"إنجاز كبير" و"يوم حزين".. أصداء التطبيع في عاصمة اللاءات الثلاث

البرهان (يمين) ونتنياهو (الأوروبية)
البرهان (يمين) ونتنياهو (الأوروبية)

استقبلت الخرطوم -التي اشتهرت تاريخيا في ملف القضية الفلسطينية بكونها عاصمة اللاءات الثلاث- اتفاق التطبيع مع إسرائيل بهدوء، عدا اعتراضات من أحزاب داخل وخارج الائتلاف الحاكم قالت إنها ستتوحد ضد التطبيع.

وخلت شوارع العاصمة السودانية المنهكة بطوابير الوقود والخبز من أي مظاهر احتجاجية ضد قيام علاقات مع تل أبيب، رغم أن الخرطوم استضافت إحدى أهم القمم العربية في العام 1967، وهي القمة التي تبنت قرارات "حازمة" مثل إعلان اللاءات الثلاث "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل".

واختارت أحزاب مؤثرة في قوى إعلان الحرية والتغيير-التحالف الحاكم- إجراء استبيانات داخل هياكلها القيادية لاستطلاع الآراء بخصوص التطبيع وجاءت النتيجة بتأييد فاق 90% لبدء علاقة بين السودان وإسرائيل.

في الأثناء نشأ ما يشبه التسابق بين أنصار العسكريين والمدنيين في الحكومة الانتقالية، بحيث يعمل أنصار كل طرف على نسبة التطبيع له كإنجاز.

انقسام الحاكمين
وغرد الصحفي الهندي عز الدين علي حساه في تويتر بالقول "مبروك لرئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي تولى مهمة التفاوض العسير مع الإدارة الأميركية حتى تكلل جهده بهذا الاختراق العظيم".

#لائحة_الإرهابمبروووووك للسودان خروجه من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

Posted by ‎حزب المؤتمر الوطني – السودان‎ on Friday, October 23, 2020

واتسم موقف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك حيال ملف التطبيع بالتردد عندما التقى البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بكمبالا في فبراير/شباط الماضي، وقبل أيام رهن حمدوك التطبيع بموافقة البرلمان الذي لم يتشكل بعد.

ويبدو أن قيام علاقات بين البلدين في طريقه لإحداث شرخ داخل الائتلاف الحاكم وربما إعادة رسم خريطة التحالفات في السودان.

ويقول محمد وداعة القيادي في حزب البعث السوداني وقوى الحرية والتغيير إنهم سيقاومون التطبيع عبر جبهة عريضة لمقاومة التطبيع بدأ العمل على تشكيلها استباقا، وتضم قوة مدنية وأحزاب مؤثرة من داخل وخارج قوى الحرية والتغيير.

وفي أبهى صورة لحالة الانقسام يناهض زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي التطبيع بشدة، بينما يعد ابن عمه مبارك الفاضل الذي يقود فصيلا منشقا من حزب الأمة من أبرز دعاة التطبيع بالسودان.

تحالف الخصوم
ويشير وداعة في تصريح للجزيرة نت إلى أن هذه الجبهة الرافضة للتطبيع يمكن أن تشكل من الحزب الشيوعي وحزب الأمة القومي، ومن الممكن أيضا الاتفاق مع الإسلاميين لأن الموقف هنا إستراتيجي وليس تكتيكيا.

وكان حزب الأمة القومي برئاسة الصادق المهدي قد هدد بسحب تأييده لقوى الحرية والتغيير حال اتخاذ قرار بالتطبيع مع إسرائيل، كما لوح حزب البعث باتخاذ خطوة مماثلة.

وتابع وداعة قائلا "الانقسام وارد؛ التطبيع يهدد وحدة الجبهة الداخلية ومؤيدون للحكومة الانتقالية سيتحولون لمعارضين لها".

في السياق ذاته، كشف القيادي في حزب المؤتمر الشعبي كمال عمر عبد السلام عن مشاورات يجريها حزبه مع أحزاب عروبية ويسارية وحزب الأمة القومي وجناح كبير من الاتحاديين.

وبحسب عبد السلام، فإن "حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الراحل الشيخ حسن الترابي تناسى الخلافات الأيديولوجية لجمع الكتلة الوطنية ضد التطبيع".

أيديولوجيا عابرة
في المقابل يعتبر حيدر الصافي من الحزب الجمهوري ما تم إعلانه من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتوصل لاتفاق بين السودان وإسرائيل على إقامة علاقات "خطوة للانفتاح نحو المكاسب".

ويرى الصافي في حديث مع الجزيرة نت أن الإنجاز الكبير هو أن التطبيع رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لأن واشنطن ما كانت تنوي ذلك، وإلا لكانت اتخذت هذا القرار بعد الثورة مباشرة.

ويقول إنه حال إجراء حوار ندي من قبل قيادات حقيقية في الدولتين فإنه يمكن إنجاز الكثير، لأن السودان غني بموارده ويحتاج لتكنولوجيا تمكنه من استثمار موارده والاندماج في المنظومة الدولية.

وبشكل مطلق، يؤكد الصافي أنه لا يوجد بديل للسلام، وهو في حد ذاته خطوة للأمام، ويشير إلى أن الأحزاب الرافضة للخطوة لديها ارتباطات أيديولوجية عابرة، وأن الوضع ما عاد يحتمل الرؤى القديمة، لذا فإن معارضة هذه الأحزاب لن تتجاوز أسوار دورها.

وينصح السلطة التنفيذية بأن تتعجل في المعالجات الاقتصادية المتعلقة بأزمات الخبز والوقود حتى لا يتحول التطبيع إلى نقمة.

تطبيع أم علاقات؟
وبين هذا وذاك، يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي مجدي عبد العزيز أن ما حدث بين السودان وإسرائيل ليس تطبيعا بل هو اتفاق لقيام علاقات أساسها تبادل المصالح، مثلها مثل العلاقات بين تركيا وإسرائيل.

ويضيف للجزيرة نت أن السودان يمكن أن يستقوي مستقبلا ويرفض ما وصفها بـ"صفقة القرن"، كما أن لديه الحق الآن في المطالبة بحقوق الفلسطينيين، لأن الاتفاق المعلن يعد خطوة إستراتيجية وليس انبطاحا كما يراه البعض.

ويشير مجدي عبد العزيز الذي تقلد في وقت سابق منصب معتمد محلية أم درمان، إلى أن الحكومة السودانية اجتهدت في الفصل بين مساري التطبيع وإزالة اسم السودان من القائمة السوداء، لكن من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل عملا على ربط المسارين.

وذكر أن الإزالة من قائمة الإرهاب حق مستحق، لأن السودان بلد لا علاقة له بالإرهاب، كل ما هناك هو أن أميركا كانت تستخدم إبقاءه في هذه القائمة كعصا غليظة في وجه النظام السابق، ولم تعد اليوم تحتاج هذه العصا طالما أن النظام قد تغير.

اغتيال فرحة
ويمضي محمد وداعة القيادي في حزب البعث في الاتجاه ذاته بقوله إن ربط ملفي التطبيع وقائمة الإرهاب أفسد الفرحة بالإزالة من تلك القائمة، وكان بمثابة دس للسم في الدسم.

ويصف وداعة هذا اليوم بأنه "يوم حزين" لأن هناك بيعا للمواقف وتركيعا بإملاءات غير مقبولة، وكان حريا بالحكومة طالما اضطرتها أزماتها الاقتصادية لقبول التطبيع أن تقدم استقالتها بدلا من توريط البلد.

ويقول "نحن لسنا مع الطوابير لكن في الوقت نفسه فإن قرارا بهذا الحجم ليس من صلاحيات حكومة انتقالية.. الحكومة ارتكبت خطأ كبيرا وهي خطوة لن تحقق الخير والوفرة الاقتصادية".

كما رأى كمال عمر القيادي بالمؤتمر الشعبي أن "الحكومة غير منتخبة وغير مفوضة لتطبع مع إسرائيل، لكن الحكومة المختطفة اختطفت موقف السودانيين لترضي جهات استخباراتية إقليمية ودولية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعلنت الإدارة الأميركية أن الرئيس ترامب وقّع رسميا قرارا يقضي بإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأن السودان وإسرائيل اتفقا على تطبيع العلاقات، وسط إدانة فلسطينية وترحيب مصري وإماراتي.

في تطورين شبه متزامنين، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس ترامب وقّع مرسوما برفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وأن الخرطوم وتل أبيب اتفقتا بوساطة أميركية على تطبيع العلاقات بينهما.

وقع السودان والبنك الدولي ومانحون أوروبيون اتفاقية دعم بقيمة 370 مليون دولار، تخصص لدعم الأسر المحتاجة في البلاد، ويأتي ذلك في وقت يعتزم الرئيس الأميركي رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة