باب واشنطن الدوار.. اختبار أخلاقي عسير أمام ترشيحات بايدن

بايدن أثناء تقديمه مرشحه لمنصب وزير الدفاع الجنرال المتقاعد لويد أوستن (الفرنسية)
بايدن أثناء تقديمه مرشحه لمنصب وزير الدفاع الجنرال المتقاعد لويد أوستن (الفرنسية)

بترشيحه وزراء عدة عملوا في شركات استشارية ومالية بواشنطن، تثير اختيارات الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن لكبار المسؤولين في إدارته الجديدة جدلا أخلاقيا كبيرا.

ودُقت أجراس الإنذار على الفور بين بعض أعضاء الكونغرس الديمقراطيين المحسوبين على التيار اليساري عندما بدأ بايدن إعلان أسماء المرشحين للمناصب الوزارية في إدارته الجديدة، وحذر عدد من أعضاء مجلس النواب من تضارب المصالح بين عمل المرشحين السابق ومناصبهم الحكومية بإدارة بايدن.

ولمرشحي أهم المناصب الوزارية كوزارتي الخارجية والدفاع علاقات واسعة وعميقة بشركات القطاع الخاص وشركات الاستشارات التي تنصح كبريات الشركات الأميركية في كيفية التعامل مع الجهات الحكومية.

ويضاف لذلك عدد من المرشحين الآخرين الذين لا يزالون يعملون حتى الآن في القطاع الخاص مع عدد من كبريات الشركات الأميركية مثل "أمازون" (Amazon)، و"غوغل" (Google)، وغيرهما.

باب واشنطن الدوار

تسمح طبيعة النظام السياسي الأميركي، وما تعارفت عليه قواعد العمل في العاصمة واشنطن، بظاهرة يطلق عليها اختصارا "الباب الدوار"، حيث يتاح للمسؤولين السابقين فرص العمل خلال الفترات التي تعقب مغادرة مناصبهم الحكومية انتظارا لعودة إدارة من حزبهم السياسي ذاته للحكم والعودة لمناصب حكومية أرفع وأكثر أهمية، ويتكرر هذا الموقف مع استبدال الإدارات بالبيت الأبيض بين الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين.

وتقليديا، مثلت الجامعات ومراكز الأبحاث ملجأ مناسبا للمسؤولين السابقين، إلا أن ضعف المقابل المادي دفع بهؤلاء المسؤولين لتأسيس شركات استشارية وتقديم خدمات بمقابل لعملاء محليين أو أجانب.

كذلك ضمت كبريات الشركات الأميركية مثل فيسبوك وبوينغ وجنرال إليكتريك وغيرها العديد من المسؤولين السابقين للعمل بها مباشرة.

ويتجنب المسؤولون السابقون ممن يسعون للعودة للعمل الحكومي العمل في شركات الضغط واللوبيات بسبب وجود بعض القيود التي تمنع عملهم لعدة سنوات في الحكومة لو انضموا لشركة لوبي.

وعلى الرغم من أن هذه الشركات الاستشارية غير مطالبة بالتسجيل رسميا كشركة ضغط، فإن طبيعة عملها من وراء الكواليس تشبه ممارسات الضغط التي تقوم بها شركات اللوبيات.

وترى ماندي سميثبرغر، الباحثة بمشروع الرقابة الحكومية، وهي مؤسسة غير ربحية، كما جاء في تقرير صحفي أن "حقيقة أن المستشارين في هذه الشركات الاستشارية ليسوا مطالبين بالتسجيل كجماعات ضغط هي واحدة من أكبر الثغرات في قوانين الأخلاق".

من هنا، وعندما يعود هؤلاء المسؤولون إلى المناصب الحكومية، فإن ذلك يفتح المجال لأسئلة مشروعة عن علاقاتهم السابقة، ويقول خبراء الأخلاقيات إن هذه الأسئلة لا تزول لمجرد أن المسؤولين قطعوا علاقاتهم بشركاتهم وعملائهم، كما يقول فريق بايدن الانتقالي إن مرشحيه سيفعلون ذلك.

شركتان رئيسيتان

برزت شركتان ضمن المرحلة الانتقالية التي تمر بها إدارة الرئيس المنتخب بايدن حيث جاء الكثير من اختيارات الوزراء وكبار المسؤولين منهما، الأولى هي شركة "باين آيلاند كابيتال بارتنرز" (Pine Island Capital Partners)، حيث عمل اثنان من أهم المرشحين لمناصب وزارية في إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن جنبا إلى جنب.

فقد عمل الجنرال المتقاعد لويد أوستن، الذي اختاره بايدن لمنصب وزير الدفاع، وأنتوني بلينكن، الذي اختاره لقيادة وزارة الخارجية، كمديرين في شركة "باين آيلاند كابيتال بارتنرز"، وخلال عملهما، قدم المرشحان نصائح للشركة ولعملائها الأميركيين والأجانب.

كما انضم أوستن في 2016 إلى مجلس إدارة شركة "رايثيون" (Raytheon)‏، وهي ثالث أكبر شركة تصنيع عسكري، ولا يسبقها في التعاون مع وزارة الدفاع (البنتاغون) إلا شركتا "لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin)، و"بوينغ" (Boeing). وانضم أوستن لعدة مجالس إدارات شركات أخرى في مجال الرعاية الصحية والخدمات المالية.

والشركة الثانية هي شركة "ويست أيكزيك أدفايزر" (WestExec) للاستشارات الجيو-إستراتيجية التي أسسها المرشح لمنصب وزير الخارجية أنتوني بلينكن، وعملت معه فيها أفريل هاينز، المرشحة لمنصب مدير الاستخبارات الوطنية، والمرشحة لمنصب المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي.

وقد قلل فريق بايدن من أهمية بعض علاقات مستشاريه مع شركة ويست أيكزيك أدفايزر.

وفي حين أن موقع الشركة أدرجت هاينز وبساكي كمديرين في الشركة، قال مسؤول انتقالي من إدارة بايدن إنهما أمضيا وقتا محدودا نسبياً في العمل مع الشركة، حيث عملت هاينز كمستشارة وبساكي كمتعاقدة من الخارج.

العقود الحكومية المربحة

تمثل روابط فريق بايدن بهذه الكيانات اختبارا في حجم الشفافية والنزاهة، حيث استفاد المسؤولون السابقون من خبراتهم واتصالاتهم وعلاقاتهم لخدمة مصالح هذه الشركات، ويحدث ذلك دون الكشف في بعض الحالات عن تفاصيل عملهم، أو هوية عملائهم أو ما يتقاضونه من أجر.

ويشير موقع شركة ويست أيكزيك أدفايزر إلى أنها تهدف لسد الفجوة بين شركات التكنولوجيا والوكالات الحكومية، بما في ذلك وزارة الدفاع، وترفض الشركة تقديم قائمة بعملائها للصحف الأميركية، وتدعي أن ذلك يخالف طبيعة التعاقدات السرية التي جمعتها بهؤلاء العملاء.

وتعتمد صناعة الدفاع على الحكومة الفدرالية في الكثير من تمويلها، ومن ناحية يعد البنتاغون أكبر عميل لدى كل شركات السلاح الأميركية. ومن ناحية أخرى، يجب على شركات صناعة السلاح الأميركية الحصول على موافقة الحكومة لبيع أسلحتها للدول الأجنبية.

وجدير بالذكر أن الجنرال المتقاعد أوستن قد شغل منصب قائد القيادة المركزية الأميركية لـ3 سنوات قبل أن يتقاعد في 2016.

ومن هناك، انضم إلى مجالس إدارة العديد من الشركات القوية، بما في ذلك شركة "يونايتد تكنولوجيز" (United Technologies Corporation/ UTC)، وكانت تعد أحد أكبر شركات تصنيع السلاح، إلى أن استحوذت عليها شركة رايثيون العملاقة، وأبقت الأخيرة على أوستن ضمن مجلس إدارتها، وحصل على عدة ملايين من الدولارات خلال السنوات الأربع الأخيرة.

ما العمل؟

لقد تتبع بلينكن وأوستن درب كبار مسؤولي الإدارات الأميركية المتعاقبة خلال العقود الأخيرة، والتي أخذتهم إلى شركت الاستشارات الإستراتيجية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، هنري كيسنجر، وبرنت سكوكروفت، ومادلين أولبرايت، وساندي بيرغر، وكوندوليزا رايس، وستيفن هادلي، وروبرت غيتس.

ويعتقد ستيفن بيرلشتين، المحرر بصحيفة واشنطن بوست (Washington Post)، أنه لا يمكن أن يتم استبعاد المهارات البشرية المؤهلة التي تعمل بالقطاع الخاص من الخدمة في الحكومة الأميركية.

وأشار بيرلشتين في مقال له بالصحيفة إلى أن استبعاد المهارات البشرية المؤهلة في الشركات الخاصة الكبرى مثل فيسبوك (Facebook‎) أو مورغان ستانلي (Morgan Stanley) من تولي مناصب حكومية رفيعة، لا يعد عملا حكيما.

وكتب "هل نريد حقا عدم تعيين مسؤول في وزارة الخزانة ليس لديه أي خبرة في مجال التمويل، أو أي شخص في مجال الطاقة لم يعمل في شركة بترول ولا يعرف معنى حفر الآبار"؟!

ويثير عمل المسؤولين في السابق تساؤلات حول نوع وطبيعة الخدمات التي قدموها، وكيف يمكن لهم الفصل التام بين عملهم السابق وبين مناصبهم الحكومية المرموقة واحتمال وجود تضارب للمصالح.

وبعد 4 سنوات من الاتهامات بتضارب المصالح التي وجهت إلى دونالد ترامب، تواجه اختيارات جو بايدن الوزارية اختبارا عسيرا أمام نظام سياسي لا يستطيع التغلب على ما به من ثغرات أخلاقية إلا أنها قانونية في الوقت ذاته.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تلقى ترامب دعما جمهوريا كبيرا في مسعاه لإبطال نتائج الانتخابات. وبينما واصل بايدن تعيين أعضاء حكومته المرتقبة، يستعد الحزبان الجمهوري والديمقراطي لمعركة بولاية جورجيا لحسم الأغلبية بمجلس الشيوخ.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة