تحذيرات من نبش الوقائع.. كيف ستفكك زيارة بنسودا لغز مثول البشير أمام محكمة لاهاي؟

محمد حمدان دقلو أثناء استقباله فاتو بنسودا (الأناضول)
محمد حمدان دقلو أثناء استقباله فاتو بنسودا (الأناضول)

على الرغم من انقضاء سحابة أول يوم من زيارة مدعية المحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، للخرطوم؛ لكن لقاءاتها مع مسؤولي الحكومة السودانية لم تجب على الأسئلة الكبرى المتعلقة بطريقة مثول مطلوبي محكمة لاهاي.

وفي أول زيارة لبنسودا لا تملك هيئة الدفاع عن الرئيس المعزول عمر البشير إلا الترقب في انتظار ما تسفر عنه الزيارة، التي شملت لقاءات في القصر الرئاسي، الذي أقام فيه البشير 30 سنة قضى منها أكثر من 10 سنوات، وهو يقاوم المحكمة.

وطبقا للمحامي محمد الحسن الأمين، عضو هيئة الدفاع عن البشير، فإن الهيئة لن تسعى لمقابلة بنسودا، ولن تطلب إيضاحات من الحكومة بشأن زيارتها طالما أن الزيارة لن تمس المتهمين، الذين تدافع عنهم الهيئة، قبل أن يضيف "إذا مستهم فنحن نعرف كيف نتعامل معها".

لكن في ثنايا التصريحات، التي أدلت بها بنسودا، فإن زيارتها تهدف للتباحث مع السلطات السودانية حول أوامر التوقيف الأخرى، التي أصدرتها المحكمة الجنائية فيما يتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور.

إعادة التحري
وأنعش وصول بنسودا للسودان آمال المطالبين بتسليم البشير وبقية المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية للحد، الذي طالبوا معه بإعادة قضية دارفور في المحكمة إلى مرحلة التحري.

وطبقا لنفيسة حجر، مسؤولة أمانة حقوق الإنسان والحريات في هيئة محامي دارفور، فإن الدعاوى التي تنظر فيها المحكمة الجنائية وقعت ما بين 2003-2005، وهي جرائم محدودة مقارنة بالانتهاكات الجسيمة، التي شهدها إقليم دارفور بعد ذلك.

وتقول نفيسة للجزيرة نت إن الأدلة والبينات والشهود وكل ما تعتمد عليه المحكمة يحتاج إلى تحديث لطول الفترة والانقطاع، الذي شهدته القضية حتى سقوط البشير في 11 أبريل/نيسان 2019، وحتى توقيف علي كوشيب أحد قادة مليشيا الجنجويد في يونيو/حزيران الماضي.

وأصدرت المحكمة في 2007 و2009 و2010 و2012، مذكرات اعتقال بحق كل من البشير ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الداخلية الأسبق أحمد هارون، وكوشيب بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور.

عمر البشير يواجه مذكرة توقيف بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة في دارفور (الأوروبية)

فك اشتباك
وتشير نفيسة إلى أن هناك بلاغات لم يتمكن الضحايا من فتحها لصلة الجرائم بدستوريين أو نافذين في النظام السابق.

وتضيف أنه من أجل قضية متماسكة لا بد للمحكمة أن تعمل على أرض الواقع، وتستمع للشهود الذين حضروا الوقائع، وترسم تصميما أوليا لمسرح الجرائم بدارفور، وتجري تحقيقا ميدانيا كاملا.

وتتابع "الآن القضية انتقلت من التحري للمحكمة، ولا أدري ما إذا كان نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية يسمح بإعادة البلاغ لمرحلة التحري؟".

وتؤكد أن لقاءات بنسودا مع مسؤولي الحكومة لا بد أن تزيل اللبس الحاصل بشأن تعدد الأصوات المطالبة بعقد محاكمات الجنائية داخل السودان، أو في دولة أخرى بالإقليم، أو إجرائها في مقر المحكمة بلاهاي.

وتذكر أنه لا بد من اتفاق واضح بين المحكمة الجنائية الدولية والحكومة السودانية، ممثلة في وزارة العدل، ينص بوضوح على إعادة تسليم البشير وأعوانه للسودان بعد المحاكمة لوجود دعاوى أخرى بالداخل في مواجهتهم، حتى لا يطلبوا اللجوء لدولة أخرى حال تمت تبرئتهم.

وتكشف أن هيئة محامي دارفور طلبت لقاء بنسودا لتسليمها مذكرة تطالب بإعادة التحري إلى جانب مذكرة أخرى لمجلسي السيادة والوزراء، ووزارة العدل، والنائب العام تطلب اتفاقا مع المحكمة الدولية يضمن إعادة المتهمين بعد محاكمتهم.

طرق المثول
ومنذ أن أعلن عضو الوفد الحكومي المفاوض، محمد حسن التعايشي، من جوبا في فبراير/شباط الفائت الاتفاق على مثول البشير أمام المحكمة الجنائية دار لغط حول طريقة هذا المثول، وهل يعني الاتفاق تسليمه إلى لاهاي؟

وبحسب محمد حسن هارون، أمين الإعلام بحركة تحرير السودان، جناح مني أركو مناوي، فإن المفاوضات في جوبا ناقشت مصطلح المثول باستفاضة.

ويقول هارون للجزيرة نت "المهم أن تتم المحاكمة وفقا لميثاق روما، المكان ليس شيئا أساسيا؛ إلا أن المهم هو الجهة التي ستجري المحاكمة".

وتعد الحركات المسلحة، التي تقود تمردا في دارفور منذ العام 2003 من أبرز الجهات صاحبة المصلحة، التي تنادي بمحاكمة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية.

ويفيد هارون أن الحركة تؤيد زيارة مدعية المحكمة، قائلا إن الزيارة مطلبية لأهل دارفور، وعليه فالحركة تعتبرها طبيعية وخطوة جادة لتحقيق العدالة، وتترك أثرا طيبا في نفوس ذوي الضحايا.

ويرى أن محاكمة البشير عبر محكمة لاهاي تحقق أحد ركائز شعار ثورة ديسمبر/كانون الثاني المتمثل في "حرية سلام وعدالة".

بنسودا أجرت سلسلة لقاءات مع المسؤولين السودانيين حول أوامر التوقيف بحق عدد من قادة النظام السابق (الأناضول)

نبش الجرائم
في مقابل ذلك يرى عضو هيئة الدفاع عن البشير والقيادي في حزب المؤتمر الوطني المنحل، محمد الحسن الأمين، أن موقفهم تجاه المحكمة ما زال ثابتا في أنها محكمة سياسية وانتقائية لا تحكم بالعدالة.

ويشدد أن القضاء السوداني قادر بعد الثورة وراغب بشدة في محاكمة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية، وانتفت شكوك القدرة التي سادت إبان النظام السابق، وهو ما يسقط ولاية المحكمة الجنائية.

واعتبر تسليم أو مثول البشير أمام هذه المحكمة، وهو الذي كان قائدا للجيش ويمثل شرفه، غير لائق، وحذر من أن الجيش حال سماحه بهذه المحكمة، فإن التحريات ستجر الكثير من المعلومات والأشخاص، ويصبح السودان نهبا لمحاكمات عديدة.

ومنذ اشتعال الحرب بدارفور عام 2003 تورط مسؤولون في النظام السابق وقادة بالجيش وقوات الدعم السريع، ما زالوا في الخدمة، في انتهاكات حقوقية تدعو للمحاسبة، وفقا لمراقبين.

ويعزو التأخر في محاكمة المطلوبين للجنائية أمام المحاكم الوطنية إلى طبيعة القضايا، التي حوكم بها البشير، ويحاكم حاليا؛ مثل قضية انقلاب 30 يونيو/حزيران 1989، حيث تأخذ وقتا طويلا.

وكانت بنسودا قد أجرت لقاءات مكثفة في أول يوم لزيارتها، التي تمتد حتى الأربعاء القادم، شملت رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ونائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، وعضو مجلس السيادة محمد الحسن التعايشي، ووزير العدل نصر الدين عبد البارئ.

وأبدى مسؤولو الحكومة السودانية استعدادهم للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، من دون أي توضيحات؛ ما إذا كان هذا التعاون سيشمل تسليم البشير وبقية المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يبدو أن تسليم الرئيس المعزول عمر البشير وأربعة من مساعديه للمحكمة الجنائية الدولية أصبح مسألة وقت فقط، حيث أكدت الحكومة الانتقالية عزمها تسليم كل من صدرت بحقهم أوامر قبض من المحكمة الدولية، مؤكدة أن قرارها يأتي تطبيقا للعدالة الانتقالية. تقرير: أحمد الرهيد تاريخ البث:2020/2/12

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة