استبعاد السلطات المصرية من دم ريجيني.. تسوية أم ادّعاء؟

وقفة احتجاجية في روما جرت في يناير/كانون الثاني 2017 لإحياء ذكرى مقتل جوليو ريجيني (رويترز)
وقفة احتجاجية في روما جرت في يناير/كانون الثاني 2017 لإحياء ذكرى مقتل جوليو ريجيني (رويترز)

رغم سنوات عديدة من البحث والتحري والتعقّب، كانت النهاية هي الإخفاق من جانب السلطات المصرية في الوصول إلى قاتل الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، الذي قُتل قبل نحو 5 سنوات بعدما تعرض لتعذيب بشع.

وظل قتله، وفق النيابة العامة المصرية، في بيان صدر الاثنين، لغزا لم تستطع الأجهزة الأمنية والمخابراتية كشف خباياه أو الوصول إلى خيط واحد يقود إلى الجاني، وانتهى الأمر بالنيابة إلى إغلاق القضية مؤقتا رغم أنها ستواصل عمليات التحري للوصول إلى مرتكبي الجريمة، حسب ما يقول البيان.

في المقابل، أعلنت النيابة الإيطالية نيتها إنهاء التحقيقات في الواقعة بالاشتباه في 5 أفراد ينتمون لأجهزة أمنية مع اعتبار ذلك تصرفات فردية من جانب هؤلاء الأشخاص، دون صلة بأية جهات أو مؤسسات حكومية، رغم تحفظ نظيرتها المصرية.

لكن إضافة عبارة "بتصرفات فردية منهم (للمشتبهين الخمسة)، دون صلة بأية جهات أو مؤسسات حكومية" للبيان، أثارت شكوكا واسعة؛ فالمجني عليه لم تكن بينه وبين المشتبه بهم خصومة أو ثأر كي يقوموا بتعذيبه وقتله، وفق سياسيين وحقوقيين.

وقد أعرب النائب ميكيلي بيراس في البرلمان الإيطالي رفضه لبيان النيابة المصرية، وأكد في تصريح للجزيرة نت أنه "لا يمكن للرأي العام في إيطاليا قبول البيان".

وأشار بيراس إلى أن "ما تم إعلانه ليس نتيجة، بل دراما تعمل على إخفاء المسؤوليات الثقيلة للنظام المصري، ومناخ القمع الذي ولد في البلاد بعد الانقلاب العسكري".

وكان الباحث الإيطالي جوليو ريجيني قُتل عام 2016، بعد اختفائه في 25 يناير/كانون الثاني، ثم العثور على جثته مطلع فبراير/شباط من العام ذاته، لكن السلطات المصرية نفت ضلوع عناصر من شرطتها في مقتله.

وفي 25 مارس/آذار 2016، أعلنت الشرطة المصرية أنها قتلت 5 أشخاص اتهمتهم رسميا بخطف ريجيني وقتله، وهي واقعة أثارت التساؤلات لعدم إلقاء الشرطة القبض عليهم بدلا من قتلهم، في حين ردت الشرطة بدورها قائلة إنها كانت حريصة على اعتقالهم غير أنهم بادروها بإطلاق النار فردت عليهم، مما أسفر عن مقتلهم جميعا.

نظام السيسي لم ينجُ

وبشأن دلالات إعلان "نيابة الجمهورية بروما" إنهاء التحقيقات في الواقعة بالاشتباه في 5 أفراد ينتمون لأجهزة أمنية، أوضح البرلماني الإيطالي أن "تمسك روما بتقديم المشتبه بهم للمحاكمة يعني شيئًا واحدًا بسيطًا، أن روما تبحث عن العدالة، لمواطن شاب بلا أخطاء أو جرائم، لأنه كان يناضل فقط من أجل حقوق شعب مضطهد".

وعما إذا كان البيان يعني إفلات السلطات المصرية من التورط في مقتل ريجيني بالإشارة إلى أن المشتبه بهم الخمسة قاموا بفعلتهم بشكل فردي، دون صلة بأية جهات أو مؤسسات حكومية مصرية، أكد ميكيلي بيراس، "نحن لسنا ساذجين، نحن نعلم بالضبط ما هي الروابط بين النظام وموظفيه".

واستدرك بيراس بأن "إيطاليا ليست أحدث الوافدين إلى العالم، فلدينا خدمات ومعلومات، حتى لو كنا ديمقراطيين ومصر ليست كذلك. لذلك أستطيع أن أقول إن نظام السيسي لم ينجُ من شيء".

في المقابل، قال بيان صادر عن عائلة ريجيني إن الاجتماع الذي جرى بين النائب العام الإيطالي ونظيره المصري هو ضمن سلسلة الاجتماعات “غير المثمرة"، وإن العائلة على مدى السنوات الماضية عانت "جروحا وغضبا عارما بسبب تصرفات الجانب المصري".

شكوك إعلامية

وشكك الإعلامي المصري سعيد محمد، المقيم بإيطاليا، في دقة البيان المشترك، قائلا إن "اللقاء تم عبر الفيديو كونفرانس بين المدعي العام الإيطالي ميشال بريستيبينو والمدعي العام المصري، حمادة الصاوي، ولم يصدر أي بيان إيطالي سوى أن التحقيقات انتهت ولم تصل لجديد، حيث تنكر مصر وتدعي أن الأدلة غير كافية".

وبشأن الخطوات المقبلة، أوضح في حديثه للجزيرة نت أن المدعي الإيطالي سيقوم خلال يومين بإرسال مذكرة إلى المحكمة المختصة وسيتم انتداب محامين للدفاع عن المتهمين، وإرسال مذكرة إلى السفارة المصرية بروما لأنها ممثل الحكومة المصرية، وفي حال أدين المتهمون الخمسة سوف ترسل مذكرة للإنتربول لإيقافهم.

وذكر الإعلامي المصري المقيم في إيطاليا أن روما تملك الأدلة والشهود بما يكفي لتقديم المتهمين الخمسة للمحاكمة، مشيرا إلى أن إغلاق القضية مؤقتا يؤشر إلى تورط جهات مصرية رسمية كانت تقف وراء تحريضهم على قتل ريجيني، ومن غير المقبول ادعاء أن قتله كان بشكل فردي فأي خصومة كانت بينه وبين المتهمين؟!

أزمة رغم أنف الجميع

وبدوره، أشار الناشط السياسي المصري في إيطاليا، محمد الزيات، إلى وجود 3 عقبات أمام الوصول إلى العدالة، الأولى هي أن الجهة المنوط بها التحقيق في القضية هي السلطة المصرية وهي غالبا متورطة في الأمر. والثانية هي أن القضية تمس شخصيات بارزة في النظام المصري. والثالثة هي طبيعة العلاقات القوية إستراتيجيا واقتصاديا بين مصر وإيطاليا.

وأضاف الناشط السياسي في تصريح للجزيرة نت أن الحكومة الإيطالية تود هي الأخرى إغلاق الملف وتسويته بشكل مقبول للرأي العام، ومن هنا كان نزول مستوى الاتهام (الإيطالي) إلى 5 ضباط، لكن النظام المصري لا يستطيع تسليم المشتبه بهم إلى الحكومة الإيطالية لأسباب أمنية.

لكن الزيات اعتبر أن استبعاد توجيه أصابع الاتهام في البيان المصري الإيطالي المشترك إلى أية جهات أو مؤسسات حكومية مصرية، والإقرار بأن ما جرى كان تصرفا فرديا، يعد مكسبا للسلطة المصرية ولكنه غير كافٍ بل وغير مقنع للرأي العام بإيطاليا.

تحت الاختبار

على المستوى الحقوقي، شككت المديرة التنفيذية للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات هبة حسن، في صحة موافقة النيابة في روما على اقتصار الاتهام بحق 5 أشخاص فقط، قائلة "هذا التعبير مثير للتساؤلات حول صحته، حيث سبق أن صرح النائب العام الإيطالي العام الماضي أمام لجنة برلمانية بأن المسؤولين المصريين اختلقوا قصصا غير حقيقية لحرف التحقيق".

وأشارت في حديثها للجزيرة نت، إلى أن تعبير النيابة المصرية بشأن إعلان "نيابة الجمهورية بروما" نيتها إنهاء التحقيقات في الواقعة بالاشتباه في 5 أفراد ينتمون لأجهزة أمنية بتصرفات فردية منهم، دون صلة بأية جهات أو مؤسسات حكومية مصرية، لم يظهر إلا على صفحة النيابة العامة المصرية حتى الآن.

وأردفت الحقوقية المصرية، إن كان التعبير صحيحا فإنه يدل على وجود ضغوط سياسية مصرية لتخفيف تبعات هذه القضية وأثرها على العلاقات بين البلدين، وربما الاتجاه لغلق تحقيقاتها باتجاه اتهامات فردية، بعيدا عن اعتبارها جريمة دولة وإثبات القتل داخل الأجهزة الأمنية وبقرار منها.

وأرجعت الفضل في استمرار القضية إلى زيادة الضغط الداخلي على الحكومة الإيطالية من قِبَل والدة ريجيني وتضامن المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، رغم ما ظهر خلال السنوات السابقة من تعمدها التجاهل والمماطلة بالتوازي مع سعي النظام المصري لتجاوز الحادث سواء بصفقات سلاح أو علاقات تجارية، وغيرها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قالت النيابة العامة المصرية إن تشكيلا عصابيا يقف وراء مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني بمصر عام 2016، مبدية تحفظها على اشتباه نظيرتها الإيطالية في تورط 5 أفراد من أجهزة أمنية مصرية بالواقعة.

30/11/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة