أمة واحدة في دولتين.. هكذا يعيش الأتراك الحرب الأذرية الأرمينية

مواطنون في إسطنبول يرفعون الأعلام التركية والأذرية (رويترز)
مواطنون في إسطنبول يرفعون الأعلام التركية والأذرية (رويترز)

بعد ساعات من انطلاق شرارة الحرب بين أذربيجان وأرمينيا، أثارت ألوان الأزرق والأحمر والأخضر -والتي ترمز لعلم أذربيجان- انتباه سكان أنقرة وقد أنارت برج أتاكولي رمز العاصمة التركية، في إشارة إلى القرابة والتضامن والأخوة التي تجمع الشعبين الأذري والتركي.

وعرضت الشاشات الكائنة في أعلى البرج عبارة "أمة واحدة في دولتين، مع المحبة لأذربيجان الروح" في وقت تموج علما البلدين في الشاشات الضوئية المنحنية العملاقة الموجودة على واجهة مركز التسوق التابع للبرج.

ومنذ بدء الحرب يتصدر وسم (Azerbaycan) الترند التركي على موقع تويتر، بعد أن عبّر مئات آلاف الأتراك على مواقع التواصل الاجتماعي عن وقوفهم إلى جانب أذربيجان.

ومن جانبه قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سلسلة تغريدات على حسابه في تويتر "إن الشعب التركي يقف بكل إمكاناته إلى جانب شقيقه الأذربيجاني كما فعل دائما".

وفي وقت سابق، أصدرت 4 كتل برلمانية كبرى في البرلمان التركي، هي أحزاب "العدالة والتنمية"، و"الشعب الجمهوري"، و"الحركة القومية" و"الخير"، بيانا مشتركا أدانت فيه "اعتداء أرمينيا المستمر على أراضي أذربيجان".

أعلام أذربيجان وتركيا في أحد شوارع العاصمة الأذرية باكو (الأناضول)

ويعتبر الإجماع الحزبي بمثابة انعكاس طبيعي لحالة الإجماع الشعبي في تركيا على ضرورة الوقوف إلى جانب أذربيجان، حتى لو كلّف ذلك الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وربما حرب واسعة مع أرمينيا.

ويعكس هذا المشهد حالة الإجماع الداخلية، على عكس الانقسامات الموجودة بين الشعب التركي حول أولوية التدخل العسكري التركي في سوريا وليبيا وغيرها من المناطق.

وجاب الأتراك والأذريون الشوارع المحيطة بميدان بايزيد في إسطنبول رافعين الأعلام الأذرية والتركية بالإضافة لصور قتلى من الجيش الأذري كانوا قد سقطوا في المعارك الجارية، حيث رددوا الشعار التركي الشهير "الشهداء لا يموتون والوطن لن يفنى".

مشاعر حب ووفاء
وفي استطلاع أجرته الجزيرة نت لآراء عينة من الشعب التركي حول مواكبتهم للحرب الدائرة على جبهة قره باغ، تقول تورتال تكين "تربطنا بأذربيجان علاقات قرابة وصداقة وثيقة، ونحن نعيش اليوم حزن الأذربيجانيين وغضبهم على الجزء المحتل من بلادهم في منطقة ناغورني قره باغ".

ومن جهة أخرى، تشير تكين إلى أن الأتراك لديهم إخوة وأخوات وأصدقاء من الأرمن أيضاً، والسكان الأرمن في تركيا جزء لا يتجزأ من المجتمع التركي "ولا يوجد أدنى رابط بين الغضب من سياسات الحكومة الأرمينية ومشاعرنا تجاه مواطنينا" الأرمن.

أما أوزار يلماز فيذكر أن الشعب التركي يرتبط بمشاعر الحب والوفاء لأذربيجان حكومة وشعبا. ويفيد بأن قلبه وقلوب جميع أبناء الشعب التركي تتطلع إلى اليوم الذي يتم فيه تحرير كامل التراب الأذربيجاني. وقال "نحن ننتظر الإشارة من حكومتنا للتطوع مع إخوتنا الأذريين في نضالهم العادل".

ويوضح أن الهجمات الأرمينية تركت جروحا عميقة في قلوب أبناء الشعب الأذربيجاني "لذلك نرى اليوم أن الأذربيجانيين والأتراك على قلب رجل واحد لتحرير كامل التراب الأذري من الاحتلال".

من جهته، يؤكد الصحفي إسماعيل ياشا أنه والشعب التركي يتابعون بحماس شديد معركة التحرير التي تخوضها أذربيجان اليوم، خاصة أنها تملك كافة الأسباب القانونية والإنسانية والأخلاقية لمواصلة الحرب حتى تحرر آخر شبر من أراضيها المحتلة.

ويقول ياشا "هناك مخاوف من انشغال تركيا بأزمة قره باغ، واستنزافها، واضطرارها للابتعاد عن شرق المتوسط، إلا أن هذه المخاوف ليست في محلها، لأن تركيا حاليا ليست في ساحة المعركة في قره باغ، ولا حاجة لها، في ظل تفوق الجيش الأذربيجاني على الأرميني عسكريا ولوجيستيا".

ويشدد على أن تركيا اليوم أقوى بكثير من تركيا التسعينيات، وقادرة على التنافس في أكثر من جبهة دون أن يتراجع اهتمامها بإحدى تلك الجبهات، بل ويتعزز نفوذها الإقليمي مع كل ملف جديد يظن الواهمون أنه سيشغلها عن بقية الملفات.

دعم خيري
وقدم الهلال الأحمر التركي حقائب إسعافات أولية للأذربيجانيين، على خطوط الجبهة مع أرمينيا.

وقال مكتب تنسيق الهلال الأحمر التركي بالعاصمة باكو في بيان إنه قدم 500 حقيبة إسعافات إلى جمعية الهلال الأحمر الأذربيجانية. مضيفا أن الأذريين سيستخدمون الحقائب الإسعافية في معالجة الجرحى المصابين جراء القصف الأرميني على خطوط الجبهة في مدن ترتر وآغدام وفضولي وداشكسن ونفتالان وغورانبوي.

كما قدمت الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" آلاف السلات الغذائية للسكان المقيمين في مناطق الاشتباك.

وعادة تستقبل أنقرة الجرحى الأذريين الذين يصابون في الاشتباكات مع القوات الأرمينية بشكل مستمر. وتستخدم وسائل الإعلام الرسمية التركية تعبير "شهيد" عند الحديث عن قتلى القوات الأذربيجانية برصاص الأرمينية.

وبين تركيا وأذربيجان مجلس للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، يعكس عمق العلاقات وحجمها على كل الصعد، بما فيها العسكري والاقتصادي.

أتراك يتظاهرون في العاصمة للتضامن مع أذربيجان (رويترز)

جذور التضامن التركي
وترجع جذور التضامن التركي مع أذربيجان في وجه أرمينيا وروسيا إلى عام 1918، عندما أمر السلطان العثماني بإرسال جيش بقيادة نوري باشا تحت اسم "جيش القوقاز الإسلامي" لمواجهة البلاشفة وتحرير العاصمة الأذرية الحاليّة باكو، وهي المعركة التي شارك في الاحتفال بمرور قرن على اندلاعها الرئيس التركي أردوغان في زيارته إلى أذربيجان بعد انتخابه رئيسًا عام 2018 مباشرةً.

فتركيا هي الأولى في العالم التي اعترفت بأذربيجان دولةً مستقلة، نوفمبر/تشرين الثاني عام 1991 بعد انفصالها عن الاتحاد السوفياتي، ومنذ ذلك الحين وحتى 2010 فقط، وقع البلدان أكثر من 11 اتفاقية تعاون متنوعة، في الثقافة والاستثمار والعلاقات العسكرية، وبحلول 2019 بات دخول البلدين ذهابًا وإيابًا ممكنًا دون الحاجة إلى تأشيرة.

كما تعتبر الأذرية واحدة من أقرب اللغات إلى التركية، وينتمي الشعب الأذري عرقيًا إلى الجنس التركي، ويشترك الشعبان في الإسلام عقيدةً وحتى في الجوانب الفقهية، ومنذ الاستقلال وحتى عام 2018 فقد تعلم أكثر من 125 ألف شاب من أذربيجان في مدارس تركيا وجامعاتها.

وتعد أذربيجان بالنسبة لتركيا جزءًا مهمًا في عدد من التحالفات الصغيرة والكبيرة التي تربطها معًا أواصر الجغرافيا الثقافية، مثل المجلس التركي الذي أنشئ عام 2009 ليضم عددًا من الدول الناطقة بالتركية مثل طاجيكستان وقرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان وأذربيجان، والتحالف الثلاثي شمال شرق الأناضول الذي يضم أذربيجان وجورجيا بالإضافة إلى تركيا، والتحالف السداسي الذي يضم إلى جانب الثلاثي السابق إيران وباكستان وتركمانستان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري بين أذربيجان وأرمينيا، أبدت الأخيرة استعدادها للاعتراف باستقلال إقليم قره باغ، وهو ما يطرح أسئلة حول ماهية “التنازلات المتبادلة”؟ وما وراء الخطورة الأرمينية؟

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة