حدّاس وسلاسي وإمعان الهروب.. قصص أصحاب الهجرة الثانية من إثيوبيا للسودان

طوابير الطعام 2
منذ 7 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري بدأ تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين للسودان هربا من الحرب في تيغراي (الجزيرة)

"لماذا تركنا السودان وعدنا إلى إثيوبيا يا أمي؟"، هكذا باغتت ميرات أمها حدّاس وهي تعاتبها على قرار العودة إلى إقليم تيغراي قبل 20 سنة، حيث يضم معسكر أم راكوبة أجيالا اختبرت اللجوء للسودان أكثر من مرة.

ومن المفارقات أن المخيم الواقع في عمق ولاية القضارف، نحو 411 كيلومترا جنوب شرق العاصمة الخرطوم، ضم مسنين خبروا طريق اللجوء إلى شرق السودان بلجوئهم إليه عامي 1975 هربا من المجاعة و1986 فرارا من الحرب.

الجزيرة نت زارت مخيم أم راكوبة واستمعت لقصص أصحاب الهجرة الثانية وربما الثالثة إلى السودان -كحداس (78 سنة)- الذين يواجهون أسئلة الأبناء والأحفاد: لماذا يعودون ليهربوا مجددا من الموت؟

وحداس التي تفرغت لخدمة الكنيسة كانت تحدث الجزيرة نت بصوت متهدج والدموع تملأ مقلتيها الغائرتين عن قصة هروبها من بلدة عبد الرافع الإثيوبية ليلا وسيرها على أقدام متعبة ليوم كامل وصولا إلى حدود السودان عن طريق معبر الأسرّة.

ومنذ السابع من نوفمبر/تشرين الثاني بدأ تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين إلى ولاية القضارف السودانية هربا من حرب يشنها الجيش الفدرالي بإثيوبيا على حكام إقليم تيغراي.

حداس2معسكر أم راكوبة يضم أجيالا من الإثيوبيين اختبرت اللجوء أكثر من مرة وحدّاس واحدة من هؤلاء (الجزيرة)

صراع أجيال

وتقول حداس التي تتحدث العربية بلكنة مفهومة، إنها وقومها التيغراي ليس لهم ملاذ سوى السودان لأنها سبق وأن فرت إليه في ثمانينيات القرن الماضي هربا من الحرب في عهد الرئيس الإثيوبي الأسبق منغستو هيلا مريام.

وتشير إلى ابنتها ميرات ذات الأربعين ربيعا، قائلة إنها ولدتها في معسكر أم راكوبة وعادت بها إلى الوطن وعمرها 14 سنة في عام 2000، ولكنها الآن تعود إلى الملاذ ذاته جراء حرب أشعلها آبي أحمد، بحسب تعبيرها.

وتجيد ميرات اللغة العربية بشكل أكثر دقة من أمها حداس، وتقول إنها ولدت هنا ودرست مراحلها التعليمية الأولية بالسودان لذا يمكنها العيش فيه.

وتذكر للجزيرة نت أنها لن تجعل ابنتها لوام ذات الخمس سنوات و3 أبناء آخرين، يتجرعون تجربة العودة لإثيوبيا واللجوء مجددا، وتضيف "ماذا لدينا للعودة؟ لقد هربنا ليلا وشاهدنا أهالي بلدتنا مذبوحين. لا، لن نعود إلى هناك مرة أخرى".

وحينها كانت حداس تطرق بوجهها المجعد إلى الأرض وهي تداعب مسبحة كبيرة على جيدها فرفعت رأسها لتومئ به مؤيدة خيار ابنتها ميرات بالبقاء وعدم العودة.

هلكا واسرته1هلكا سلاسي كان قد لجأ إلى السودان مرتين الأولى عام 1976 هربا من المجاعة والثانية في 1986 بسبب الحرب (الجزيرة)

إدمان الهجرة

وعلى مقربة من مأوى حداس المشيد من القش وعيدان الأشجار الشوكية في معسكر أم راكوبة "ب"، كان ثمة مأوى مشابه ومجاور يضم قصة أخرى لأسرة ذاقت كأس الهجرة بحياتها للسودان 3 مرات.

كان هلكا جبرا سلاسي بقامة مديدة ولحية كثة غزاها الشيب يقف متكئا على عصا غليظة في مدخل العريشة الطويلة يمعن النظر تلقاء نهر سيتيت حيث وطنه على الضفة الشرقية للنهر.

والعصا لا تفارق سلاسي (80 عاما) وقوفا وجلوسا، وكأنه يذود بها عن أبنائه وأحفاده، بعد أن نجا بهم مما يصفه بالمحرقة، وعندما سألته الجزيرة نت عما شاهده على الضفة الأخرى للنهر هز رأسه متأوها وقائلا: "حرب كثير.. موت كثير".

ويقول جبرا سلاسي إنه لجأ إلى السودان وهو في ريعان شبابه في عام 1976 هربا من المجاعة وعاد إلى موطنه بعد بضع سنوات، لكنه فر مجددا من إثيوبيا بسبب الحرب عام 1986، ومكث حينها في هذا المعسكر 14 سنة ليعود مجددا إلى إقليم تيغراي في عام 2000.

طوابير الطعام 1لاجئون إثيوبيون يصطفون في طوابير للحصول على طعام (الجزيرة)

حلم العودة

ورغم المرارات التي تجرعها الرجل المسن، فإنه يعتزم العودة إلى بلدته عبد الرافع الإثيوبية، فهو بحسب قوله يملك أراضي زراعية ولا يمكنه التخلي عنها.

ويتابع "عدت الآن للمرة الثالثة إلى السودان بعد أن فقدت كل شيء، الأمهرا سرقوا جراري ومحراثي و40 شوالا من الذرة. لقد قتلوا 10 أشخاص من قريتي بلا سبب".

ويؤكد أن الحرب دمرت مدينة حُمرا حاضرة محافظة تيغراي الشرقية، لكن رغم ذلك فإنه وجزءا كبيرا من لاجئي تيغراي يفضلون العودة إذا استقر الوضع في بلدهم، لأن الأوضاع في معسكر أم راكوبة سيئة جراء نقص حصص الغذاء والتزاحم للحصول على حساء العدس الأحمر والعصيدة المصنوعة من الذرة.

ويشير إلى أن معسكر أم راكوبة عندما لجأ إليه في السبعينيات والثمانينيات كان مهيأ بشكل أفضل ويضج بالمنظمات، لكن وضعه الآن سيئ ويتكفل السودانيون في المنطقة بتزويدهم بالطعام.

وإلى جانب جبرا سلاسي كانت تجلس زوجته لتا جبريال (75 عاما) والتي بحسب قولها رافقت زوجها في هجرتين إلى السودان، في الأولى كانت تحمل أبناءها لكنها الآن تحمل أحفادها.

امان في حمدايت 2 (1)أمان حريص على عدم الرجوع لإثيوبيا ويأمل بالانتقال من حمدايت للعيش مع أسرته في مدينة القضارف (الجزيرة)

حنين للقضارف

وللشاب اللاجئ يس أمان محمد نور (46 عاما) قصة لا تقل ألما مع الهجرة المتكررة للسودان، فقد دخله محمولا على ظهر أمه في السبعينيات ليستقر بهم المقام في مدينة القضارف حيث نشأ وترعرع ليصبح أحد أمهر عمال مطاعم الشاورما.

وفي عام 2013 آثرت أسرته العودة إلى إقليم تيغراي بالتزامن مع النهضة الاقتصادية التي شهدها الإقليم وعاصمته ميكيلي وحتى يلتئم شمل عائلته مع أسرته الكبيرة.

والآن يهيم أمان وأمه المسنة وإخوته في مركز استقبال اللاجئين في حمدايت، ويأمل في حديثه للجزيرة نت أن يتمكنوا من الانتقال إلى حي الإشلاق في مدينة القضارف، حيث عاش طفولته وشبابه، وحينها يمكن للكثير من أصحاب المطاعم طلب خدماته، على حد قوله.

وأمان الذي يتحدث العربية بلهجة سودانية خالصة يبدو حريصا على عدم العودة مجددا إلى إثيوبيا حال دخوله مدينة القضارف لأنه -وبحسب قوله- يريد أن يعيش بأمان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تزايد عدد اللاجئين الإثيوبيين بالسودان، بعد توسع دائرة القتال إلى إقليم أمهرة، وقال والي ولاية القضارف السودانية إن العدد الكلي للاجئين الإثيوبيين في الولاية وصل إلى 15 ألفا و500 لاجئ.

المزيد من لاجئون
الأكثر قراءة