عام على الجائحة.. أطباء مصر بين إهمال الحكومة ومخاطر كورونا

إضراب الأطباء في عدد من المحافظات
مظاهرات سابقة أمام نقابة الأطباء احتجاجا على تدني الأجور (الجزيرة)

يستمر سقوط ضحايا الأطقم الطبية في مصر وسط مخاوف من تفشي الموجة الثانية لفيروس كورونا وظهور سلالة جديدة من الفيروس، مع تأكيدات مسؤولين مصريين في القطاع الصحي بأن أعداد المصابين هي أضعاف المعلن عنه رسميا.

وانضمت الضحية رقم 247 إلى قائمة وفيات الأطباء بسبب فيروس كورونا في مصر، وفق بيان لنقابة الأطباء اليوم الثلاثاء.

يأتي ذلك بينما شهدت إصابات كورونا في مصر ارتفاعا واضحا خلال الأيام الماضية وفقا للأرقام الرسمية التي تحدثت عن تسجيل 718 إصابة أمس الاثنين و32 وفاة، ليرتفع الإجمالي إلى أكثر من 126 ألف إصابة و7130 وفاة.

في الأثناء، قال عضو اللجنة القومية الدكتور محمد النادي في تصريحات تلفزيونية قبل يومين إن الرقم الحقيقي لإصابات كورونا في مصر 10 أضعاف المعلن "وسنكون مجاملين أيضا لأن هذا أقل تقدير".

ومنذ بدء الأزمة وجد الأطباء أنفسهم في مواجهة الفيروس ببدل عدوى تبلغ قيمته 19 جنيها فقط شهريا (الدولار نحو 16 جنيها)، ومعاش متواضع في حالة الوفاة، ليدخلوا في معركتين متوازيتين، الأولى مع الفيروس، والأخرى مع وزارة الصحة لتصويب أوضاعهم المادية ومواجهة نقص الإمكانيات والمستلزمات الطبية.

وعندما حاول الأطباء الاعتراض عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض بعضهم للاعتقال بتهم سياسية مثل بث الإشاعات وسوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يزال بعضهم في السجن حتى الآن.

بداية الأزمة

كانت البداية مطلع فبراير/شباط الماضي إثر إعلان وزيرة الصحة المصرية هالة زايد تخصيص مستشفى النجيلة المركزي غرب مدينة مرسى مطروح شمالي البلاد كأول مستشفى عزل لمصابي كورونا، والتعاقد مع أطباء للعمل هناك دون إخبارهم بطبيعة المهمة، ودون تدريب على طرق مواجهة الفيروس الجديد.

وهو ما أكده حينها الأمين العام لنقابة الأطباء إيهاب الطاهر بشأن أن بعض الأطباء غرر بهم ولم يكن لديهم علم بطبيعة المهمة الموكلة لهم، وقال في تصريحات للجزيرة نت "بعض الأطباء ذهبوا دون أن يعرفوا تفاصيل أسباب وجودهم هناك".

ورغم تدارك الأزمة لاحقا فإن الطاهر أكد أنه "كان من باب أولى أن تكون هناك شفافية في التعامل مع فيروس كورونا"، مشيرا إلى أنه "كان لا بد من إعلام الأطباء بطبيعة المهمة الموكلة لهم، وتدريبهم بشكل صحيح للتعامل مع الفيروس حتى يكون الطبيب مطمئنا".

إصابات ووفيات

وسجلت محافظة دمياط شمال القاهرة أول إصابة بفيروس كورونا بين الأطباء لطبيب كان يعالج إحدى الحالات المصابة في مستشفى الصدر، وتم نقله إلى الحجر الصحي بالإسماعيلية، قبل أن تتوالى الإصابات في صفوف الأطباء.

ومع استمرار نقص المعدات ووسائل الوقاية والحماية مثل القفازات الطبية والمطهرات والكمامات الطبية وعدم أخذ مسحات للمصابين أو المخالطين انتشرت مقاطع مصورة للأطباء والكوادر الطبية ينتقدون فيها تعامل وزارة الصحة مع الأزمة.

وردت الحكومة بشن حملة اعتقالات طالت عددا من الأطباء، وإصدار تعليمات للأمن الوطني بالتدخل وتهديد كل العاملين في المجال الصحي بالحبس والمساءلة في حال نظموا وقفات احتجاجية، وهو ما أكده حينها أحد العاملين في مستشفى الشيخ زايد التخصصي بمدينة الشيخ زايد في محافظة الجيزة.

وأشار في تصريح للجزيرة نت إلى أن بعض العاملين نظموا وقفة احتجاجية في حرم المستشفى بعد تزايد عدد الإصابات بينهم، ورفض الإدارة إجراء تحاليل لهم، وتهديدهم بجلب الأمن الوطني واعتقالهم.

معركة مع الحكومة

في منتصف مارس/آذار الماضي خاطبت النقابة العامة للأطباء الرئاسة والحكومة لرفع قيمة بدل العدوى الذي يحصل عليه الأطباء أسوة بالقضاة الذين يحصلون على 3 آلاف جنيه كبدل عدوى، في حين أن الأطباء هم الأكثر عرضة للعدوى بسبب وجودهم الحتمي وسط المرضى لرعايتهم.

وتضامن نواب مع الأطباء، وطالبوا برفع بدل العدوى للأطباء من 19 جنيها إلى 3 آلاف جنيه في مشروع الموازنة العامة الجديدة للدولة للسنة المالية 2021/2020، خاصة أن ما يتقاضاه الأطباء لا يتناسب مع الأخطار الصحية التي يتعرضون لها بحكم مهنتهم، وهو ما لم يحدث.

وفي الشهر ذاته، توفي اثنان من الأطباء بفيروس كورونا، مما دفع نقابة الأطباء إلى المطالبة بشكل عاجل بمساواة المصابين والمتوفين بـ"كورونا" من الأطقم الطبية بشهداء ومصابي العمليات الحربية وفق قانون 16 لسنة 2018، وهو قانون أقره البرلمان بهدف تكريم شهداء وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والإرهابية والأمنية وأسرهم، ودعمهم ورعايتهم في كل النواحي الاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها، وصرف التعويضات المستحقة لهم وفقا لأحكام القانون.

الحكومة تلحس وعودها

وفي محاولة لاسترضاء الأطقم الطبية (أطباء وممرضون) وافق الرئيس عبد الفتاح السيسي على زيادة بدل المهن الطبية بنسبة 75% عما هو قائم، والذي يتراوح بين 400 و700 جنيه، وهو ما اعتبره الأطباء التفافا على مطالبهم.

ومع استمرار غضب الأطباء وإلحاحهم لتحقيق مطالبهم اجتمع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعوض تاج الدين مستشار رئيس الجمهورية للصحة مع نقيب الأطباء حسين خيري في مايو/أيار الماضي، ووعد باعتبار ضحايا فيروس كورونا من الأطباء شهداء، وهو ما لم يحدث إلى الآن.

وتصاعدت الأزمة -وفق أطباء- بعدما لاحقت السلطات المحلية عيادات الأطباء الخاصة، بعد مطالب السيسي للمحافظين بزيادة موارد محافظاتهم، حيث طالبوا الأطباء بتسديد رسوم التصالح في مخالفات البناء، وذلك عن العيادات التي تمت إقامتها دون تعديل الغرض من العقار من الأغراض السكنية للأغراض التجارية.

وردت نقابة الأطباء بأن هذه العيادات مسجلة في النقابة ومرخصة في الجهة الإدارية وفق قانون المنشآت رقم 51 لسنة 1981 والمعدل بقانون 153 لسنة 2004، ولم يتحايلوا قط على هذا القانون.

ومع مرور عام 2020 ظلت أزمة الأطباء المزدوجة مع كورونا والحكومة على حالها محلك سر، ولم تجد النقابة بدا من تخصيص رقم حساب خاص لتلقي تبرعات دعم صندوق الرعاية الاجتماعية التابع للجنة الاجتماعية بالنقابة العامة للأطباء، وهو ما تبرأ منه البعض واعتبره عارا يلاحق الأطباء.

الدولة تتخلى عن دورها والحكومة لم تنفذ وعودها

وأعرب أحمد شوشة مفوض النقابة العامة للدفاع عن الأطباء ومقرر اللجنة القانونية والحريات بالنقابة سابقا عن رفضه مثل هذه التبرعات، وقال "لا يمكن القبول بهذه المهزلة وتخلي الدولة عن دورها تجاه الخط الأول لمصر والمصريين في الحروب والأزمات والأوبئة والكوارث".

وأكد شوشة في حديثه للجزيرة نت أنه حتى الآن لم تنفذ الحكومة المصرية وعودها لنقيب الأطباء رغم مرور نحو نصف عام على اللقاء الذي جمع نقيب الأطباء برئيس الحكومة، وهو ما يؤكد على عدم وجود إرادة سياسية لتصويب الأوضاع الخاطئة.

ويجب أن أنوه -والحديث لا يزل لشوشة- إلى أن أي فرد في المنظومة الصحية يجب ألا يقل عن أي ضابط أو جندي في الجيش والشرطة، نحن لا نريد استثناءات ولا منحا، إنما نريد وضع كل شيء في نصابه الصحيح، وما يحصل عليه الطبيب لا يساوي شيئا إزاء تضحيته بنفسه وأسرته، فالطبيب الذي يصاب بكورونا يصيب أفراد أسرته، وكم من آلاف ماتوا جراء نقل العدوى لهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة