انفجار المرفأ زاد الطين بلة.. ساحات لبنان خاوية على عروشها بعد عام من حراك 17 أكتوبر

ساحة الشهداء التي شهدت احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول (الجزيرة)
ساحة الشهداء التي شهدت احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول (الجزيرة)

عند أول شارع الحمرا في بيروت، ينشغل علي عريدي (60 عاما) بتحضير فنجان قهوة لأحد زبائنه العابرين.

يقف حزينًا بعد أن كان يعمل في إحدى دور النشر، لكن الظروف الاقتصادية أجبرته أن يصبح عاملا لبيع القهوة، مقابل دخل زهيد لا يكفيه ثمن فاتورة دوائه.

يتأمل عريدي شوارع بيروت وساحاتها بعد عام من انطلاق حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول، فيجد أن ملامح المدينة تغيرت وكذلك ناسها "الذين يعبُرون من دون أن يضحك أحد بوجه الآخر"، وفق تعبيره.

ويرى أن تلك الاحتجاجات التي عمت لبنان لأسابيع طويلة، لم يبق منها سوى الشعارات المطبوعة على الجدران، بعد أن خلت الساحات من ناسها.

وقال عريدي للجزيرة نت، إن "هوية بيروت تغيرت، ولم نعد نشبه فيها أنفسنا، بعد أن صار معظمنا فقراء في عام واحد فقط قضى على حياتنا ومستقبل أولادنا".

علي عريدي اضطرته الظروف الاقتصادية إلى بيع القهوة مقابل دخل زهيد (الجزيرة)

وعلى بُعد مئات الأمتار من علي، يجلس جاد (40 عاما) مع رفيقه كريم (36 عاما).

وفي الذكرى الأولى لحراك 17 أكتوبر، يُشبّه جاد شوارع بيروت بمشهدها خلال الحرب الأهلية في عام 1975، ولكن بقالب جديد، موضحا للجزيرة نت أن الشوارع في تلك المرحلة، كانت تغزوها السواتر الترابية، ودُمرت المراكز الرسمية، وأغلقت المؤسسات أبوابها.

ومع ذلك يرى جاد أن بيروت في أيام الحرب الأهلية كانت أفضل حالا، وحينها "كانت الناس تفرش بسطاتها للبيع والسهر في شارع الحمرا الذي كان يشكل نبض بيروت، قبل أن يصبح منكوبا بفعل إغلاق محلاته، وتحول رواده إلى عاطلين عن العمل".

أما كريم، وعلى الرغم من مناصرته لحراك 17 أكتوبر، فيرى أن ساحات بيروت كانت قبل ذلك تنعم بملامح الحياة ومظاهر الحركة الاقتصادية، لكنها دخلت في موت سريري إلى أن دوّى انفجار المرفأ في 4 أغسطس/آب كلعنة سقطت على المدينة -وفقا لتعبيره- "لتصبح بيروت منكوبة كأننا نعيش حربا دون انتشار مسلح".

احنجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول بدأت عفوية ثم اخترقتها قوى سياسية مختلفة (الجزيرة)

ساحات حراك وانفجار
من يعرف شوارع بيروت وساحاتها قبل عام، يدرك أن ثمة تغيرا جذريا طرأ عليها.

من ساحة الشهداء المطلة على مرفأ بيروت يتجلى مشهدان متناقضان، مشهد بقايا الحراك مطبوعة على الجدران ومجسم قبضة يد "الثورة" بكل ما يحمل من تحد وغضب شعبي، ومشهد بقايا الانفجار الذي دمّر جزءا كبيرا من بيروت بكل ما يحمله من حزن وخيبة.

لذا يبدو وسط بيروت مشلولا، لا يكسر رتابته سوى مرور السيارات وبعض العابرين، بعد أن صُفّحت مؤسساته وفنادقه ومصارفه بالحديد أو أغلقت أبوابها.

وتحول جسر "الرينغ" إلى مركز رمزي للحراك المطلبي، وأسواق بيروت التي كانت تشكل شريان المدينة الاقتصادي والاجتماعي نالت نصيبا كبيرا من تداعيات المواجهات العنيفة بعد 17 أكتوبر/تشرين الأول إلى أن قضى عليها انفجار المرفأ.

حتى الشعارات التي طبعت جدران الساحات، كانت متنوعة في مضمونها وخلفياتها، مما يؤكد أن الحراك الذي خرج عفويا بلورت كل مجموعة فيه توجهاتها وأهدافها، فتراوحت بين شعارات ماركسية وشيوعية، وأخرى ضد أركان السلطة، وشعارات داعية للدولة المدنية أو العلمانية أو لنبذ الطائفية، وغيرها من الشعارات الراديكالية أو الداعية للفوضى، حتى الشتائم غزت جدران بيروت وساحاتها.

انفجار المرفأ أوقع أكثر من 190 قتيلا ودمّر أجزاءً من العاصمة (الأناضول)

لكن، كيف يمكن قراءة هذه التحولات الطارئة على ساحات بيروت بعد حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول؟
ترى الكاتبة والباحثة في علم الاجتماعي السياسي نهلة الشهال أن التحول الكبير الذي طرأ على وسط بيروت، سواء بعد حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أو بعد انفجار 4 أغسطس/آب 2020، هو أن العاصمة صارت "بلا بشر".

وتعتبر في حديثها للجزيرة نت، أن التجمع الشعبي الغفير الذي كانت تشهده الساحات، وضم مواطنين ومواطنات من مختلف الأعمار والمناطق والطوائف والأمزجة، كان مشهدا طارئا ومدهشا بجماليته، لكنه لم يعد موجودًا.

وقالت الشهال إن غياب التجمعات البشرية عن ساحات المدينة لا يعني أنها اندثرت، "بل لم تعد متمظهرة ككتلة حاضرة، وفقدت زخمها بحكم الوقت، والانهيار الاقتصادي، ثم تداعيات تفشي الوباء وانفجار المرفأ".

وبعد عام من انطلاق الحراك الشعبي، تجد الشهال أن ساحات بيروت صارت حزينة، وتشير إلى أن ثمة مشهدا أثّر بها أثناء مرورها بوسط بيروت حيث وجدت شعارا تضامنيا على أحد الجدران مع ناشطين مصريين يقول "الحرية لماهينور المصري وعلاء عبد الفتاح"، وهو ما يدل -وفقا للمتحدثة- على تخاطب بين الساحات العربية المنتفضة.

وتعتبر الكاتبة أن انفجار المرفأ جسّد بدماره مشهد عجز وفساد السلطة التي كانت تندد برفع الشعارات ضدها، وتسخط من شغب المتظاهرين.

أما الشتائم التي تغزو بعض جدران بيروت، فترى الشهال أنها تعكس في مضمونها غضب الناس العاجزين عن تجسيد مطالبهم بطريقة فكرية وسياسية، "لأن أدواتهم التغييرية بوجه السلطة صارت محدودة".

تدهور الحالة الاقتصادية كان سببا في اندلاع حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول (الجزيرة)

من جهته، قال الشاعر والكاتب اللبناني فادي طفيلي للجزيرة نت، إن ساحة النجمة التي يتوسطها البرلمان صارت أشبه بحصن أمني، وتحولت من ساحة مدنية إلى مساحة يخضع فيها التحرك للضرورات الأمنية، مما أظهر أيضا -وفق طفيلي- مشهدين متناقضين، ساحات في وسط بيروت متفلتة يغزوها المتظاهرون ساعة يشاؤون على الرغم من المواجهات الأمنية، وساحات أخرى تحولت إلى حصون أمنية تكون فيها المواجهات أشد قسوة.

ويلحظ طفيلي أن تظاهرات 17 أكتوبر/تشرين الأول أعادت الناس إلى الفضاء المكاني في بيروت، فصاروا يحتكون به ويرسمون من خلاله خريطة تحركاتهم، وإذا اشتدت المواجهات في ساحة يلجؤون إلى أخرى.

ويضيف، أن الساحات بالمعنى المكاني والجغرافي لم تكن حيّة في بيروت، "لكن الناس بعد 17 أكتوبر/تشرين الأول صنعت ساحاتها بنفسها للتعبير عن مواقفها، وهو ما تجلى في شارع الحمرا بعد أن تحولت مساحته الضيقة إلى ساحة مركزية للتظاهر ضد المصارف".

لذا، يرى طفيلي أنه لا يمكن إعادة صوغ حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول، وتجديده خارج هذه الساحات التي شكلت متنفسا لتعبير الناس عن أنفسهم ومواقفهم ومطالبهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يبدو واضحا في رسائل انتفاضة اللبنانيين إعلان شبابهم وشاباتهم الكفر بنظام المحاصصة القائم، الذي كرسه سياسيون فاسدون، استعملوا الطائفة والدين في التمكين لجملة من المصالح والمكتسبات على حساب مصلحة المواطن.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة