مقاول أم رئيس.. ما سر ولع السيسي بالطرق؟

أضرار في جسر جديد بطريق الواحات غرب القاهرة (الجزيرة)
أضرار في جسر جديد بطريق الواحات غرب القاهرة (الجزيرة)

منذ جاء إلى السلطة عام 2014 بعد عام من قيادته انقلابا عسكريا على الرئيس المنتخب محمد مرسي يولي الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي اهتماما غير مسبوق بمشروع "شبكة الطرق القومية الجديدة" الذي كان على رأس برنامجه الانتخابي الذي انتقده كثيرون وقتها بسبب عدم تضمنه رؤية سياسية أو اقتصادية واضحة، واكتفى فقط بالحديث عن مشروعات كبرى.

أبرز تلك المشروعات التي وعد بها كان شبكة طرق تربط مصر بشكل كامل خلال عام واحد فقط، وذلك عندما أطلق وعده الانتخابي الشهير "هعمل شبكة طرق تمسك مصر كده"، مشيرا بقبضته دليلا على القوة والتماسك، لكن السيسي نفسه عاد ليقول في منتصف العام الماضي -أي بعد 5 سنوات على وعده الأول- إن مشروع تحسين وتطوير البنية التحتية للطرق ما زال بحاجة إلى 160 مليار جنيه على الأقل (الدولار نحو 16 جنيها).

وعلى مدار سنوات رئاسة السيسي اخترقت الطرق الجديدة العديد من المدن، لكنها طالت أيضا جيوب المصريين بعد فرض رسوم مرتفعة، وهو ما أحدث جدلا وغضبا، لكن السيسي يرد كل مرة بكلماته المكررة التي باتت محل تندر المصريين وهو يشير إلى انتهاء عصر الخدمات المجانية أو المدعمة من الدولة "مفيش حاجة ببلاش".

في هذا السياق، يرى خبراء اقتصاد وتخطيط أنه رغم منافع إنشاء شبكة طرق جديدة لتسهيل حركة التنقل فإن هناك اختلالا واضحا في ترتيب الأولويات، فما ينفق في إنشاء الطرق الجديدة بين المدن -خصوصا الجديدة والسياحية مثل العاصمة الإدارية- أضعاف ما ينفق على الطرق المتهالكة داخل المحافظات المكتظة بالسكان، حيث يعاني الملايين من الاختناقات الشديدة.

وأكد خبراء تحدثوا للجزيرة نت أنه رغم منافع إنشاء شبكة طرق جديدة لتسهيل حركة التنقل فإن هناك اختلالا في ترتيب الأولويات من جهة، وشبهات فساد وتربّحا بمليارات الجنيهات من جيوب المصريين من جهة أخرى يجب الكشف عنها.

وأشار بعضهم إلى أن هذه المبالغ الطائلة تم تجميدها في كتل خرسانية لا طائل من ورائها، فيما كان الأجدى إنفاقها في مشروعات أخرى تساهم في زيادة الإنتاج، وتشغيل الأيدي العاملة، وتوفير فرص عمل، وزيادة التصدير، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير قطاعات حيوية بالبلاد كالسياحة والزراعة والتصنيع، ورفع كفاءة قطاعي الصحة والتعليم.

مقاول أم رئيس؟

ويحرص السيسي على متابعة شبكة طرقه وتفقدها بنفسه بشكل دفع البعض للسخرية منه، ووصفه بأنه مقاول وليس رئيس جمهورية.

آخر تلك الزيارات كانت يوم الجمعة الماضي، حيث تفقد السيسي عددا من مواقع العمل بمشروعات التطوير في شبكة الطرق بالقاهرة الكبرى، من بينها محور متحف الحضارات في منطقة مصر القديمة.

وهو المحور ذاته الذي أثار جزءا منه لغطا كبيرا في الشارع المصري، بل وفي صفوف بعض الأثريين وأساتذة التاريخ الإسلامي، بعد انتشار صور ومقاطع فيديو لعمليات هدم بالجرافات لمقابر يعتقد أنها أثرية في منطقة صحراء المماليك شرقي القاهرة، لكن الحكومة قالت إن الهدم كان لمقابر خاصة وليست أثرية.

لم يكن هذا هو الانتقاد الوحيد لتبعات التوسع في إنشاء الطرق، بل صاحبته تشوهات معمارية امتدت آثارها إلى الصحافة الإقليمية والدولية، ونالت نصيبها من التندر والسخرية، بسبب التنفيذ تحت الأمر المباشر أيا كانت الصورة العامة للمشروع.

في مايو/أيار الماضي اندلعت موجة سخرية من ظهور جسر ملاصق لشرفات عمارات سكنية على طول امتداد الجسر، ويطلق عليه "محور الملك سلمان"، حيث يتم إنشاؤه في منطقة "ترعة الزمر" بالهرم غربي القاهرة ضمن مشروع شبكة الطرق القومية الجديدة.

صحف ومجلات أجنبية شهيرة دخلت على الخط، واعتبرت مجلة إيكونوميست البريطانية أن الطريق ليس فقط محلا للسخرية بقدر ما هو رمز لـ"عدم كفاءة الحكومة".

كما تباكى الكثير من سكان حي مصر الجديدة ومدينة نصر في شرقي القاهرة على قطع أشجار معمرة تعود لعقود طويلة، مطالبين الحكومة بالتوقف عن تشويه أحيائهم الجميلة بدعوى إقامة طرق وجسور، أو على الأقل تنفيذ هذه المشروعات بشكل يحافظ على طبيعة المكان ورونقه.

وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي انتقد بعض المتخصصين في علم المصريات ودعاة الحفاظ على البيئة استعداد الحكومة لشق طريقين سريعين عبر هضبة الأهرامات، مؤكدين أنهما يهددان سلامة هضبة الأهرامات، ويمران فوق مواقع أثرية لم تكتشف بعد، فضلا عن التلوث الذي يؤدي لتآكل الآثار.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن تسارع وتيرة العمل في شبكة الطرق لتقديم ما تعتبره السلطة إنجازا أمام الرأي العام يبدو أنه جاء على حساب جودتها أحيانا، إذ سرعان ما انهار العديد منها بشكل جزئي عند أول اختبار لها مع هطول الأمطار في الشتاء الماضي.

وتداول رواد مواقع التواصل مقاطع مصورة لتضرر العديد من الطرق والجسور، كما رصد مراسل الجزيرة نت تضرر أحد الجسور على طريق الواحات غرب القاهرة بعد موجة الأمطار الغزيرة التي ضربت البلاد في مارس/آذار الماضي.

مخطط عسكري وليس عمرانيا

في هذا السياق، يصف أستاذ التخطيط الإستراتيجي بأميركا صفي الدين حامد شبكة الطرق القومية بأنها مخطط عسكري، قائلا "أي خبير في التخطيط القومي عامة، وتخطيط النقل خاصة، غالبا يستنتج أن هذا الذي يتم على الأرض ليس مخططا عمرانيا، بل مخطط عسكري".

وأكد حامد في حديثه للجزيرة نت أن ما يجري هو تبديد للموارد المالية والبشرية المصرية، وضياع الجهد ومواد البناء في المكان والزمان والهدف الخطأ، لكن هذه إرادة من "يحتل" مصر ويمتلك إرادة شعبها للأسف، على حد قوله.

وبشأن حجم الأموال التي أنفقتها السلطات المصرية لتنفيذ مشروعات الطرق الجديدة خلال سنوات رئاسة السيسي، تشير الأرقام إلى أنها بلغت نحو 305 مليارات جنيه، استحوذت شبكة الطرق على 175 مليار جنيه، بإجمالي أطوال بلغت 7 آلاف كيلومتر، تم الانتهاء من 4.5 آلاف كلم.

وتوزع الباقي على إنشاء ما يقارب 600 جسر ونفق أعلى مزلقانات السكك الحديدية بتكلفة تبلغ 85 مليار جنيه، وإنشاء محاور وجسور على نهر النيل يبلغ عددها 21 بقيمة 30 مليار جنيه، وتطوير وصيانة ورفع كفاءة 5 آلاف كلم من شبكة الطرق القديمة بتكلفة تبلغ 15 مليار جنيه.

لكن التكلفة الإجمالية قد تتجاوز 1.1 تريليون جنيه حتى عام 2024، شاملة الطرق والسكك الحديدية والنقل البحري والموانئ، وفق وزير النقل والمواصلات.

وأوضح وزير النقل خلال افتتاح بعض المشروعات في أغسطس/آب الماضي أن التكلفة شملت 377 مليار جنيه للطرق والجسور، و142 مليار جنيه للسكك الحديدية، و512 مليار جنيه للأنفاق والجر الكهربائي، و49.5 مليار جنيه للنقل البحري، و14.6 مليار جنيه للموانئ البرية والجافة، وملياري جنيه للنقل النهري.

هذه الأموال الطائلة كيف كانت ستغير حياة ملايين المصريين الذين تقبع نسبة كبيرة منهم تحت خط الفقر، والذين يقدرون بنحو 32% وفق آخر إحصاء رسمي عام 2018/2017، وسط توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 50% بعد ارتفاع الأسعار ورفع الدعم عن الوقود والكهرباء والمياه ومضاعفة قيمة الرسوم والمكوس والدمغات منذ ذلك التاريخ.

 

ما سر شغف السيسي بالطرق؟

لكن ما سر اهتمام السيسي بالطرق والمحاور والجسور إلى حد الشغف؟

وفق الحكومة المصرية، فإن الهدف منها هو تحسين البنية التحتية للمواصلات، وتخفيف التكدس، وفتح شرايين جديدة نحو المدن التي تقوم بإنشائها في الصحراء كالعلمين الجديدة والعاصمة الإدارية وغيرهما.

ونظرا لحجم التكلفة الضخمة لتلك المشروعات فإنها -وفق مراقبين وسياسيين- تعد بابا واسعا للفساد، والربح السريع، وزيادة ثروات الجيش وكبار الضباط، لأن الجيش هو من يقوم على تنفيذ أو الإشراف على الطرق إما بشكل مباشر أو من خلال إسناد المشروع إلى مقاولين بالباطن، وهم عبارة عن شركات صغيرة تسعى للاستفادة من الكعكة.

وهو ما أشار إليه عضو لجنة النقل والمواصلات في البرلمان المصري السابق المهندس محمد فرج قائلا إن "إسناد شبكة الطرق القومية بمصر للجيش منذ عام 2014 بمئات المليارات على حساب الاهتمام بمستوى معيشة الناس وتحسين أوضاعهم المادية يثير تساؤلات حول وجود شبهات فساد، وهو ما أشار إليه المقاول المصري الهارب محمد علي أكثر من مناسبة".

وأضاف فرج في حديثه للجزيرة نت أن مشروع الطرق هو مشروع السيسي الخاص به، والذي أنفق فيه الكثير من الأموال دون مردود مادي حقيقي غير الجباية على بوابات الطرق، وكان الأولى الاهتمام بالطرق القديمة التي يستخدمها الناس لا الطرق النائية التي تخدم المدن الجديدة، وماذا عن المحافظات في الدلتا والصعيد؟

وقال إنه رغم أهمية وجود شبكة مواصلات مترابطة ومتماسكة في طول البلاد وعرضها لكنها لا تأتي على قائمة أولويات الدولة التي تعاني من نسب فقر وأمية وبطالة وأمراض مستوطنة غير مسبوقة، فمصر بحاجة لمشروعات قومية حقيقية من أجل أن تنهض اقتصاديا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الحملة التي تقوم بها الحكومة المصرية حاليا لإعادة تهيئة القاهرة تتضمن شق طرق سريعة في مقبرتين تاريخيتين، وهو ما يثير قلق المهتمين بالمحافظة على المعالم التاريخية والتراث الجنائزي.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة