قانون أميركي يحاصر شركات الجيش بالسودان.. هل سيقوّي سلطة المدنيين على حساب العسكر؟

رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك (يمين) ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (مواقع التواصل الاجتماعي)
رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك (يمين) ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (مواقع التواصل الاجتماعي)

حتى الآن ينحني العسكريون في حكومة الخرطوم الانتقالية لعاصفة قانون الانتقال الديمقراطي والمساءلة والشفافية المالية بالسودان الذي أجازه مجلس الشيوخ الأميركي الجمعة الماضية رغم أن القانون يهدد شركات واستثمارات الجيش.

وتعد الشركات الأمنية والعسكرية في السودان من الملفات الحساسة حيث تجد الحكومة الانتقالية صعوبة في التعامل معها على أسس الولاية على المال العام.

وفي أغسطس/آب الماضي لم يسكت رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن الرد على حديث لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك قال فيه إن 82% من المال العام خارج ولاية وزارة المالية، وإنه لا بد من استعادة شركات القطاع الأمني والعسكري.

وحينها اضطر البرهان إلى الحديث أمام قادة الجيش قائلا إن شركات الجيش لم تحتكر تصدير السمسم أو المواشي أو الذهب، وكذلك القوات المسلحة بسطت يدها إلى وزارة المالية للاستحواذ على مجموعة مقدّرة من تلك الشركات لكنها لم تستجب.

منظومة متمددة

 

ويتمدد الجيش وقوات الدعم السريع وجهاز الأمن في استثمارات وشركات تعمل في مجال التعدين والنفط والصناعة والزراعة.

وإلى جانب نشاط منظومة الصناعات الدفاعية المعروف في مصنعي الصافات 1 و2 اللذين يصنعان معظم احتياجات المدفعية اللوجستية التكتيكية المطلوبة لدعم الجيش تمتلك هذه المنظومة عشرات الشركات التي تعمل في المجالات الحيوية المدنية، مثل التجارة في دقيق الخبز واللحوم والأحذية.

رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان (الجزيرة)

ومنذ تشكيل الحكومة الانتقالية قبل أكثر من عام يتبادل المدنيون والعسكر الاتهامات بشأن الشركات الحكومية، إذ ثمة تقارير أحصت أكثر من 200 شركة تابعة للقطاع الأمني والعسكري.

وفي مقابل ذلك قال البرهان في أغسطس/آب الماضي إن الجيش حصر 450 شركة حكومية غير تابعة له، يعمل منها بصورة رسمية نحو 200 شركة فقط، أما البقية فهي تتبع لمؤسسات ووزارات دون أساس.

مصير شركات الجيش

 

وعلى ما يبدو فإن مشروع القانون الأميركي منح رئيس الوزراء عبد الله حمدوك القوة للتحدث عن ملف الشركات التابعة للجيش في سياق ردوده على أسئلة الصحفيين عن قانون الانتقال الديمقراطي والمساءلة والشفافية المالية.

وقال حمدوك إن "المطالبة بالشفافية المالية والمحاسبية في شركات الحكومة والمكون العسكري مطلب أساسي ينبغي أن يتحقق، فمن غير الممكن إدارة موارد خاصة بالشعب السوداني من غير شفافية ومساءلة. هذا أمر لا تنازل فيه".

حمدوك رأى أن استثمار المؤسسة العسكرية في قطاع الإنتاج وإزاحة القطاع الخاص أمر غير مقبول (رويترز)

وأقرّ بأن كل جيوش العالم لديها استثمارات متعلقة بالصناعات الدفاعية، لكن أن تستثمر المؤسسة العسكرية في قطاع الإنتاج وتزيح القطاع الخاص فهذا أمر غير مقبول، واقترح تحويل الشركات التابعة للجيش إلى شركات مساهمة عامة يسهم فيها السودانيون.

وعام 2017 أقر البرلمان إبان حقبة الرئيس المعزول عمر البشير قانوناً قضى بتحويل اسم هيئة التصنيع الحربي إلى منظومة الصناعات الدفاعية.

ومنح القانون المنظومة استقلالية مالية وإدارية عن وزارة الدفاع لتكون تابعة لرئيس الجمهورية، كما مُنحت حق الاستثمار بأموالها دون الخضوع لسلطات ديوان المراجعة القومي وقوانين الشراء والتعاقد والإجراءات المالية والمحاسبة.

مصالح أميركية

 

ويرى الدكتور راشد محمد علي الشيخ، المتخصص في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية والتخطيط الإستراتيجي، أن حمدوك يعتقد أن القانون الأميركي يوحد المسار للتعامل مع الدولة بوصفها نظاما سياسيا لديه نظام اقتصادي مرن، وما لم يحدث ذلك فلن تستطيع واشنطن التعامل معه.

ويضيف الشيخ -للجزيرة نت- أن القانون جاء بناء على تحليل الإدارة الأميركية للنظام السابق الذي فرض واقعا يصعب التعامل معه، وهي تريد الآن أن يكون الاقتصاد الكلي في يد الدولة.

راشد محمد علي الشيخ أستاذ العلاقات الدولية (الجزيرة نت)

ويوضح أن الفكرة الأساسية من القانون هي أن أميركا "ترى أن السودان ليس لديه نظام لإدارة الدولة، وتتداخل السلطات فيه بين مؤسسات عسكرية وغيرها".

ويقول إن القانون عبارة عن فرضية تجبر المتعاملين السودانيين على تبني نظام مستقر يمنع التغول على صلاحيات الدولة من السياسيين والعسكر وأي مجموعات أخرى، ويضمن حماية الدولة تدخل العسكر عبر قواعد شكل مستقبلي ديمقراطي.

ويشير الشيخ إلى أن تباين نظرة السياسيين للقانون مردها خلفيات الصراع السياسي، في حين أن الولايات المتحدة تعمل في سبيل مصالحها القائمة على عدم ترك السودان بتأثيره الجيوسياسي من دون منهج ومنظومة سياسية مستقرة.

اعتبارات أمنية

 

في المقابل يرى الخبير الأمني والإستراتيجي الفريق حنفي عبد الله أن القانون "كان متوقعا مع صعود الديمقراطيين في أميركا فهم مهتمون بالتحول الديمقراطي واستعادة التأثير السياسي لواشنطن".

ويعدّ حنفي -في حديث مع الجزيرة نت- القانون تدخلا في السيادة الوطنية، لأن الشركات التابعة للجيش وغيرها من القوات النظامية موجودة وفق القانون، وهو واقع موجود في مصر والصين وأوروبا وحتى في أميركا نفسها.

ويؤكد أن بعض هذه الشركات أنشئت لأسباب أمنية، مثل شركة بتروميد لخدمات النفط التابعة لجهاز الأمن حيث كانت تشرف على أخذ العينات وتوظيف العاملين.

الخبير  الأمني الفريق حنفي عبد الله (الجزيرة نت)

ويطمئن أنه لا توجد نوايا لدى العسكريين للتغول على السلطة، لأن الواقع الحالي يجعل من الصعب على أي جهة أن تفكر في انقلاب، موضحا أن الحديث عن سيطرة الجيش على الاقتصاد القصد منه خلق "فزاعة" تباعد الشقة بين مكونات المرحلة الانتقالية.

ويقرّ بوجود مخاوف من استغلال الشركات العسكرية في غير مظانها، مع أن رئيس مجلس السيادة طلب من الحكومة إدخال تلك الشركات تحت مظلة الضرائب والمراجعة لتخضع لقوانين الدولة.

مظان التفكيك

 

وثمة مخاوف لدى وزير الخارجية الأسبق الدرديري محمد أحمد، عبّر عنها في مقال بقوله إن قانون الانتقال الديمقراطي والمساءلة والشفافية المالية بمنزلة تقييد جديد للسودان بعد إزالة اسمه من قائمة الإرهاب، حيث أخذت أميركا بالشمال ما أعطته باليمين.

ويتابع "بموجب هذا القانون لن ترفع العقوبات الأميركية من الناحية الفعلية إلا بعد تصفية موارد المؤسسة العسكرية، ومنعها من الاستثمار، وإقصائها تمامًا عن المشهد السياسي في مرحلة الانتقال هذه على ما فيها من مخاطر".

وزير الخارجية الأسبق الدرديري محمد أحمد رأى أن قانون الانتقال الديمقراطي والمساءلة والشفافية المالية بمنزلة تقييد جديد للسودان بعد إزالة اسمه من قائمة الإرهاب

بيد أن ضابطا رفيعا متقاعدا أبلغ الجزيرة نت أن القانون الأميركي يعبّر عن مخاوف عدة لواشنطن، من بينها الارتباطات الوثيقة بين الجيش السوداني وروسيا، وهو ما وضح جليًا في مشروع قاعدة بحرية تعتزم روسيا تشييدها في بورتسودان على ساحل البحر الأحمر.

ويشير أيضًا إلى ارتباطات لشركات تابعة للجيش وقوات الدعم السريع تعمل في مجال التعدين مع شركات روسية تنشط في مناطق حساسة يعتقد أنها غنية باحتياطات كبيرة من اليورانيوم، مثل حفرة النحاس في المثلث الحدودي بين السودان وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان.

ضابط رفيع متقاعد رأى أن القانون الأميركي يعبّر عن مخاوف عدة لواشنطن من بينها الارتباطات الوثيقة بين الجيش السوداني وروسيا

وينص مشروع القانون على أن جهود الولايات المتحدة لإعادة هيكلة وإلغاء ديون السودان بعد رفع اسمه من قائمة الإرهاب لا بد من أن تسبقها إفادة من الرئيس الأميركي تتضمن قيام السودان بالخطوات المطلوبة تجاه الشفافية المالية للمؤسسات الاقتصادية العسكرية.

كما نص على "إنهاء أي تدخل للأجهزة العسكرية والأمنية في قطاع التنقيب والموارد المعدنية، بما في ذلك البترول والذهب".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بدأت ملامح مرحلة جديدة تلوح في الأفق، بعد وعد إدارة ترامب بإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكن هل ستبدأ إدارة بايدن من حيث انتهت الإدارة السابقة أم أن للديمقراطيين رؤية أخرى؟

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة