خطاب عون عشية الاستشارات.. هل يدخل لبنان مرحلة جديدة من التأزم بعد تكليف الحريري؟

ميشال عون يوجه خطابا للشعب اللبناني قبل يوم من انطلاق استشارات لاختيار رئيس جديد للحكومة (الأناضول)
ميشال عون يوجه خطابا للشعب اللبناني قبل يوم من انطلاق استشارات لاختيار رئيس جديد للحكومة (الأناضول)

رمى الرئيس اللبناني ميشال عون الكرة في ملعب الكتل النيابية، ودعاها لتحمل مسؤولية خياراتها في موقف أعلنه عشية الاستشارات النيابية المقررة غدا الخميس لتسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة.

وبينما كان اللبنانيون ينتظرون مضمون خطابه، أطلق عون عدّة إشارات؛ كان أبرزها عدم تأجيل موعد الاستشارات كما حصل الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، كما أكد تحمل مسؤوليته في التكليف وتأليف الحكومة، و"في كل موقف وموقع دستوري، وبوجه كل من يمنع عن شعبنا الإصلاح والدولة"، وفق تعبير عون.

ومرة جديدة، ذكّر الرئيس عون بتاريخه في العمل السياسي منذ كان مبعدًا إلى فرنسا قائلًا "حين حملت مشروع التغيير والإصلاح في محاولة لإنقاذ الوطن، رفع المتضررون المتاريس بوجهي".

وفي إشارة ضمنية إلى الرئيس سعد الحريري وبعض الأحزاب التي شاركت في الحكومات السابقة، حمّل عون السلطات المتعاقبة مسؤولية الفساد في سلسلة عناوين عددها، سائلًا: "أين القضاء من سطوة النافذين؟"

ودعا عون النواب لتحكيم ضمائرهم، مذكرًا بمرور عام على احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، و"ما يحمل من دلالات غضب المواطنين، ومن رفعهم شعار "كلن يعني كلن"، شمل الصالح والطالح منا"، حسب عون.

سعد الحريري: تعهد بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة في المبادرة الفرنسية (الأناضول)

الحريري ينتظر
وفي غضون ذلك، ينتظر الحريري -وهو المرشح الوحيد- تكليفه بتشكيل الحكومة، بعد أن أكد عزمه العمل على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في المبادرة الفرنسية، في ظل استمرار الخلاف بينه وبين التيار الوطني الحرّ برئاسة جبران باسيل، لكن أيّ صيغة حكومية يمكن أن يقبل بها عون بعد إطلاق سلسلة مواقفه؟

ينطلق أنطوان قسطنطين -مستشار رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل- من كلام الرئيس عون، واصفًا إياه بعملية مكاشفة ومصارحة للشعب اللبناني، للقول إن مسار الحياة السياسية في لبنان خلال عهده شهد على عرقلة كل محاولات الإصلاح التي طرحها.

ويشير قسطنطين -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن كلام عون كان إيجابيًّا، رغم مضمونه الموجع، "لكنه أراد أن يدفع للاستفادة من فرصة حقيقية للإصلاح بما تبقى من سنتين في عهده".

ويرى قسطنطين أن الأسئلة التي طرحها عون في ما يتعلق بملف الفساد يعرف أجوبتها مسبقًا، و"أراد من خلالها أن ينعش ذاكرة اللبنانيين تجاه القوى السياسية، بطرحه مجموعة من الأزمات التي يسعى لحلها كرئيس للبلاد، بما يتوافق مع مضمون الإصلاحات المطلوبة في ورقة المبادرة الفرنسية".

ويعتبر قسطنطين أن عون بناء على الأسئلة والمشاكل التي طرحها حدد هوية الحكومة المطلوبة ووظيفتها، لتولي مهمة الإصلاح والقضاء على مكامن الفساد.

وكان لافتًا في خطاب عون طرح أسئلة وصفها بالمصيرية والحتمية عن موقع لبنان ودوره في صراعات المنطقة. ومن هنا، يرى المحلل السياسي غسان جواد (المقرب من حزب الله) أن الرئيس أراد التطرق لتأثر لبنان بالتحولات الإقليمية التي تحيطه، ويرجح تصويبه على مسار تطور العلاقات بين بعض دول الخليج العربي وإسرائيل وعمليات التطبيع المستمرة، التي تضع لبنان في موقف حرج قد تكون له تداعيات كبرى.

وبهذا المعنى، يعتبر جواد في تصريح للجزيرة نت أن مسار تشكيل الحكومة سيكون صعب المخاض، و"قد يفتح الباب ليس على أزمة حكومة فحسب، بل على أزمة حكم كاملة".

ويرى جواد أن عون أراد في الملفات التي أثارها أن يضع مشروع بيان وزاري، وأن يحتفظ بحقّه الدستوري في البقاء على رأس عملية تأليف الحكومة.

باسيل وحزب الله
عمليًّا، لم يغيّر خطاب عون موقف باسيل وفريقه السياسي الذي يرفض تسمية الحريري. وعليه، سيخسر الحريري أصوات أكبر تكتل مسيحي في البرلمان، إلى جنب أصوات تكتل حزب "القوات اللبنانية"، الذي يرفض تسمية الحريري أيضًا، لكنه على خصومة مستمرة مع باسيل.

ويقول قسطنطين تعليقًا على موقف باسيل "نحن أكثر القوى السياسية وضوحًا في لبنان، ونتمسك بوحدة المعيار، ولم يغير تأجيل الاستشارة موقفنا الرافض تسمية الحريري، لأننا متمسكون بحكومة اختصاصيين، وبصفات لا يجسدها الرئيس الحريري".

في المقابل، لم يصدر بعد أي موقف رسمي من حزب الله بشأن تكليف الحريري بتشكيل الحكومة، رغم أن حليفه رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه بري أعلن توجهه لتسمية الحريري.

ويشير غسان جواد إلى أن حزب الله ما زال متمسكًّا بنقطتين في مسار تشكيل الحكومة: الشكل والمضمون، كما فعل أثناء تكليف مصطفى أديب؛ في الشكل -وحسب جواد- ما زال حزب الله متمسكًا بحقيبة المال وتسمية الوزراء الشيعة، و"يبدو أن هذه القضية تم التوافق عليها بين الحريري وحزب الله".

أمّا في المضمون، فيقول جواد إن حزب الله أعلن الموافقة على مضمون المبادرة الفرنسية، باستثناء 10% يجري البحث فيها مع الحريري، وتتناول ملفات "الخصخصة، والضرائب، وصندوق النقد الدولي".

تعاون مشروط
وأضاف جواد أن الحزب يريد أن يأخذ ضمانات من الحريري بشأن صندوق النقد الدولي، فلا يرفض التعاون معه ولكن من دون وضع شروط سياسية، و"لن يقبل بتسليم البلد على ورقة بيضاء بحجة الإصلاح".

وواقع الحال، يبدو أن تكليف الحريري بأصوات قد لا تتجاوز نصف أصوات البرلمان اللبناني المؤلف من 128 نائبا، تنذر بأزمة جديدة خلال عملية التأليف.

لكن نائب كتلة "المستقبل" البرلمانية محمد الحجار يعتبر أن الحريري سيحظى دستوريًّا بالتكليف بعد نيل أغلبية الأصوات، ومن دون وجود مرشح آخر لجانبه.

وفي حين يرفض نواب المستقبل التعليق على خطاب عون، يشير الحجار في تصريح للجزيرة نت إلى أن الحريري هو المخول الوحيد لأداء مهمة الإنقاذ، في ظل غياب مرشح آخر يُقبل على تحمل مسؤولية إنقاذ لبنان بناءً على شروط المبادرة الفرنسية.

ويعتبر الحجار أن الأهم هو إجراء الاستحقاق الدستوري في الاستشارات الملزمة بالقصر الجمهوري، ويؤكد عدم تقديم الحريري ضمانات لأي فريق سياسي تناقض الشروط الدولية وفحوى المبادرة الفرنسية، حسب الحجار.

وقال "نحن أمام فرصة ذهبية وأخيرة مع الحريري الذي ينوي تشكيل حكومة مهمة لإنقاذ البلاد، وإلا سيكون مصير لبنان نحو الجحيم والفوضى والخراب".

في سياق آخر، يعتبر النائب السابق فارس سعيد أن الرئيس عون الذي لم يستطع عرقلة تكليف الحريري، أراد من خطابه ترسيخ معادلة فحوها أنه يريد شراكة صافية في تأليف الحكومة إلى حدّ العرقلة إذا لم تعجبه تشكيلة الحريري. ويستبعد سعيد أن ينجز الحريري مهمته بسهولة.

ويشير للجزيرة نت إلى أن لبنان بعد الاستشارات قد يدخل في أزمة جديدة في حال اشتدّ الخلاف بين الحريري وعون، الذي لن يقبل تغييبه عن عملية التأليف واختيار الوزراء. وقال إن "حزب الله في هذه الحالة سيقف متفرجًا على الطرفين للاستفادة من الوقت الضائع، إلى أن يدرك الجميع أن الأزمة في لبنان ليست سياسية ولا داخلية، بل هي أزمة نظام لا يصلح للاستمرار".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تسود لبنان حالة من المراوحة إثر إعلان رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون إرجاء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس وزراء يتولى تشكيل الحكومة الجديدة في البلاد مدة أسبوع، بعد أن كانت مقررة اليوم.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة