الأب عبد الله يوليو.. "كابوتشي" المقاومة الشعبية المتيم بفلسطين

كان زيه التقليدي كرجل دين العلامة الفارقة بين عشرات المتظاهرين الذين استعدوا للاحتجاج سلميا رفضا لأمر إسرائيلي بمصادرة الأرض لأغراض عسكرية، أو بهدف الاستيطان، أو ضد انتهاكات الاحتلال التي لا تعد ولا تحصى.

هو عربي الاسم، غربي الأصل من إيطاليا، أما النشأة فقد تقاسمها بين هذا وذاك، ليكون الوصف للأب عبد الله يوليو مناضلا لدعم قضية يرى عدالتها واضحة كقرص الشمس، فانخرط في ثناياها كرجل سياسي، وتقدم صفوف مقاومتها الشعبية.

في مسكنه داخل كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك في مدينة رام الله بالضفة الغربية، تجده كراهب جعل الدنيا وراءه وتفرغ للعبادة؛ ففي الصباح يعد نفسه للصلاة، ثم يباشر عمله بقضاء حوائج رعيته ومن يقصده في مكتبه الخاص في المكان ذاته، فالكنيسة في تفسيره "هي الشعب".

مشينا خطوات بين منزل الأب يوليو والكنيسة، بعض المارة والجيران استوقفوه لحل مشكلة أو سؤال لديه، وهناك آخرون ألقوا عليه السلام ومضوا، "فأبونا" بات وصفا يعم المكان، وينادي به كل من يعرفه.

الأب عبد الله يوليو خلال إحدى مشاركاته الشعبية في نابلس بالضفة الغربية (الجزيرة)

من فلسطين وإليها

لم نضل الطريق إليه، سألنا أحد المارة عن اسم الكنيسة فرد "أتقصدون الأب يوليو؟" وأشار بيده صوب الكنيسة، فأدركنا لحظتها الحضور الذي يشكله الرجل، وكيف أضحى علما في ميدان المقاومة الشعبية.

متنقلا بين روما والمغرب العربي وفلسطين ولبنان، قضى الأب يوليو (68 عاما) سنوات طويلة من عمره في التعلم ورعاية الأديرة، وظلت فلسطين شعبا وقضية حاضرة في أجندته، وظل حبل ودها قائما بعضويته في اتحاد الفلسطينيين بجامعة روما الحكومية، ومنها ومن احتكاكه بالجاليات العربية تعلم اللغة العربية وأضافها لقاموسه اللغوي في الفرنسية والإيطالية والإنجليزية.

ومنذ أن أصبح قسيسا كانت وجهته المحببة فلسطين وكنيستها "عربية الجذور"، فخدم بها 14 عاما قبل أن يغادرها أواخر الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة)، ثم يعود مجددا قبل 9 سنوات.

المطران هيلاريون كابوتشي قدوة ومعلم الأب يوليو في حب فلسطين (الجزيرة)

وبين الفترتين، قضى أعواما بالقرب منها يتعلم اللاهوت المقدس في صيدا بلبنان، ليضيف لشهادة الدكتوراه في "الإسلاميات وتاريخ العرب" علما آخر، فعاش "الزمن الجميل"، حسب وصفه، بين جنوب لبناني مقاوم ومخيم فلسطيني صامد وثائر يكافح "لجعل الحلم الفلسطيني حقيقة قريبة".

كل ذلك أسهم في صقل وطنية الأب يوليو، وعزز انتماءه لفلسطين، فضلا عن لقائه شخصيات مناضلة كالرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، والمطران الوطني هيلاريون كابوتشي الملقب "بحارس القدس"، والذي دعاه يوما فقال "حاول أن تكون رجل الله وليس رجل دين، فكلنا رجال دين ولكن رجال الله قلة بيننا".

جُبنا بأعيننا غرفة مكتبه وزواياها التي تحوَّلت لصالة عرض تحوي أوسمة وصورا تقلدها يوليو تكريما، أو التُقطت له مع شخصيات فلسطينية اختلفت مشاربها فكرا ودينا، في حين برزت في الواجهة صور وملصقات للمطران كبوجي، وقد ذيل أسفلها مقولاته الشهيرة حول القدس وفلسطين.

 

لا يخلو مكتب الأب يوليو من الأوسمة التي تقلدها عرفانا بجميل صنعه (الجزيرة)

حضور المقاومة
وفي ردهة المنزل والواجهة الأمامية، عُلِّقت خريطة فلسطين التاريخية، أو خريطة "الحلم الفلسطيني" وفق وصفه، من بحرها إلى نهرها، ومن شمالها لجنوبها؛ لتكون أول ما يبصره كل صباح وتسقط عليه أعين الزوار.

وعلى الأرض ترجم الأب يوليو الأقوال والشعارات أفعالا، فانخرط في صفوف المقاومة الشعبية وتقدمها، ليس كراهب كنيسة أو لكونه عضوا في المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بل لأنه يعتبر نفسه مناضلا على درب من مضى لتحرير فلسطين من نير الاحتلال وظلمه.

يدور الأب يوليو في فلك المقاومة الشعبية لأنها المطلوبة الآن بقرار القيادة السياسية الفلسطينية، دون أن يسقط من قاموسه أيا من أشكال النضال ضد الاحتلال، فهو ممن عاشوا معنى المقاومة أيام "الزمن الجميل" في لبنان.

ويقول إنه ورغم مشاركاته الدائمة في المقاومة الشعبية، فإن نجمه لمع وبقوة في فعاليات "الخان الأحمر" شرق القدس قبل عامين، والتي شكلت نقطة تحول لديه في الصعيد ذاته.

يقاوم بين الكنيسة والميدان في خدمة أبناء شعبه الفلسطيني (الجزيرة)

سألناه عن سر نضاله ضد الاحتلال كرجل دين مسيحي، فأجاب أن الالتزام بالميدان واجب الجميع؛ مسيحي ومسلم، و"نحن جزء من الشعب الفلسطيني ولسنا أقلية"، إضافة إلى إسهامات المسيحيين العرب بجانب المسلمين في "صناعة الحضارة العربية الإسلامية"، على حد قوله.

ويضع نفسه تحت المظلة الفلسطينية، "ولكن دون تعصب"، ويقول إن القضية هي من تبناه، ويضيف "عن طريق العرب أحببت فلسطين وعن طريق فلسطين أحببت العرب والعروبة".

بين ثنايا الحديث، كان الأب يوليو يردد مقاطع من أغنية للفنانة اللبنانية جوليا بطرس "الحق سلاحي وأقاوم، أنا فوق جراحي سأقاوم"، ثم ينتفض غضبا ليقول إنه مخطط "شيطاني خبيث" يحيكه "العدو" لتصفية وتحطيم الأمة وتقسيم الشعب.

وهو يدرك عواقب أن تكون فلسطينيا تواجه احتلالا إسرائيليا وخذلانا عربيا، فضلا عن فجوة بين القيادة الفلسطينية والشعب، ويقول إنه لا يملك حلا خاصا به، بل يعتبر نفسه جزءا من منظمة التحرير ويتبنى حلولها المتمثلة الآن في المقاومة الشعبية.

الأب يوليو يشارك في جل فعاليات المقاومة الشعبية ويتقدم الصفوف (الجزيرة)

في سبيل إنجاحها
ولتطوير المقاومة الشعبية -في رأي الأب يوليو- لا بد من انخراط الكل الفلسطيني فيها؛ قيادة وشعبا، بحيث تتحول لحالة غضب عارمة تتبناها إرادة سياسية صادقة تترجم القرارات واقعا، خاصة في ما يتعلق بالدعم المادي للمواطنين، وأن تعود كل الفصائل لتلعب دورها.

ودعا لإعادة التثقيف الشعبي بمقاطعة إسرائيل اقتصاديا، وتعزيز روح الفداء للأرض؛ "فالفداء لا مقابل له"، وأن يُقابل الحراك الميداني تدويل حقيقي وجاد للملف الفلسطيني، ويؤمن بأن المقاومة الشعبية لا تحرر البلد وحدها، ولكنها تشكل ضغطا وتعطي زخما للمعركة السياسية التي ستدحر إسرائيل وتجبرها على التراجع.

وبينما كنا في حضرة الأب يوليو ونستعد للمغادرة، جاءه اتصال هاتفي يخبره بموعد فعاليتين في مدينتي نابلس وسلفيت رفضا للاستيطان في اليوم التالي، فأجاب بالموافقة، وقال إنه لا يكاد يترك فعالية إلا ويشارك فيها، وهو الآن أحد رموزها وقادتها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة