سيناريوهات جديدة بالجزائر.. ما دلالات إعادة محاكمة رئيسي المخابرات وشقيق بوتفليقة؟

سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري ومستشاره الخاص (الجزيرة)
سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري ومستشاره الخاص (الجزيرة)

قبلت المحكمة العليا في الجزائر الطعن بالنقض في قضية رئيسيْ المخابرات سابقا الفريق محمد مدين (المعروف بـ"توفيق") واللواء عثمان طرطاق، إضافة إلى السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق، ورئيسة حزب العمال لويزة حنون.

وبحسب بيان أعلى هيئة في سلّم القضاء الجزائري، فقد جاء القرار بطلب من النائب العام العسكري لدى مجلس الاستئناف بالبليدة، حيث نقضت المحكمة العليا نهاية الأسبوع الحكم المطعون فيه، وأحالت القضية والأطراف على تشكيلة أخرى للفصل فيها.

وحكمت المحكمة العسكرية بالبليدة (50 كلم جنوب العاصمة) حضوريّا في تاريخ 25 سبتمبر/أيلول 2019، بإدانة الرّباعي المذكور بجناية "التآمر من أجل المساس بسلطة الجيش والتآمر ضد سلطة الدولة"، وعاقبتهم بالسجن النافذ 15 سنة.

ما بعد القايد صالح

لكن بعد 60 يوما من صعود الرئيس عبد المجيد تبون سدّة الحكم، أفرج المجلس العسكري عن لويزة حنون إثر تخفيض عقوبتها إلى 3 سنوات، منها 9 أشهر نافذة، في حين أيّد باقي الأحكام للثلاثة الآخرين في المحاكمة الاستئنافية.

وبمقتضى النقض المقرر، يستعد المتهمون للمثول أمام القضاء العسكري مجددا، لكن في سياق سياسي مختلف كثيرا هذه المرة عن ملابسات الحكم الابتدائي، بحسب المراقبين.

وقبل أيام قليلة، صدرت أحكام استئنافية مخففة على رموز بارزة في حكم بوتفليقة، أبرزهم إلى رئيسي الوزراء السابقيْن أحمد أويحيى وعبد المالك سلال ورجل الأعمال علي حداد، مع تبرئة أشقائه وتخفيف عقوبات آخرين من عائلات رجال أعمال مسجونين.

لذا يعتقد متابعون أن الجولة المقبلة من المحاكمة العسكرية تأتي في ظروف مغايرة تماما، تطبعها توازنات جديدة داخل السلطة وهدوء لحراك الشارع، مما يجعل القضية مفتوحة على كل الاحتمالات، بما فيها براءة المتهمين.

المدير السابق للمخابرات الجزائرية اللواء عثمان طرطاق (مواقع التواصل)

خروق شكليّة

وفي هذا الصدد، أكد أبرز محامي هيئة الدفاع فاروق قسنطيني أن "قبول الطعن بالنقض يفرض نفسه بنفسه، لأن الإجراءات لم تكن مطابقة للقانون".

وأضاف بأن التهم الثقيلة المنسوبة للمعنيين لم تتوفر فيها أبدا الأركان المادية للجريمة، وفق معطيات الملف القضائي محل المتابعة، مما "جعل المخرجات تبتعد كثيرا عن الصواب، مع كامل الاحترام لأحكام العدالة الجزائرية"، وفق تعبيره.

واعتبر -في تصريح للجزيرة نت- أن المحكمة العسكرية لم تكن مختصة أصلا من الناحية المادية في الموضوع، لأن المتهمين مدنيون، بمن فيهم رئيسا المخابرات سابقا، لأنهما في وضعية تقاعد مثل بقية المواطنين، كما أن مكان الاجتماع -وهو رئاسة الجمهورية- يحمل الطابع المدني.

وأوضح قسنطيني أنه لا يملك دليلا بشأن تأثير الموقف السياسي في عهد الراحل الفريق قايد صالح على أطوار المحاكمة، لكنه يعتقد حدوث ذلك، "كوْن ما جرى ليس له تفسير منطقي".

ولا يستبعد المتحدث أن تنطق محكمة الاستئناف العسكري هذه المرة بعدم الاختصاص، ليعود الملف إلى التقاضي المدني، مؤكدا أن "ذلك متاح لها قانونا دون أي مانع".

أما في صلب الملف، فقد نفى المحامي جملة وتفصيلا سلامة "تهمة التآمر على تشكيلة عسكرية" الموجهة للمعنيين، ذلك لأنّ مفهومها ينطبق -بحسب رأيه- على الثكنات والفرق العسكرية، وليس على شخص قائد الأركان أو وزير الدفاع بالنيابة، حيث يظل فردا مهما كان منصبه، وهو ما يتابع به المتهمون.

قسنطيني: التهم الثقيلة المنسوبة للمعنيين لم تتوفر فيها أبدا الأركان المادية للجريمة (الجزيرة)

البراءة

وفي السياق، تساءل قسنطيني -وهو الرئيس السابق لمرصد حقوق الإنسان الحكومي- حول كيفية إعفاء لويزة حنون من تهمة التآمر دون بقيّة زملائها، مع أنهم حضروا سويّا الاجتماع المذكور 3 مرات على التوالي، إذن "هذا دليل آخر على بطلان التهمة من أساسها"، على حد قوله.

وتوقّع أن يكون القضاء العسكري أكثر استقلالية بعد رحيل الفريق قايد صالح، مؤكدا ثقته بعودة الأمور إلى نصابها.

بل بدا المتحدث متفائلا كثيرا بحصول كامل المجموعة على البراءة قريبا، "كونها نتيجة قانونية منطقية لملف قضائي فارغ دون أدلة مادية، خاصة في ظل التحول نحو جزائر جديدة تحكمها العدالة الشفافة".

من جهة أخرى، اعتبر المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا إسماعيل معراف، أن قبول الطعن بالنقض في هذه القضية أمر عادي، بسبب غياب السند القانوني للتهم.

وأوضح أن "الملف حرّكه الفريق قايد صالح بدوافع شخصية انتقامية، ولا علاقة له بالسيادة الوطنية، لأن قائد الأركان نفسه (قايد صالح) كان يعمل خارج الدستور والشرعية القانونية"، حيث "حوّل البلد إلى ثكنة دون اكتراث بإرادة الشعب في التغيير"، على حد وصفه.

معراف: يجري طي صفحة الفريق قايد صالح قائد أركان الجيش الجزائري الراحل (الجزيرة) 

تحالفات جديدة

وشدد معراف -في تصريح للجزيرة نت- أن "المحاكمة الحقيقية لجنرال الدم، تتعلق بجرائمه في التسعينيات، حين قُتل 200 ألف جزائري، وهي تهمة كافية لنيل عقوبة الإعدام".

وفسّر إعادة فتح القضية وتطوراتها بوجود فراغ في السلطة، وعدم قدرة على تحمّل ضغط الملفات، وهو الشيء الذي دفع القيادة الجديدة إلى الاستنجاد بفريق الجنرال توفيق، وطي صفحة القايد صالح، في محاولة لاستعادة جهاز المخابرات السابق.

وكل ذلك يؤكد -بحسبه- الرغبة في بقاء منظومة الحكم وإعادة إنتاج نفسها، بهدف "الاستعداد لمواصلة التنكيل برموز الحراك، حتى لا تكون هناك أخطار مستقبلية على النظام الحالي"، وبذلك يبدو أن السيناريو المصري يُعاد في الجزائر بشكل مشابه، على حد تعبيره.

غير أن معراف يجزم بأن لعبة النظام هذه المرة لن تكون سهلة كما يريدها، "لأن زمن استغباء الشارع قد انتهى".

وأضاف أن حركات شبانية ناشطة تتولى تحريك المجتمع، ولولا وباء كورونا لكانت الأوضاع مختلفة، مؤكدا عودة الحراك قريبا بصورة أكثر تأثيرا من ذي قبل.

وقال إنّ لجوء النظام إلى حرق الغابات، وقضية الصحراء الغربية، وغيرها من المناورات التي تعوّد عليها الشعب، لن تغير من المعادلة القادمة.

هل يقبل الحراك الجزائري بعودة البلاد إلى موازين القوى القديمة؟ (الجزيرة)

أين الحراك؟

أمّا المحلل السياسي حسان زهار، فيقول إنّ "ما يحصل هو ردة شاملة عن ميراث الفريق قايد صالح، وانتقال موازين القوى نحو المعسكر التقليدي الذي ظل يسيطر أمنيّا على الجزائر مدة أكثر من ربع قرن"، وإن كل المؤشرات منذ وفاة صالح تصبّ في هذا الاتجاه، حيث كان واضحا منذ إطلاق سراح لويزة حنون أننا سنصل إلى هذه النتيجة.

ويستغرب -في تصريح للجزيرة نت- من سكوت قوى الحراك التي كان نقدها لاذعا ضد قيادة الجيش أيام القايد صالح، حين هاجمته بشراسة في الشارع، بينما يختفي الآن صوتها أو يكاد بخصوص ما يجري.

ويؤكد زهار ربط تطورات الجزائر بعودة دفء العلاقات مع فرنسا، والتي تحولت بين عشية وضحايا من كونها "عدوا تاريخيا" إلى حليف موثوق.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة