سؤال وجواب.. هل انتهى النزاع في جنوب القوقاز؟ وما مستقبل إقليم قره باغ في العام 2021؟

رغم التوقعات بهدوء في قره باغ في 2021 فإن الصراع وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية لم ينته في جنوب القوقاز (الجزيرة)
رغم التوقعات بهدوء في قره باغ في 2021 فإن الصراع وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية لم ينته في جنوب القوقاز (الجزيرة)

شهد عام 2020 تعديلا كبيرا في الحدود الجيوستراتيجية في منطقة القوقاز نتيجة حرب إقليم قره باغ التي انتهت بانتصار أذربيجان واستعادتها للإقليم المتنازع عليه من أرمينيا بعد نحو 30 عاما من الاحتلال.

وهذا التعديل لم يكن في الخرائط فقط، بل حتى في خريطة النفوذ التركي في المنطقة، حيث عززت أنقرة حضورها، كما كسبت توثيق علاقتها بحليف تربطها به علاقات الدم والعرق، لتتسع للعلاقات العسكرية والسياسية، كما أعادت الحرب رسم خرائط النفوذ لروسيا وتركيا وإيران.

فهل انتهى النزاع في القوقاز أم أن المدافع فقط هي من سكتت؟ وما مستقبل الإقليم والعلاقات في القوقاز التي ينتظرها عام 2021؟

هل انتهى النزاع في القوقاز؟
استمرار الهدوء في جبهات القتال منذ اتفاق إنهاء الحرب في نوفمبر/تشرين ثاني الماضي دون انتهاكات ملموسة لوقف إطلاق النار، والبدء مباشرة بتطبيق بنود الاتفاق، بالإضافة لتبادل الأسرى وجثث قتلى الحرب بين الطرفين، يجعل نشوب حرب أخرى خلال العام القادم أمرا مستبعدا، لكن على المدى الطويل تبقى الشرارة جاهزة للاشتعال، إذا تغيرت موازين القوى أو تبدلت خريطة التحالفات في المنطقة.

وفي السياق، ذكرت دراسة لمعهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة، إن اتفاق وقف القتال في إقليم ناغورني قره باغ لا يمثل نهاية للصراع المسلح في الإقليم المتنازع عليه؛ بل يعد بداية فصل جديد من الصراع، وإن جهود إذلال أرمينيا ستؤجج مشاعر المزيد من الحكومات الشعبوية هناك، التي ستنتظر فرصة للانتقام في قادم السنوات.

ما خريطة النفوذ وموازين القوى الجديدة في جنوب القوقاز؟
رغم عدم التيقن من أن مسألة قرة باغ والصراع الأذري الأرميني قد انتهيا بصورة حاسمة، فإن حدوث أي تطورات خلال العام 2021 سيكون في مصلحة اللاعبين الكبار، روسيا اللاعب الكبير التقليدي في القوقاز، وتركيا الوافد الجديد، أما فرنسا والولايات المتحدة فيبدو موقفهما ضعيفا، وستكتفيان بالمقعد الخلفي مثل إيران تماما. وهذا الأمر قد يكون مصدر قلق حقيقي، خاصة بالنسبة لواشنطن التي تنظر بعين الريبة إلى هذه التفاهمات التركية الروسية في القوقاز.

بالمجمل فإن جولة الحرب أعادت رسم خريطة النفوذ، وكشفت عن موازين قوى جديدة في جنوب القوقاز:

أذربيجان
أذربيجان التي لم تتمكن منذ نحو 30 عامًا من استعادة أرضها المحتلة بدعم من الوسطاء الدوليين، لكنها خلال 6 أسابيع فقط من الحرب، وبخسائر محدودة نسبيًّا، حققت كافة أهدافها، بما في ذلك وحدة البلاد، وخروج أرمينيا، ومشاركة ملموسة من الحليف التركي في حل الأزمة، وعلاقات أفضل مع روسيا، إضافة إلى طريق آمن إلى إقليم ناختيشفان الذي تفصلها عنه أرمينيا.

تركيا
الانتصار الأذري يؤسس لوجود عسكري تركي في أذربيجان للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى، كما أن طريق تركيا التجاري مع أذربيجان ودول وسط آسيا الأخرى سيكون أيسر وأقصر، بعد أن انتهت الحاجة لمرور النقل التجاري التركي نحو باكو والشرق الآسيوي عبر الأراضي الإيرانية.
وترى القيادة الروسية -حسب تقرير لمركز كارنيغي في موسكو- أن تنامي النفوذ التركي في جنوب القوقاز أمر لا مفر منه في المدى المنظور.

وقبل الاتفاق، كان الوصول إلى إقليم ناختشيفان يتطلب المرور إما عبر إيران أو من خلال أرمينيا، لكن بعد استعادته سيتيح الإقليم لتركيا الاتصال الجغرافي مع أذربيجان وبالتالي دول القوقاز الناطقة بالتركية من خلال شريط حدودي فاصل.

وبجانب ما يمثله الإقليم من تأثير كبير على سياسات تركيا تجاه منطقتي البلقان والقوقاز، فهو يزيد من فاعليتها في حوضي الأدرياتيكي وقزوين بشكل مباشر.

روسيا عززت حضورها كأهم لاعب في جنوب القوقاز (رويترز)

روسيا
الجيش الروسي يعود بذلك إلى أذربيجان -التي كانت قد رفضت الانضواء في اتحاد الدول المستقلة واتفاقية الأمن الجماعي- للمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، كما أن الوجود العسكري الروسي إضافة إلى القاعدة العسكرية الروسية في أرمينيا، يجعل من روسيا القوة الأولى في جنوب القوقاز.

أرمينيا
أرمينيا خرجت من الحرب بخسارتها ما احتلته عام 1994 من الأراضي الأذرية، ومعظم إقليم قره باغ، إضافة إلى عودة لاجئي أذربيجان الذين هجروا عام 1994.

كما أن الثمن الذي دفعته يريفان لن يكون عسكريا فقط بل سياسيا أيضا، فالغضب الشعبي ضد الحكومة كبير ومستمر، أما الذين غادروا ديارهم قبل شهر ونصف، وقيل لهم إن موعد عودتهم قريب، فقد استفاقوا على أن كل شيء قد انتهى، وأن عليهم أن يوطنوا أنفسهم على حياتهم الجديدة، فقره باغ لم يعد تابعا لأرمينيا.

إيران
أسست إيران تحالفا إستراتيجيا مع أرمينيا منذ التسعينيات، لكن بعدما انتهت الحرب بهزيمة أرمينيا، فلابد أنها تنظر بقلق بالغ إلى تعزيز الروابط الآذرية الإسرائيلية، وإلى الوجود العسكري التركي في أذربيجان، واحتمالات ازدياد النفوذ التجاري التركي في كافة المحيط الشمالي، من أذربيجان إلى أوزبكستان.

أميركا والغرب
الولايات المتحدة وفرنسا وقوى غربية أخرى كانت غائبة إلى حد كبير عن نتائج النزاع، كما أن جهودها الدبلوماسية الرامية إلى إحلال السلام فشلت فشلاً ذريعاً. والملف الذي كان مهملًا بالأمس سيكون له الصدارة مستقبلًا، إذ من المرجح أن ينظر إليه في سياق العلاقات مع موسكو وأنقرة، ونجاحهما في سحب البساط من تحت حكومات الغرب، لا سيما فرنسا.

تركيا حققت مكاسب جيوستراتيجية مهمة بانتصار أذربيجان في الحرب (وكالة الأناضول)

ما مستقبل إقليم قره باغ؟
رغم الانتشار السريع لقوات حفظ السلام الروسية، فإن بعض الجوانب الأساسية من الاتفاق لم تطبَّق بعد، ومن ضمنها انسحاب القوات الأرمينية من عاصمة ناغورني قره باغ.

لكن القنبلة الموقوتة في الاتفاق الذي أبرمته موسكو في 10 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي هي إغفاله عن ذكر أي رؤية مستقبلية حول وضع قره باغ أو أي حل طويل الأمد للمنطقة، يُضاف إلى ذلك أن باكو ستملك بعد 5 سنوات أسباباً قانونية للمطالبة بانسحاب قوات حفظ السلام الروسية من أراضيها، وستصبح قادرة على استعادة سيطرتها الكاملة على قره باغ بالقوة العسكرية.

سيشكّل ذلك -حسب الصحافة الروسية- معضلة مزعجة بالنسبة للكرملين، فغالبا سيؤدّي الانسحاب الروسي إلى هجوم أذربيجاني مدمّر، في حين أن بقاء القوات الروسية سيقوّض علاقات موسكو مع باكو، ويعرّضها إلى المزيد من الانتقادات الدولية، وفي الوقت نفسه، من المستبعد أن يصبح المجتمع الأرميني، حتى بعد تجاوز الصدمة العاطفية الأولية، أكثر مرونة في وجه واقع قاتم ومرير.

أخيراً، في ظل تدهور العلاقات الروسية الأميركية، تبدو آفاق التوصّل إلى تسوية دبلوماسية دولية بعيدة للغاية، مما يزعزع أوضاع المنطقة، ويتركها ساحة مشرَّعة أمام المخاطر المُحدقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة