43 عاما على زيارة السادات لإسرائيل.. السلام الذي قتل صاحبه

السادات أثناء زيارته لإسرائيل وإلقائه خطابا أمام الكنيست في نوفمبر 1977 (مواقع التواصل)
السادات أثناء زيارته لإسرائيل وإلقائه خطابا أمام الكنيست في نوفمبر 1977 (مواقع التواصل)

في خطابه الشهير أمام مجلس الشعب المصري، أعلن الرئيس الراحل محمد أنور السادات أنه على استعداد للذهاب إلى إسرائيل كخطوة منه على طريق السلام. صفق الحضور وقتئذ بحرارة كرد فعل اعتيادي تجاه كل ما يقوله الرؤساء، لكن أحدا منهم لم يتخيل أن الرجل جاد في طرحه وأنه بعد أيام قليلة سيلقي خطابا مهما، ليس تحت قبة البرلمان المصري بل داخل الكنيست الإسرائيلي.

لم تستغرق ترتيبات الزيارة التي تمت في مثل هذه الأيام قبل 43 عاما، سوى 10 أيام فقط. ففي 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1977، كانت طائرة الرئيس المصري تهبط في مطار بن غوريون بتل أبيب، وفي اليوم التالي ألقى السادات خطابا داخل الكنيست بحضور غالبية القادة العسكريين الإسرائيليين الذين شهدوا الحروب الأربع التي وقعت بين بلدهم ومصر على مدى ربع قرن.

كانت تلك الزيارة بمثابة طرق للباب قبل الدخول في مفاوضات استغرقت عامين بين الجانبين المصري والإسرائيلي تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية، وتوّجت بتوقيع معاهدة السلام بين القاهرة وتل أبيب عام 1979.

ورغم ما اعتبره السادات نجاحا في مساعيه لإنهاء الحروب مع الكيان الصهيوني ووقف نزيف الدماء، فإنه واجه هجوما من أطراف عدة لم تتخيل يوما أن يضع رئيس أكبر دولة عربية يده في يد من كان يقاتلهم قبل أعوام قليلة، ذلك الهجوم الذي سيؤدي في النهاية -مع أسباب أخرى- إلى اغتيال رجل الحرب والسلام في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981.

قتل معنوي

"بكل صراحة، وبالروح التي حدت بي على القدوم إليكم اليوم، فإني أقول لكم إن عليكم التخلي نهائيا عن أحلام الغزو، وأن تتخلوا أيضا عن الاعتقاد بأن القوة هي خير وسيلة للتعامل مع العرب.. إن عليكم أن تستوعبوا جيدا دروس المواجهة بيننا وبينكم، فإن أرضنا لا تقبل المساومة وليست عرضة للجدل"، هكذا تحدث السادات أمام الكنيست، فكان يمد يده بالسلام إلى العدو التاريخي، لكنه في الوقت نفسه يتحدث بلهجة المنتصر.

واستطرد الرئيس الراحل في خطابه أمام الإسرائيليين بالتأكيد على حقوق الفلسطينيين ورفض سياسة الاستيطان، ورغبته الصادقة في أن تكون حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973 هي آخر الحروب في المنطقة العربية.

ورغم ما بدا من توازن في حديثه إذا ما قورن بما رآه العرب حديثا في موجة التطبيع الإماراتي البحريني السوداني مع إسرائيل، فإن عاصفة مصرية وعربية هبّت في وجه السادات، رافضة لأي نوع من السلام الذي يعترف بعدو يبني دولته على أرض مغتصبة.

وقد استغلت المعارضة المصرية هامش الحرية الذي شهدته الساحة السياسية مع تولي السادات الحكم، بعد سنوات من تكميم الأفواه خلال حقبة سلفه جمال عبد الناصر، لتهاجم السلام مع إسرائيل ومن دعا إليه.

وظل هجوم المعارضة مستمرا مع كل مراحل التفاوض وبعد توقيع معاهدة السلام، وهو ما دفع السادات لإعطاء أوامره باعتقال عدد كبير من المعارضين لسياساته على اختلاف انتماءاتهم، وهو ما عُرف بـ"اعتقالات سبتمبر/أيلول 1981″ التي اعتبرها كثير من الساسة والمراقبين المسمار الأخير في نعش الرئيس الراحل.

السادات وعن يساره الرئيس الأميركي جيمي كارتر ثم رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين (مواقع التواصل)

ورغم أن السبب المعلن آنذاك للاعتقالات كان تحريض المعارضة على الفتن الطائفية، فإن أكثر من مصدر مقرّب من السادات تحدث عن أن الرئيس الراحل كانت لديه تخوفات من أن تتخذ تل أبيب من المعارضين المصريين للسلام ذريعة للتنصل من تنفيذ تعهداتها بالانسحاب من سيناء.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتئذ مناحيم بيغين وجّه سؤالا للسادات خلال المفاوضات، يستفسر فيه عن الضامن لاستمرار مصر في الالتزام بالسلام بينما هناك معارضة شديدة له.

وبعد حملة الاعتقالات، وصف بيغن المعارضين المصريين بأنهم "أعداء للسلام، لأنهم ينشرون الكراهية لكل الأديان والأمم الأخرى"، واستطرد: "ولدينا ثقة في قرار الرئيس السادات المؤمن المخلص لدينه، ويسعدنا أنه استنتج أنهم يمثلون خطرا مباشرا على دين الإسلام والسلام والمؤسسات التي رسخها في مصر".

وتحدثت جيهان السادات -زوجة الرئيس الراحل- في أكثر من لقاء تلفزيوني عن نيته إطلاق سراح المعتقلين بعد نحو 7 أشهر، وتحديدا في 25 أبريل/نيسان 1982، وهو التاريخ الذي كان مقررا لانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء.

قطيعة عربية

أما على المستوى العربي، فكانت القطيعة هي الردّ الذي اتخذه العرب تجاه مساعي السادات للسلام، فتم تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية، كما نقل مقرها من القاهرة إلى تونس.

وكذلك امتد الغضب للاقتصاد، فتمت مقاطعة المنتجات المصرية وعُلّقت الرحلات الجوية وتوقفت المساعدات العربية التي كانت مقررة بعد حرب أكتوبر، وألغت المملكة السعودية والإمارات المتحدة وقطر شراكاتها مع مشروع الهيئة العربية للتصنيع.

السادات وعن يمينه نائبه آنذاك حسني مبارك يشاهدان العرض العسكري قبل لحظات من مقتل السادات (مواقع التواصل)

مقتل الرئيس

وفي عام 1981، جاءت الذكرى الثامنة لحرب أكتوبر وسط أجواء مشحونة بالاعتقال والترقب. وبينما كان السادات يجلس مزهوا بالعرض العسكري الذي يقام سنويا في ذكرى النصر، إذا بالرصاص يصوّب إليه من ضباط بالجيش، مستهدفين جسد الرجل الذي حارب فانتصر ثم سعى للسلام فقُتل.

بدا المشهد وكأنه من شريط سينمائي، فالرئيس يجلس بين قادة الدولة يشاهدون الطائرات الحربية والمركبات العسكرية، ثم تتوقف شاحنة مما يشارك في الموكب الاحتفالي، ليخرج منها ضابط برتبة ملازم يلقي 3 قنابل يدوية نحو المنصة التي يجلس حضور العرض العسكري فيها، ثم يتقدم 3 ضباط آخرين ويطلقون الرصاص على السادات الذي لم يتردد في التقدم ناحية قاتليه.

وفي تحقيقات النيابة بعد الاغتيال، قال المتهم الأول خالد الإسلامبولي عندما سُئل عن سبب قتله للسادات إن "القوانين التي يجري بها الحكم في البلاد لا تتفق مع تعاليم الإسلام وشرائعه، وبالتالي فإن المسلمين كانوا يعانون كافة صنوف المشقات، كما أن السادات أجرى صلحا مع اليهود، واعتقل علماء المسلمين وأهانهم".

وكانت وزارة الخارجية الأميركية كشفت -عام 2018- عن مئات البرقيات التي تعود لفترة السبعينيات، وتضمنت إحداها احتمالية اغتيال السادات على خلفية عقده سلاما مع إسرائيل.

وجاء في البرقية المؤرخة بتاريخ 27 أبريل/نيسان 1979 أن "التهديد باغتيال السادات عززته معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. قد يكون هذا مزعزعا للغاية، ولا سيما أنه لا يوجد خليفة راسخ للسادات. يمكن للاغتيال أن يستقطب البلاد بين الذين يتوحدون خلف خليفة مؤقت، والذين يسعون إلى الأمان بالعودة إلى الحضن العربي".

مؤامرة دولية

ورغم أن حادثة اغتيال السادات تبدو مدفوعة بمعارضة داخلية، فإن هناك آراء ذهبت إلى كون مقتله كان في إطار مؤامرة دولية تتعلق هي الأخرى بمعاهدة السلام مع إسرائيل.

وفي حوار صحفي أجرته كاميليا الابنة الصغرى للسادات، بعد ثورة 25 يناير، قالت إن قتلة الرئيس كانوا مجرد أداة للتنفيذ فقط، مشيرة إلى حديث لها مع أبيها أكد خلاله رغبة الأميركيين في الخلاص منه.

ونقلت كاميليا عن أبيها قوله "أنا بعد أن انتهيت من كامب ديفيد، وقلت لهم إننا أصبحنا في سلام، فلا سلاح لإسرائيل ولا لمصر، ومن وقتها أصبحت مشكلة للأميركان، لأنهم بالتأكيد سوف يعطونهم أحدث الأسلحة، ولو فعلوا ذلك سأخرج على الإعلام وأفضحهم، العالم كله سيبقى معي، وهكذا أصبحت ثقيلا على القرار الأميركي مثل الملك فيصل، ولا بد أن (يخلصوا مني)".

وذكرت الابنة الصغرى للسادات أن الضباط المكلفين بحراسة الرئيس تدربوا في أميركا، وأجمعوا في التحقيقات على أنهم كانوا يشاهدون الطيران أثناء العرض، وتساءلت "أليست هذه الإجابة غريبة؟ أليس عملهم حراسة الرئيس لا مشاهدة الطيران؟ حتى الشرطة لم تكن موجودة، ولم تفعل شيئا".

في الإطار نفسه، صرّحت جيهان السادات أن زوجها كان يعلم أنه سيتم اغتياله بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل.

وفي عام 2006، حُكم على طلعت السادات، ابن شقيق الرئيس الراحل، من قبل محكمة عسكرية بالسجن لمدة سنة، بتهمة ترويج شائعات وإهانة القوات المسلحة المصرية، بعدما وصف حادثة اغتيال عمّه بالمؤامرة الدولية التي شارك فيها حرسه الخاص وبعض قادة القوات المسلحة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة