لوفيغارو: عمليات الاغتيال المركزة.. السلاح الآخر للحروب الهجينة

الطائرات المسيرة أحد الأسلحة الأشد فتكا في عمليات الاغتيال المركزة (الأناضول)
الطائرات المسيرة أحد الأسلحة الأشد فتكا في عمليات الاغتيال المركزة (الأناضول)

من سيرغي سكريبال إلى كيم جونغ نام مرورا بجمال خاشقجي وقاسم سليماني وانتهاء بمحسن فخري زاده، هذه قائمة ليست شاملة لآخر ضحايا عمليات الاغتيال المركزة، فربما تكون هناك أسماء أخرى غير معروفة؛ لكنها توضح اللجوء غير المقيد لهذا الأسلوب من الاستهداف في الصراعات الهجينة، التي تقودها دول ديمقراطية أو استبدادية للدفاع عن مصالحها خارج أوقات الحرب.

وإذا لم تكن هذه الممارسة جديدة في التاريخ العسكري، فإن "استخدام الاغتيال أداة سياسية من المحتمل أن ينتشر على نطاق واسع في السنوات القادمة"، كما حذر الباحثان إيفان ليدو فيرير ودامين فاد بويفلد من معهد البحوث الإستراتيجية بالمدرسة الحربية، في مذكرة نشرت في مايو/أيار الماضي.

بهذه الكلمات، افتتحت صحيفة "لوفيغارو" (Le Figaro) الفرنسية تقريرا لها ميز في بدايته بين عمليات الاغتيال وحالات التحييد الفردي عن طريق التدخل العسكري، مثل قتل الجيش الفرنسي لعبد المالك دروكدال، زعيم تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي؛ لأن هذه الاغتيالات وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء غير قانونية وتنتهك سيادة الدول، وتحدث خارج إطار الصراع المسلح، وإن تثبت أنها مربحة من الناحية التكتيكية أحيانا.

شرعية الاغتيالات

وأشار التقرير إلى أن قتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني بنيران طائرة مسيرة أميركية في يناير/كانون الثاني الماضي أثار نقاشا قانونيا ساخنا، خاصة أن سلطات مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة زادت -منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001- من عدد عمليات اغتيال أعدائها عن بعد باستخدام هذا النوع من الطائرات، حيث استندت إدارتا الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما إلى علة وجود تهديدات وشيكة للمصالح الأميركية لإطلاق هذا النوع من العمليات.

ورأت أنييس كالامار، مقررة الأمم المتحدة المعنية بعمليات القتل خارج نطاق القانون، أن سليماني وإن "كان مسؤولا عن إستراتيجية إيران العسكرية وأعمالها في سوريا والعراق؛ لكنه لم يكن يشكل تهديدا أو خطرا وشيكا، وبالتالي فإن العملية التي نفذتها الولايات المتحدة غير قانونية"، ومع ذلك بدا رد إيران المحسوب جدا كأنه يعطي الحق لإدارة الرئيس دونالد ترامب فيما أقدمت عليه.

وتعتبر شرعية عمليات الاغتيال المركزة بالنسبة للدول الديمقراطية أمرا سياسيا حساسا للغاية؛ لذلك تبقى معظم الأحيان سرية وغير معترف بها ويمنع الخوض فيها، إلا أنها قد تكون ضرورية أحيانا للدفاع عن المصالح الحيوية للدولة، كما يؤكد التقرير.

ومع أن عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده لم يتم تبنيها من أي طرف؛ إلا أن الحكومة الإسرائيلية بالكاد تتوارى عنها، إذ ترى أنها ستؤدي لإبطاء برنامج إيران النووي.

ونبه التقرير إلى أن عمليات الاغتيال المركزة كانت منذ عقود جزءا من عقيدة الدفاع الإسرائيلية ضد من تسميهم بـ"الجماعات الإرهابية"، وظهر ذلك عام 2010 بعد اغتيال الفلسطيني محمود المبحوح في دبي، وهي العملية التي تداولت وسائل الإعلام تفاصيلها الدقيقة، كما أعطت المحكمة الإسرائيلية العليا عام 2006 الأساس القانوني لعمليات القتل المركزة "الاستباقية".

ويؤكد تقرير لوفيغارو أن هذا النوع من العمليات ليس حكرا فقط على الدول الديمقراطية؛ بل إن الدول الاستبدادية تلجأ إليه هي الأخرى.

خطورة الفعل

ويرى الباحث إيفان ليدو فيرير أن "كل أنواع العواقب ممكنة بعد عمليات الاغتيال المركزة؛ لكنها تظل متواضعة مقارنة بخطورة الفعل نفسه"، إذ يمكن للدول المعنية بسهولة إنكار مسؤولياتها رغم أنها قد تكون واضحة، وإضفاء ضبابية مريحة على أفعالها.

ويشير التقرير إلى أن هذه الاغتيالات تثير نقاشا محتدما واحتجاجات دولية وربما سلسلة من العقوبات؛ لكن إلى أي حد قد يصل هذا الأمر؟ فاغتيال الصحفي جمال خاشقجي لم تتبعه أعمال انتقامية واسعة النطاق ضد الرياض، لكنه استطاع على الأرجح إحباط معارضي النظام السعودي.

الشيء نفسه يمكن قوله عن العقوبات التي أعقبت محاولة اغتيال العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا بسلاح كيميائي، حيث لم تؤثر إلا على مجموعة محدودة من الأفراد داخل روسيا، وبالتالي فقد كان الأمر بالنسبة لموسكو يستحق فعلا المحاولة، واستطاعت من خلاله إرسال رسالة مفادها أن "لا أحد في مأمن".

الأمر ذاته ينطبق -بحسب الصحيفة- على محاولة تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني، علما أن استخدام الأسلحة الكيميائية -كما حدث ضد كيم جونغ نام الأخ غير الشقيق للدكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ أون- يؤكد احتمال الإفلات من العقاب، وهي رسالة ذات قيمة سياسية كبيرة.

المصدر : لوفيغارو

حول هذه القصة

أقيمت في طهران اليوم جنازة رسمية للعالم النووي الإيراني محسن فخري زاده بحضور عدد محدود من كبار القادة العسكريين والسياسيين، في حين تواصل وسائل إعلام إيرانية نشر تفاصيل عن عملية اغتياله.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة