10 سنوات على اندلاع "ثورة الياسمين".. هل خفتت شعلتها في قلب التونسيين؟

الذكرى العاشرة للثورة التونسية تأتي في ظرف سياسي واجتماعي محتقن (الجزيرة -أرشيف)

10 سنوات على اندلاع الثورة التونسية من مدينة سيدي بوزيد، ولم تنطفئ في قلب جريحها رشاد بلعربي شعلة الأمل والحلم بمستقبل أفضل، وهو الذي أصابته رصاصة الشرطة لتستقر في جسده وتجعله أسير كرسي متحرك.

تختلط مشاعر الحزن بالفخر حين عاد هذا الشاب بذاكرته لعقد من الزمن، ليسرد للجزيرة نت تفاصيل لا تزال محفورة في جسده، لمّا انتفض رفقة أصدقائه من "رجال الثورة" لإسقاط نظام بن علي، ودفعوا بأجسادهم ودمائهم ثمنا للحرية والكرامة، كما يقول.

لا يخفي رشاد بالمقابل ما وصفه بالقهر "حين أرى منظومة الاستبداد المتجسدة في حزب الدستوري الحر سليل النظام السابق مكشرا عن أنيابه في قلب مجلس النواب، ومتمعنا في ترذيل الثورة ومكتسباتها أمام مرأى ومسمع القوى والأحزاب الثورية".

ومن على كرسيه المتحرك، اختار هذا الشاب الانضمام لرفاقه من جرحى الثورة وعوائل شهدائها في وقفة احتجاجية أمام قصر الحكومة، لمطالبة رئيسها بنشر القائمة النهائية لشهداء وجرحى الثورة في الجريدة الرسمية للبلاد والمعطلة منذ سنوات، مهددين بالتصعيد.

رشاد بلعربي أحد جرحى الثورة الذين ينتظرون اعتراف الدولة بهم الجزيرة نت
رشاد بلعربي أحد جرحى الثورة الذين ينتظرون اعتراف الدولة بهم (الجزيرة)

العدالة المؤجلة
ورغم مرور 10 سنوات على إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده انتصارا لكرامته المهدورة، يرى خبراء وسياسيون أن احتفالات التونسيين بالذكرى العاشرة للثورة تأتي في ظرف سياسي واقتصادي واجتماعي صعب ودقيق وأزمات متتالية أضعفت الدولة ورفعت من منسوب الاحتقان الشعبي.

معضلة الطبقة السياسية
ويرى الباحث الاجتماعي والمحلل السياسي سامي براهم في تصريح للجزيرة نت أن ما تعيشه تونس من اضطراب سياسي واجتماعي هو مسار طبيعي لأي ثورة لا تزال تتحسس طريقها نحو الاستقرار.

ويشير بالمقابل إلى أن المعضلة الوحيدة التي تقف عائقا أمام تحقيق أهداف الثورة تتلخص في الطبقة السياسية، التي لم تبلغ بعد مرحلة من النضج من أجل الاستجابة لاستحقاقات المرحلة.

ويتابع "لا نزال نعيش صراع الوجود والتنافي ولم تحصل بعد قناعة لدى الأحزاب السياسية بأن وجود بعضها لا يعني بالضرورة نفي الآخر بسبب مرجعيته الفكرية أو العقائدية".

ويلفت براهم إلى أن الطبقة السياسية والقوى الوطنية لم تنجح إلى اليوم في التوافق على صيغة مشتركة للتعاقد الاقتصادي والاجتماعي ومنوال تنمية جامع. ويحذر من استغلال هذا الفشل الاجتماعي والاقتصادي من قبل المنظومة السابقة لبث اليأس في نفوس التونسيين، وحملهم على شتم الثورة.

10 سنوات على الثورة ولا تزال قائمة جرحاها وشهداءها لم تنشر بعد الجزيرة نت
10 سنوات على الثورة ولا تزال قائمة جرحاها وشهدائها لم تنشر بعد (الجزيرة)

أزمات خانقة
وتعيش تونس أكبر أزمة سياسية واقتصادية خانقة منذ الاستقلال، وسط دعوات لحل البرلمان وتسلم الجيش السلطة من قيادات سياسية كانت محسوبة على القوى الديمقراطية والثورية، زادتها المطالب الاجتماعية تعقيدا، بحسب مراقبين.

وتعول حكومة هشام المشيشي، التي بدأت تفقد جزءا من حزامها السياسي بسبب أزمة الموازنة للعام القادم، على مبادرة حوار اقتصادي وسياسي واجتماعي تقدمت بها منظمة اتحاد الشغل، بانتظار تبنيها رسميا من قبل رئيس الجمهورية الذي لا يزال يلتزم الصمت.

ويقول وزير الخارجية الأسبق والقيادي بحركة النهضة رفيق عبد السلام في حديثه للجزيرة نت إن هناك فعليا ما يستحق الاحتفال بمناسبة مرور 10 سنوات على الثورة، مؤكدا أن تونس نجحت في معالجة معضلة الحكم الواحد والاستفراد بالسلطة.

ويؤكد أن ما تعيشه تونس اليوم يصطلح عليه بـ"صعوبات ديناميكية التحول والتغيير"، داعيا التونسيين والطبقة السياسية للتمسك بمكتسبات الثورة والتوجه نحو معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

وينبه إلى أن المخاطر التي تتهدد استكمال مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، مفتوحة على واجهتين: داخلية تتزعمها رئيسة الدستوري الحر، وخارجية تدعمها قوى إقليمية تتآمر ليلا نهارا على الثورة.

ويضيف "نحن نجدف ضد مزاج إقليمي عام يمهد الطريق لعودة الدكتاتورية وحكم العسكر، نجح في وأد ثورات ولا يزال يسعى جاهدا لإفشال التجربة التونسية".

جرحى الثورة وعوائل شهداءها خلال وقفة احتجاجية أمام قصر الحكومة الجزيرة نت
جرحى الثورة وعوائل شهدائها خلال وقفة احتجاجية أمام قصر الحكومة (الجزيرة)

ويرفض الوزير الأسبق الاتهامات التي تطال حركة النهضة، وتحميلها مسؤولية عودة فلول النظام السابق إلى الواجهة السياسية من خلال إسقاطها قانون العزل السياسي.

ويرى أن إسقاط قانون تحصين الثورة كان أحد العوامل التي حمت الثورة التونسية، ووفرت مناخات للتوافق والتعايش في إطار دستور جديد لا يقصي أحدا وخطة للاحتواء والاستيعاب.

ويوجه عبد السلام في ختام حديثه لومه لرئيس الجمهورية الذي قال إنه "جاء محمولا على أعناق الجماهير الثورية التي عقدت عليه آمالها لكنه لم يكن في مستوى انتظاراتهم بتعمده الخوض في قضايا لم ينتخب من أجلها على غرار مراجعة الدستور وتغيير النظام السياسي".

وقد أظهرت نتائج سبر آراء لنوايا التصويت في الانتخابات القادمة تراجعا متواصلا لرئيس الجمهورية قيس سعيد بنحو 20 نقطة، في حين يواصل حزب الدستوري الحر تصدره نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية متقدما على حركة النهضة.

يشار إلى أن غياب رئيس الجمهورية قيس سعيد عن احتفالات مهد الثورة سيدي بوزيد في ذكراها العاشرة، خلّف حالة غضب واستياء واسع لدى رواد شبكات التواصل الاجتماعي.

المصدر : الجزيرة