فلسطين 2021 أيضا.. بيتٌ ممزق على فُتات الجغرافيا

مسيرة سابقة في رام الله ضد مخطط الضم الإسرائيلي وللتأكيد على وحدة كل الأراضي الفلسطينية (الجزيرة)
مسيرة سابقة في رام الله ضد مخطط الضم الإسرائيلي وللتأكيد على وحدة كل الأراضي الفلسطينية (الجزيرة)

في عام 2020 قتلت إسرائيل أكثر من 40 فلسطينيا، وكان الطفل علي أبو عليا من أواخر من استشهدوا هذا العام، وهو الذي ستحمل أمه وجعها إلى العام الجديد على أرض قريتها "المغيّر" وسط الضفة الغربية، وهي واحدة من مئات القرى الفلسطينية التي ما زال الاستيطان وخطط الضم الإسرائيلية تنهب أراضيها ووجود سكانها.

وسيخطو العام الجديد على محطات مفصلية مر بها الفلسطينيون خلال عامهم الصعب الذي يوشك على الرحيل، فإلى جانب جائحة كورونا العالمية، واجهوا تحولات سيحملون تبعاتها إلى السنوات المقبلة.

بدأ الفلسطينيون عام 2020 بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب "صفقة القرن" تحت مسمى "خطة السلام" بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وممثلين عن الإمارات والبحرين اللتين تخطوان إلى تطبيع غير مسبوق مع إسرائيل.

خريطة الدولة الفلسطينية كما نشرها ترامب على حسابه في تويتر (مواقع التواصل)

وفي 5 مارس/آذار قررت السلطة إغلاق مناطق سيطرتها في الضفة الغربية بعد اكتشاف أولى الإصابات بكورونا، وهو الوباء الذي سيكلف الفلسطينيين أكثر من 1300 وفاة داخل وخارج وطنهم، ويكبّدهم خسائر اقتصادية فاقت تقديراتها 2.5 مليار دولار. وحسب التقديرات، فإن وصول اللقاح وتطعيم السكان سيحتاجان المزيد من الوقت في العام الجديد.

وكما استثمر نتنياهو جائحة كورونا لتثبيت نفسه في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، فقد صادق الكنيست أيضا خلال الجائحة على تنصيب حكومته التي تبنت "خطة ضم 30% من أراضي الضفة الغربية" إلى إسرائيل منتصف مايو/أيار.

وردا على ذلك، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 18 مايو/أيار تحلل السلطة من اتفاقياتها السياسية والأمنية مع إسرائيل، قبل أن يعود بعد ذلك.

ورغم التكلفة السياسية والاقتصادية التي تكبدها الفلسطينيون جراء ذلك، فإن القطيعة مع إسرائيل إلى جانب موجة التطبيع العربي التي وصفت "بالطعنة في الظهر"، فتحت بابا للمصالحة الفلسطينية الداخلية، وتوج ذلك باجتماع الأمناء العامين للفصائل بين رام الله وبيروت أوائل أكتوبر/تشرين الأول، والاتفاق على تشكيل قيادة موحدة للمقاومة الشعبية.

لكن هذا الباب سرعان ما صُفق في وجه من صدقوا المصالحة مرة أخرى، بعد خسارة ترامب أمام منافسه جو بايدن، وقرار السلطة الفلسطينية العودة بعلاقاتها مع إسرائيل وتلقي أموال المقاصة المتأخرة كاملة.

إدارة ترامب حاولت خنق أونروا من خلال وقف التمويل عنها (مواقع التواصل)

إرث قديم جديد

مع كل هذا الإرث، ينتقل الفلسطينيون إلى 2021. وفي استشرافه للعام الجديد، يقدم عضو اللجنة المركزية لحركة فتح صبري صيدم خطوطا عامة للتوجهات المقبلة.

فبالنسبة للقيادة الفلسطينية، تقترن أية عودة للمفاوضات مع إسرائيل بمواقف الإدارة الأميركية الجديدة بعد تنصيبها وإعلان خطتها الخاصة بعملية السلام في الشرق الأوسط، في حين تُقرأ تصريحات إدارة بايدن المؤيدة لحل الدولتين والاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية بإيجابية فلسطينيا، "رغم تأكيدها على ضرورات أمن إسرائيل"، ورغم أن ترتيب القضية الفلسطينية والسلام بالمنطقة يأتي أيضا في المرتبة ما بعد العاشرة بأجندة بايدن، حسب تقارير أميركية.

لكن مستقبل الفلسطينيين سيظل مهددا بعد ما جرى تكريسه في عهد ترامب من تسارع الاستيطان و"صفقة القرن" وتجفيف الموارد المالية للسلطة الفلسطينية، ومحاولة خنق وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

وفي العام الجديد، إسرائيل مستمرة بخطوات الضم، وآخرها إقرار بناء مستوطنة "جفعات هماتوس" بين بيت لحم والقدس، والتي ستمثل مقتلا للدولة الفلسطينية، كما يقول صيدم، وتطبيقا لمقولة نتنياهو "سنترك فُتات الجغرافيا ليسمّيها الفلسطينيون ما يشاؤون".

كما يعتقد الفلسطينيون أن الإدارة الأميركية ستتجه إلى دعم المزيد من مشاريع التطبيع العربية مع إسرائيل، وهنا يدعو صيدم إلى دعم دولي لتثبيت عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة كجزء مما يخطط له الفلسطينيون دبلوماسيا لإعادة النظر في الواقع الفلسطيني.

رغم ذلك، تنتظر القيادة الفلسطينية من بايدن تفعيل الدعم المالي للسلطة وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الذي أغلقه ترامب في واشنطن.

جانب من الاجتماعات التي شاركت بها قيادات من حركتي فتح وحماس لتحقيق الشراكة والمصالحة (الجزيرة)

لكن كل ذلك، كما يقول صيدم، لا يمكن أن يفلح "طالما صدر من بيت ممزق لا يستطيع مواجهة خصومه"، في إشارة إلى الإخفاق في المصالحة الداخلية.

ومن وجهة نظر المحلل السياسي هاني المصري، فإن ملامح السياسة الفلسطينية تبدو واضحة بغير تفاؤل، من خلال العودة المتوقعة إلى العملية السياسية مع إسرائيل، بشكل يضمن تثبيت السلطة الفلسطينية، "الذي يبدو غاية الغايات حاليا"، رغم أنه سيغطي على مخططات الاستيطان، ويحدد خيارات الفلسطينيين في التحرك.

وستستمر التصفية التدريجية للحقوق الفلسطينية بشكل أقل فظاظة مما جاء في صفقة القرن، ويظهر بقاء السلطة وتقويتها كهدف نهائي من أي عملية سياسية. ولذلك فالمفاوضات المتوقعة خلال العام الجديد، لن تشمل قضايا الحل النهائي كالحدود والقدس واللاجئين.

ورغم دعوة الرئيس الفلسطيني لعقد مؤتمر دولي للسلام عوضا عن المفاوضات المباشرة، وربما يلاقي فرصة في عام 2021، فإن هذا "سيكون منصة للتطبيع ولعودة المفاوضات"، برأي المصري.

مظاهرة سابقة لفلسطينيين ضد زيارة وزير الخارجية الأميركي لمستعمرة مقامة على أراضي مدينة البيرة بالضفة (الجزيرة)

لكن لماذا؟

سيوسع هذا المؤتمر أطراف اللجنة الرباعية لمتابعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والمكونة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة، لتضم أطرافا عربية مطبعة مع إسرائيل.

ويعتقد المصري أن المؤتمر سيسمح، في حال انعقاده، بانفتاح إسرائيلي للحوار مع مزيد من الدول العربية التي لم تعلن التطبيع حتى الآن، بينما لن يكون لقراراته تأثير، لأنه لن يستند إلى قرارات الشرعية الدولية بخصوص حقوق الفلسطينيين -شأنه شأن محطات سابقة كمؤتمر "أنابوليس"- وسيشكل منصة لاستئناف المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

من ناحية أخرى، ومع تراجع شعبية الحكومة الفلسطينية في ظل تفاقم وباء كورونا وتأثيراته إلى جانب شغور مواقع مهمة في السلطة الفلسطينية بعد وفاة صائب عريقات واستقالة عضو اللجنة التنفيذية حنان عشراوي، فتغيير حكومة محمد اشتية أصبح متوقعا في العام الجديد. لكن الأمر يبدو أبعد من ذلك، فالتغييرات الجديدة على الساحة الدولية تفرض أيضا تركيبة فلسطينية "مطواعة أكثر"، وفق المصري.

ومع كل هذا، لا ترجيح لمصالحة داخلية جدّية، وإذا ما نشطت حواراتها فستظل مرشحة للانهيار، كما أن خيار الانتخابات الفلسطينية سيكون صعبا، وقد يكون عاملا جديدا للانقسام إذا أجريت في الضفة الغربية وحدها، بالنظر للحاجة لها في القيادة الفلسطينية.

غير أن الاستعمار الاستيطاني واستكمال تهويد و"أسرلة" الضفة الغربية خاصة سيظل التحدي الفلسطيني الأكبر في ظل سعي إسرائيل لحسمها وإخراجها من أية مفاوضات مقبلة، بعد استبعاد قضايا اللاجئين والقدس والحدود. يضاف إلى ذلك تحدي تطويع إسرائيل لقطاع غزة وحركة حماس.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قال المحلل السياسي عبد الستار قاسم إن نتائج الانتخابات الأميركية والتقدم في ملف المصالحة بين حركتي فتح وحماس، دفعا البعض لإعادة التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي بهدف إفشال أي وحدة فلسطينية مرتقبة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة