موسم قطف الزيتون بفلسطين.. كيف تحوّل من مناسبة فرح إلى هاجس يحمل مخاطر كبيرة

إلى أقرب مسافة من أرضه، قادتنا المركبة ثم ترجّلنا مشيا على الأقدام رفقة المزارع أحمد عودة (أبو نضال) بقية الطريق لعشرات الأمتار وصولا للأرض في جبل اللحف، وسط تخوف من أي هجوم مباغت للمستوطنين والاعتداء علينا كما فعلوا مؤخرا مع أبو نضال وشقيقه سبع عودة.

حتى الآن هذا هو الاعتداء الرابع بالضرب المباشر الذي يشنه مستوطنو مستوطنة "يتسهار" على المزارعين الفلسطينيين في بلدة حوارة قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية خلال أقل من أسبوع، وهو الثاني على الشقيقين عودة، ولما يحن فصل الزيتون بعد، أما قطع أشجار الزيتون وحرقها وسرقة الثمار فهي اعتداءات لا حصر لها.

ليس في حوارة فقط، فهذه المعاناة عاشها الفلسطينيون -وخاصة من كانت أراضيهم قريبة من المستوطنات- وسيعيشونها على مدى شهر وأكثر من الآن وهم يقطفون ثمار زيتونهم لهذا الموسم، فالمستوطنون استنفروا وشرعوا في تنفيذ مخططاتهم لملاحقة الأهالي وطردهم من أرضهم.

حاول أبو نضال (65 عاما) -رغم آلامه- إيصالنا إلى أرض اللحف، وما إن وطئنا المكان حتى صرخ بشقيقه سبع "شومير.. شومير" أي أن حارس المستوطنة قادم للاعتداء علينا، كما فعل بهم قبل يومين عندما ذهبوا لتفقد زيتونهم.

بلدة حوارة تعلوها مستوطنة يتسهار التي يهاجم مستوطنوها المزارعين الفلسطينيين وأراضيهم (الجزيرة نت)

بتنسيق أو من دونه

يقول محدثنا إنهم بعد وصولهم للأرض بدقائق هاجمهم المستوطنون وطردوهم منها بحجة عدم "التنسيق" (إذن خاص يمنحه جيش الاحتلال للمواطنين) لدخولها، فهي قريبة من منطقة أمنية إسرائيلية (مستوطنة)، وهو ما يرفضه أبو نضال ويقول إنها أرضه ويزورها متى يشاء.

وحتى هذا التنسيق لم يجدِ نفعا، فقد طرد الجنود الإسرائيليون بقوة السلاح المواطنين العام الماضي رغم التنسيق، ولم يسمحوا لهم بترميم بعض الأشجار التي أتلفها المستوطنون، وهذه الممارسات ستفقدهم أرضهم ومحصول الزيتون كل سنة، لعدم تمكنهم من حراثتها وتعشيبها.

وأضاف "إذا كنا ننتج سابقا طنا أو أقل من الزيت فاليوم لن نصل لأقل من ربعه، فالمستوطنون يزحفون بالقوة تجاه الأرض ونتراجع نحن كرها".

كمية الزيتون قليلة هذا الموسم (الجزيرة نت)

يملك أبو نضال وعائلته 50 دونما في أرض اللحف القريبة من مستوطنة "يتسهار" الجاثمة من 4 عقود فوقها وعلى أراضي القرى المجاورة، والتي تصادر آلاف الدونمات منها وتحرم أصحابها من الوصول إليها، لتحولها إلى "خراب" ثم تصادرها.

ومثل أبو نضال حُرم المواطن محمد ضميدي (58 عاما) من أرضه وزيتونه نتيجة أطماع المستوطنين الذين تعمل حكومة الاحتلال على خدمتهم، بشق طريق لهم طوله عدة كيلومترات يربط بين مستوطناتهم في جنوب نابلس وشرقها.

قبل أشهر ثلاثة فقط، لم تكن هذه حال أشجار الزيتون المعمرة في أرض الصبَّات الخاصة بضميدي، فقد كان يستبشر بموسم زيتون ذهبي يحرره من ضيق الحال المادي ويعينه على شظف العيش، قبل أن يرى من نافذة منزله أشجاره تتساقط واحدة تلو أخرى، تحت أضراس الجرافة الإسرائيلية وبحماية جنود الاحتلال الذين جاؤوا محصنين بقرار عسكري يقضي بمصادرة الأرض وغيرها.

محمد ضميدي في أرضه التي قطع الاحتلال 170 شجرة زيتون منها بهدف شقّ طريق استيطاني (الجزيرة)

على حساب الأرض

كادت دموع ضميدي تنهمر من عينيه وهو يرى أفرع الزيتون اليابسة ملقاة على الأرض، لكن رؤيته للأغصان اليانعة الجديدة التي تفجرت من تحت التراب وولدت من جذور الأشجار المخلوعة، هدّأت من روعه وأعطته أملا، فراح ينظف حولها وهو يردد قائلا للجزيرة نت "نأبى أن نترك الأرض كما أبت هذه الأغصان الموت".

فقد المواطن ضميدي وحده 170 شجرة زيتون و10 دونمات (الدونم= 1000 متر مربع) من أصل 60 دونما هي مساحة أرضه. ومن المهزلة -بحسب وصفه- أنه رغم منح الاحتلال له ولغيره فرصة للاعتراض على القرار العسكري، فإن "المحكمة الإسرائيلية ردت الطعن ورفضته".

وعبر هذا الطريق الاستيطاني أخطرت إسرائيل بمصادرة 406 دونمات من أراضي حوارة، وستقلع 4500 شجرة زيتون، لكنها على أرض الواقع تقلع أكثر من 7 آلاف شجرة وتصادر 700 دونم، وفق ناصر حواري رئيس البلدية.

وقد زادت اعتداءات المستوطنين هذا العام 67% عن نظيراتها العام الماضي، وضاعفوا عنفهم خلال أزمة كورونا، بحسب مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية غسان دغلس، كما هاجموا جماعات ومنفردين منازل الفلسطينيين، وجرحوا منهم وقلعوا وحرقوا نحو 7 آلاف شجرة زيتون بالضفة الغربية.

واستبقت إسرائيل قرار وقف التنسيق بينها وبين السلطة بإغلاق مناطق بأكملها تقدر بنحو 4 آلاف دونم، وسمتها "مناطق سوداء"، ومنعت الفلسطينيين والإسرائيليين من دخولها بدءا من 17 سبتمبر/أيلول وحتى نهاية العام الجاري، وهي فترة موسم الزيتون، وبالتالي "ستتصاعد اعتداءات المستوطنين" عليها.

حملة "فزعة" جاءت لمساعدة المزارعين في قطف زيتونهم وحمايتهم من المستوطنين (الجزيرة)

فزعة

ويضاف لغياب التنسيق تراجع أعداد المتضامنين الأجانب هذا العام بسبب فيروس كورونا، وهو ما دفع الفلسطينيين لإطلاق حملة "فزعة"، وهي كلمة فلسطينية تعني النجدة والعون هدفها مساعدة المزارعين.

ومن قرية حوارة حيث كنا، انطلقت حملة فزعة بحضور متضامنين أجانب ولجان المقاومة الشعبية، معلنة بدء موسم الزيتون لهذا العام. ويقول أحمد الخطيب -أحد منسقي الحملة- إن هدفهم هو تقديم العون للمزارعين وحمايتهم عبر توفير مجموعات من النشطاء تساعد مباشرة في قطف محاصيل الزيتون في مناطق التماس مع الاحتلال والمستوطنات، ويساعدهم سكان المنطقة.

وتشير معلومات وزارة الزراعة الفلسطينية إلى أن هذا الموسم سيتراجع فيه الإنتاج لأقل من نصف الناتج العام السنوي والمقدر بـ21 ألف طن من الزيت، وهو ما يزيد من قلق المزارعين خشية الاعتداء على أشجارهم.

برج عسكري قرب مستوطنة يتسهار لرصد أي تحرك للمواطنين الفلسطينيين (الجزيرة)

ويقول مدير دائرة الزيتون في وزارة الزراعة رامز عبيد -للجزيرة نت- إن 50 ألف دونم من أشجار الزيتون تقع داخل جدار العزل والضم العنصري محاذية للمستوطنات، وتشكل 6% من مساحة الأرض المزروعة بالزيتون في فلسطين، ولهذا تضعف منتوجية هذه الأشجار بسبب اعتداءات المستوطنين، وإن "هذا يتسبب في خسارة الفلسطينيين 5% من كمية المحصول العام من الزيت".

لا ينتظر الفلسطينيون عدلا إسرائيليا عبر قرار محكمة يعيد لهم أرضهم أو يسمح لهم بدخولها، "فزوال إسرائيل" ربما بات أقرب لهم من ذلك كما يقولون، وهم حتى ذلك الحين سيستمرون في عمارة أراضيهم وزيارتها رغم كل المضايقات من جنود الاحتلال ومستوطنيه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كانت الزراعة محورية للمجتمع الفلسطيني قبل قيام دولة إسرائيل، وكان صغار المزارعين هم أساس المجتمع الفلسطيني في ذلك الوقت، حيث كان ثلاثة أرباع السكان الفلسطينيين بالأرياف.

أعلنت إسرائيل أن قواتها اعتقلت عناصر من الشرطة الفلسطينية وصادرت أسلحتهم وسط الضفة الغربية، كما منع الاحتلال أصحاب حقول زيتون في الضفة من دخول أراضيهم لجني الثمار، واعتدى مستوطنون عليهم.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة