراطية".

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد صالح الذي يعمل أستاذا للإعلام والرأي العام بجامعة القاهرة، أن الجامعة العربية فقدت دورها وأهميتها ووظيفتها، وعجزت عن اتخاذ موقف من التطبيع وتخلت عن قضية الأمة الأولى وهي قضية فلسطين.

وأستدرك "أنا كأستاذ رأي عام أتحدى أي نظام عربي أن يسمح لمركز مستقل أن يقوم بإجراء استطلاع للرأي العام لمعرفة موقف الشعوب العربية من التطبيع مع إسرائيل التي خربت البلاد وأفقرت العباد"، مؤكدا أن الشعوب ترفض التطبيع وترى أن إسرائيل كيان اغتصب أرض فلسطين، وهو ما تدركه إسرائيل جيدا.

وشدد على أن إسرائيل تعلم أن التطبيع مع الأنظمة لن يكون له قيمة عندما تأتي الموجة الجديدة من الربيع العربي، مضيفا أنه عندما تثور الشعوب ستتجه مباشرة إلى السفارة الإسرائيلية وتقذفها بالحجارة كما فعل شعب مصر في ثورة 25 يناير 2011.

ما سر انقلاب الجامعة

بدوره، فسر عضو لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري سابقا، محمد عماد صابر، هذا التباين الكبير في مواقف الجامعة العربية قديما وحديثا، بسبب أنها مرت بمراحل اختلفت باختلاف نوعية الحكام، حيث كان لها قديما مواقف قومية جيدة بخصوص القضية الفلسطينية وكذلك حرب أكتوبر، وأيضا معاهدة كامب ديفيد، لكن تغيرت الأمور كثيرا منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي بالتزامن مع غزو العراق للكويت الذي أحدث شرخا عميقا داخل الجامعة.

وأوضح صابر في حديثه للجزيرة نت، أن منذ تلك اللحظة تم التفكير والتدبير لتغيير عقيدة دول الخليج العربي وغلبت المصالح المحلية، مشيرا إلى أن ما عزز هذا الانقلاب داخل الجامعة، مجيء ثورات الربيع العربي المهدد الأكبر لحكام الخليج، حيث أيقن الملوك والأمراء أن مظلة الحماية العربية لا أمان لها والكل في خطر ولا حماية بدون أميركا، وأن الوصول لأميركا لن يكون إلا عبر إسرائيل.

وأضاف "ثم كانت الثورات المضادة التي أبعدت الثوار وأحضرت الوكلاء والوسطاء والسماسرة، وهم أعضاء الجامعة العربية اليوم التي أصبحت لا تمثل أنظمة الحكم بل أشخاص الحكام الوكلاء الذين يحكمون بالقبضة الحديدية حفاظا على السلطة، وفي هذا حماية لحدود ووجود إسرائيل، وحماية لملك وسلطة الحكام العرب".

وفي رسالة بمناسبة العام الجديد، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "توصلنا إلى 4 اتفاقيات في غضون ما يقل عن 4 أشهر، هذه مجرد البداية، حيث تعيد المزيد والمزيد من الدول العربية صياغة مواقفها العدائية التقليدية من إسرائيل لتلتمس الصلح مع الدولة اليهودية".

ووصف نتنياهو شكل العلاقات الجديدة بأنها ذهبت إلى أبعد نقطة، مضيفا "وبدلا من اعتبار إسرائيل عدوها، هي باتت تنظر إلينا كصديق، وكحليف، بل حليف حيوي وشريك حيوي لها"، على حد تعبيره.

في المقابل، قال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس إسماعيل هنية إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل هو بمثابة طعنة غادرة في ظهر الشعب الفلسطيني، وخطيئة سياسية كبرى، وسلوك مضر بمصالح الأمة وأمنها القومي على المدى المنظور والإستراتيجي.

جاء ذلك في رسالة بعثها هنية إلى قادة وزعماء أكثر من 30 دولة عربية وإسلامية، بحسب بيان صادر عن حركة حماس، ولم يكشف البيان عن هوية الزعماء الذين استقبلوا الرسالة.

وقال هنية في رسالته إن حركة حماس "تابعت بكل أسف واستهجان إبرام اتفاقات تطبيع العلاقات لبعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني برعاية الإدارة الأميركية"، مشددا على أن الحركة تنظر ببالغ الخطورة لأي خطوة تطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي في العالم العربي والإسلامي.

المصدر : الجزيرة