ادعاءات المحقق العدلي تثير توترا سياسيا وطائفيا.. هل أصبح تحقيق العدالة لضحايا انفجار بيروت مستبعدا؟

المنازل المتضررة من حادث انفجار مرفأ بيروت (الجزيرة)

بعد مضي أكثر من 4 أشهر على انفجار مرفأ بيروت، بدأ التحقيق المحلي يسلك مسارا معقدا. ويبدو أن ادعاء المحقق العدلي في القضية فادي صوان، على كل من رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ووزير المالية السابق علي حسن خليل ووزيري الأشغال العامة والنقل السابقين غازي زعيتر ويوسف فنيانوس، أخذت تداعياته أوجها مختلفة إثر خلاف القوى السياسية على آلية المحاسبة وارتفاع أصوات تتهم القضاء بـ"الاستنسابية".

وبعد أن جرى بموجب التحقيقات توقيف أكثر من 25 شخصا من المسؤولين عن إدارة المرفأ وأمنه، وضع صوان ادعاءه الأخير في إطار اتهام المسؤولين بـ"الإهمال والتقصير والتسبب في وفاة مئات الأشخاص"، وينتظر جلسات استجوابهم الأسبوع المقبل حول تلقيهم عدة مراسلات خطية تحذرهم من المماطلة في إبقاء نترات الأمونيوم في حرم مرفأ بيروت، دون قيامهم بالإجراءات الواجبة لتلافي الانفجار.

وتسبب الانفجار الذي دمر بيروت، في مقتل أكثر من مئتي شخص وإصابة نحو 6500 آخرين إثر اشتعال نحو 2750 طنا من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار، وفق تقديرات رسمية.

وما زالت ردود الأفعال على ادعاءات صوان تتوالى بتصريحات ومواقف تؤجج التوترات في البلاد، وقد ذهب مراقبون لاعتبار أن قرار المدعي العام الاتهامي كان كفيلا بكشف أزمة النظام السياسي والطائفي في لبنان، مما قد يعيق مسار أي تحقيق لإقرار العدالة.

خلاف دستوري وتوتر طائفي

بقي حسان دياب على مدى 8 أشهر بدءا من توليه رئاسة الحكومة مطلع العام 2020 حتى إعلان استقالتها يوم 10 أغسطس/آب الماضي إثر انفجار المرفأ يوم 4 أغسطس/آب السابق، في ما يشبه حالة خصومة مع نادي رؤساء حكومات سابقين (سعد الحريري وفؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي)، وقد استمرت هذه الخصومة طوال فترة تصريفه أعمال حكومته المستقيلة، إلى أن جاء ادعاء المحقق العدلي، فتضامن معه الرؤساء السابقون من منطلق الدفاع عن مقام رئاسة الوزراء الذي يمثل الطائفة السنية.

وقد توسعت رقعة التضامن لتشمل المجلس الإسلامي الشرعي، الذي أصدر السبت بيانا اعتبر فيه أن المس بمقام رئاسة الحكومة يطال كل اللبنانيين لا طائفة فحسب، و"مؤشر خطير يرمي إلى غايات ونوايا سياسية معروفة الأهداف للنيل من الرئاسة الثالثة".

وفي السياق، يشير محمد الحجار نائب في كتلة المستقبل البرلمانية التي يرأسها سعد الحريري، إلى أن القاضي صوان سبق أن وجه رسالة إلى مجلس النواب يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، تتضمن شبهات بشأن رؤساء حكومات ووزراء تعاقبوا على تولي حقائب المال والأشغال والعدل بين عامي 2013 و2020، وعددهم جميعا 16 شخصا بينهم 4 رؤساء حكومة، إلا أن المحقق بادر بعد ذلك إلى مناقضة نفسه وتخلّى عن الرسالة التي أرسلها لمجلس النواب.

ويضع الحجار -في تصريح للجزيرة نت- موقف الحريري والرؤساء السابقين للحكومة في إطار رفض تجاوز اتفاق الطائف (1989) والدستور، الذي أعطى مجلس النواب حق الاتهام والادعاء بغالبية الثلثين على الوزراء أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في حالتين فقط: الخيانة العظمة أو الإخلال بالواجبات.

ويرى النائب أن "ثمّة استنسابية كبيرة بالادعاءات في ملف الانفجار"، ويتساءل عن سبب امتناع قاضي التحقيق عن طلب الاستماع لشهادة رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي كان قد تبلغ بإحدى المراسلات في شأن نيترات الأمونيوم، ووصف أداء صوان بـ"الضعيف" الذي يستسهل الإطاحة بموقع الرئاسة الثالثة، مرجحا أن تؤثر الادعاءات سلبا على مسار تشكيل الحكومة.

وتأتي ادعاءات قاضي التحقيق في وقت تتقاذف فيه الأقطاب السياسية في لبنان الاتهامات بملفات فساد مختلفة، وهنا يعتبر الحجار أن "القضاء يتعامل باستنسابية أيضا، ويتهم بعض القضاة بالرضوخ لتصرف رئاسة الجمهورية وجبران باسيل".

في المقابل، يعود المحامي والخبير الدستوري بول مرقص لاجتهاد خاص بمحكمة التمييز يتعلق بمحاكمة الوزراء في القضايا التي تخرج عن الإخلال بالواجبات فتحال إلى القضاء الجزائي، ويلفت في تصريح للجزيرة نت إلى أن الادعاء الحالي للمحقق العدلي متعلق بجرائم جزائية، ولا يتطلب ذلك الإحالة إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

أما رئيس الجمهورية فلا يمكن للمحقق العدلي أن يوجه له اتهاما، حسب مرقص، لأن ذلك من صلاحية المجلس النيابي فقط عملا بالمادة 60 من الدستور التي تحصر صلاحية محاكمة رئيس الجمهورية أمام المجلس الأعلى إذا ارتكب جريمة الخيانة العظمى أو جريمة عادية.

ويصف مرقص تركيبة المجلس الأعلى للرؤساء والوزراء بالهجينة نظرا لكونها تجمع السلطتين التشريعية والقضائية معا، و"تتطلب إحالة الاتهام إليه من مجلس النواب بأكثرية الثلثين في المجلس، وهذا أمر يصعب تحقيقه، وبالتالي يكون الاتهام في مضمونه سياسيا وليس قضائيا".

كما أن المجلس النيابي يقوم بنفسه بتعيين أعضاء المجلس الأعلى، على أن تتألف هيأته الناظمة من 7 نواب و8 قضاة يعينهم المجلس الأعلى للقضاء بطلب من مجلس النواب، وهو ما جعل من أدائه حبرا على ورق.

ردّ رئاسة الجمهورية

وبعد اتهامات بعض القوى للرئيس عون بالتدخل في التحقيقات، أصدرت رئاسة الجمهورية بيانا أمس السبت أوضحت فيه أن المرة الأولى التي اطلع فيها عون على وجود كميات من النيترات كانت من خلال تقرير للمديرية العامة لأمن الدولة وصله يوم 21 يوليو/تموز الماضي.

وأكد بيان الرئاسة أن عون لم يتدخل في تحقيقات صوان، بل دعا أكثر من مرة إلى الإسراع في إنجازها.

ولهذا يعتبر المحامي وديع عقل، عضو المكتب السياسي في التيار الوطني الحرّ، أن ثمة قوى تأزّم مسار التحقيقات عبر الاتكاء على مواقع دستورية وطائفية، معتبرا -في تصريح للجزيرة نت- أن التجييش الطائفي يشكل إساءة لضحايا انفجار بيروت.

واستغرب المحامي اكتفاء المحقق العدلي بالادعاء على دياب مقابل استثناء بقية رؤساء الحكومات، مؤكدا أن تياره السياسي، الذي يؤيد توسيع التحقيقات لتطال التحقيقات رؤوسا كبيرة، لا يملك أي علاقة أو تأثير على المحقق العدلي.

ويعتبر عقل أن رئيس الجمهورية ليس له صلاحية تنفيذية في ملف المرفأ، بينما كل المجموعة التي تملك صلاحيات تنفيذية وكانت على علم بوجود النيترات هي المدعي العام للتمييز غسان عويدات، ورؤساء الحكومات وبعض الوزراء والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمود الأسمر، وفق عقل.

موقف حزب الله

وكان لافتا موقف حزب الله الذي رفض ما وصفه بـ"غياب المعايير الموحدة" في ادعاءات صوان، مما أدى -وفق قوله- إلى استهداف سياسي طال أشخاصا وتجاهل آخرين من دون ميزان حق.

ويعتبر المحلل السياسي وسيم بزي في تصريح للجزيرة نت، أن "الاستنساب في الادعاء أثار ريبة حزب الله بشأن طريقة اختيار المدّعى عليهم، في حين يتقاعس القاضي عن التحقيق بما يكشف هوية الذين أحضروا أطنان نيترات الأمونيوم وخبّؤوها في المرفأ طوال 7 سنوات إلى أن انفجرت".

ويعتبر المحلل السياسي أن قرار قاضي التحقيق جاء في لحظة سياسية شديدة التوتر، تترافق مع انقسام في البلد وضغط أميركي، و"بالتالي لا يمكن النظر بحسن نية إلى جزئية قرارات أخلت في التوازن المطلوب في مسار التحقيقات".

ولفت بزي إلى أن حزب الله يتعاطى مع ملف انفجار المرفأ بحساسية عاليا خوفا من استهدافه، و"هو ما دفع لبدء رفع دعاوى قضائية بحق كل من يتهمه زورا في هذا الملف".

ويتهم بزي صوان بالتفتيش عن خواصر رخوة في التحقيق مقابل الهروب المتعمد من التعرض لبعض قادة الأجهزة الأمنية، كما يخشى تداخلات خارجية وأجنبية بالتحقيق لتضليل الرأي العام منعا لاتهام إسرائيل بجريمة المرفأ.

في المقابل، عادت الدعوات لاستبدال تحقيق دولي بالتحقيق المحلي، وهو ما طالب به رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، كما طالب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بلجنة تقصي حقائق دوليّة.

ويرجح وسيم بزي أن المطلوب بالنسبة لحزب الله في التحقيق ثلاث نقاط: توضيح الالتباس الحاصل بقرار القاضي بخطوة تعيد وضع التحقيقات في سياق أكثر إقناعا وأقل تسييسا، أو بالتراجع عن ادعاءاته، أو بالذهاب لخيار آخر هو التنحي عن التحقيق.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الفنانة فاطة ضيا

أطلقت التشكيلية اللبنانية فاطمة ضيا العنان لريشتها وألوانها وترجمت مشاعرها لتبدع في تجسيد انفجار بيروت بلوحة تحمل عنوان “الملائكة الصاعدة”، وضعتها في مزاد إلكتروني بهدف دعم ضحايا الانفجار.

Published On 8/10/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة