في تحقيق حصري.. الجزيرة تكشف تورط مسؤولين قبارصة في بيع جوازات السفر للمجرمين

يتورط العديد من كبار المسؤولين القبارصة -بمن في ذلك السياسيون والمحامون وكبار رجال الأعمال في قطاع تطوير العقارات- في مخطط يمكن أن يتيح للمجرم شراء جواز سفر أوروبي من خلال برنامج الاستثمار مقابل الجنسية الذي ينفذه البلد، كما كشف عن ذلك تحقيق للجزيرة.

وفي "أوراق قبرص.. المهمة السرية" تكشف الجزيرة كيف يعبر كبار المسؤولين في البلاد عن استعدادهم لمساعدة ودعم المجرمين المدانين في الحصول على الجنسية القبرصية التي تفتح أمامهم أبواب الأسواق المحلية في الاتحاد الأوروبي وتمكنهم من السفر بحرية دون الحاجة إلى تأشيرة الدخول.

ومن المتورطين رئيس البرلمان ديمتريس سيلوريس وعضو البرلمان كريستاكيس جيوفاني الذي يملك واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد.

رئيس البرلمان القبرصي ديمتريس سيلوريس متحدثا مع مراسل الجزيرة المتخفي (الجزيرة)

يأتي هذا الكشف بعد شهرين من نشر وحدة تحقيقات الجزيرة ما تسمى "أوراق قبرص"، وهي عبارة عن 1500 وثيقة مسربة تثبت أن قبرص فشلت بانتظام في الالتزام بقوانينها، وسمحت للمجرمين المدانين والهاربين من العدالة في الحصول على الجنسية القبرصية.

بعد بث التحقيق دافعت قبرص عن برنامجها، وقالت إنه على الرغم من وقوع عدة أخطاء في السنوات الأخيرة فإن تشديد القوانين وإجراءات التدقيق في خلفيات المتقدمين بطلبات كانت تكفي لمنع المجرمين من الحصول على جوازات سفر.

رجل أعمال صيني مدان
يمنح برنامج الجنسية القبرصية مقابل الاستثمار جواز السفر القبرصي لأي شخص يستثمر 2.5 مليون دولار في البلد، والذي يحصل في العادة من خلال الاستثمار في العقارات.

منذ عام 2013 -عندما بدأ برنامج جواز السفر- أدخل البلد إيرادات تجاوزت 7 مليارات يورو (ما يعادل 8 مليارات دولار) استخدمت لنجدة الاقتصاد المتردي.

وعلى الرغم من أنه قانوني فإن البرنامج يتعرض باستمرار لنقد من الاتحاد الأوروبي ومن المنظمات غير الحكومية المعنية بمكافحة الفساد، والتي تقول إنه يسهل غسل الأموال المنهوبة من روسيا ومن غيرها.

وباستخدام مراسل متخف يدعى بيلي -الذي زعم أنه يمثل مستثمرا صينيا محكوما بالسجن 7 سنين بتهمة غسل الأموال- تمكنت وحدة تحقيقات الجزيرة من الوصول إلى بعض أرفع السياسيين منصبا ممن لهم علاقة بالبرنامج.

كان بيلي واضحا من البداية بشأن الحكم بالسجن، والذي من المفروض رسميا أن يفقد صاحب الطلب الوهمي الأهلية للتقدم إلى برنامج الاستثمار القبرصي.

ومع ذلك، وفي كل المستويات من صاحب شركة تطوير العقارات إلى رئيس البرلمان كان يقال لبيلي إن الحكم بالسجن لن يكون مشكلة طالما كان المبلغ المستثمر كافيا.

المحامي أندرياس بيتادجيس متحدثا لمراسلي الجزيرة المتخفين (الجزيرة)

في حديثه لبيلي، قال مقدم الخدمات المسجل لدى برنامج الاستثمار القبرصي أندرياس بيتادجيس "ليست هذه هي المرة الأولى التي نواجه فيها هذه المشكلة في قبرص".

وأضاف بيتادجيس "كان لدي شخص سجن لعامين بتهمتي الفساد وغسل الأموال".

وأضاف "كانت لدينا طرق لتبرير كل شيء، فتمكن من الحصول على الموافقة على طلب جواز سفره، ولديه الآن تأشيرة بانتظاره، بدون أدنى مشاكل".

بل اقترح بيتادجيس تغيير الاسم في جواز السفر، الأمر الذي سيسمح للمجرم المدان بعد حصوله على جواز سفر جديد بحمل هوية جديدة تماما، وقال "بالطبع نستطيع تغيير الاسم، هذه قبرص".

تكررت تأكيدات المحامي على لسان سياسيين رفيعي المستوى، فرئيس مجلس النواب ديمتريس سيلوريس والنائب في البرلمان كريستاكيس جيوفاني قالا إنهما سيعملان كل ما في وسعهما لاستخراج جواز سفر للمجرم الوهمي الذي يوظف بيلي.

وقال جيوفاني "ليس الأمر سهلا، ولكن بإمكاني أن أعدك بأنني والفريق الموجود هنا سنبذل كل ما في وسعنا، وأعتقد أن لدينا الخبرة".

أما سيلوريس فذهب إلى أبعد من ذلك حين قال "بإمكانك أن تخبره دون أن تذكر اسمي أو اسم أي شخص آخر أنه سيحظى بدعم كامل من قبرص، على أي مستوى: سياسي، اقتصادي، اجتماعي، كل شيء طيب".

طلبات عائلية
يجد برنامج الجنسية من خلال الاستثمار رواجا بين الأثرياء من بلدان مثل روسيا والصين وأوكرانيا، وذلك لأنه يمنحهم عبورا إلى الأسواق الأوروبية، وفي نفس الوقت يوفر لهم خيار الاحتفاظ بأموالهم بأمان بعيدا عن الأعين المتربصة بهم في أوطانهم.

ونتيجة لذلك، نشأت الكثير من المؤسسات التي تقوم على توفير الخدمات للمستثمرين الأثرياء بشكل خاص.

ومن تلك المؤسسات مجموعة جيوفاني المتخصصة بتطوير العقارات والتي أسسها عضو البرلمان كريستاكيس جيوفاني، وقال مديرها التنفيذي أنطونيس أنطونيو إنه ينبغي على الشخص الذي يعمل لديه بيلي (مراسل الجزيرة المتخفي) أن يأخذ بالاعتبار الاستثمار أكثر في قبرص، بمبلغ يصل إلى 20 مليون يورو، وذلك رغم معرفته بأنه كان مجرما مدانا.

كريستاكيس جيوفاني عضو البرلمان وصاحب مجموعة جيوفاني العقارية متحدثا مع مراسل الجزيرة المتخفي (الجزيرة)

قال أنطونيو في حديثه مع مراسل الجزيرة المتخفي "كلما استثمرت أكثر كنت في وضع أفضل، بإمكانك أن تتجاوز قائمة الانتظار كما نقول".

ولحل أي مشاكل قد تظهر، بيّن بيتادجيس أن الطلبات يمكن أن تقدم بأسماء أفراد عائلة من لا يسمح لهم بالتقدم بأنفسهم، وفيما بعد يمكن للمجرم أن يقدم طلبا للالتحاق بالعائلة.

وقال المحامي "كان لدي عميل يرغب في الاستثمار ولكنه لم يستطع، إلا أن زوجته استطاعت، لدي عميل أراد أن يستثمر لكنه لم يستطع، أما ابنه فاستطاع".

وأضاف "لا يمكنك جعل المشاكل تختفي، ولكن بإمكانك أن تحلها إذا توفر الحل".

وقال بيتادجيس إن إقناع البنوك القبرصية في العادة أصعب من إقناع السياسيين الذين ينبغي أن يوافقوا على الطلبات أيضا.

وقال المحامي "صياغة الاتفاق أمر سهل، يمكن لسكرتيراتي أن يقمن بذلك، ولكن إقناع البنك والحكومة بأن هذا الشخص وضعه شرعي عندما تكون هناك بعض المشاكل فذلك هو الجزء الصعب، كان لدي شخص رفض طلبه، لدينا بالمجمل 12 بنكا، رفضه 11 بنكا، 11 بنكا قالت له لا، اتصل وقال: أرجوك، هل تستطيع المساعدة؟ قلت له: بإمكاني المساعدة، سوف أجهز الملفات التي أريد وجمع الوثائق التي أريد، وخلال 15 يوما حصل على الموافقة".

منظومة تالفة تستعصي على الإصلاح
طبقا لما تقوله لاورا بريلود مسؤولة السياسات في قسم مكافحة الفساد لدى مؤسسة الشفافية الدولية غير الحكومية، فإن اللقطات المصورة تثبت أن برنامج الجنسية من خلال الاستثمار في قبرص برنامج فاشل.

وفي تصريح للجزيرة، قالت بريلود "ما يثبته كل ذلك هو أننا لسنا فقط إزاء قليل من التفاح الفاسد، بل إن المنظومة بأسرها تالفة وتستعصي على الإصلاح".

وأضافت "برنامج الجواز القبرصي وغيره من البرامج في البلدان الأخرى تشكل خطرا على النظم الدولية والجهود التي تبذل لتطبيق القانون، لأنها في واقع الأمر تفتح طريقا للعبور بعيدا عن الرقابة البنكية".

ودعت بريلود الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراء لتغيير برنامج جواز السفر المعمول به حاليا.

وقالت "يستخدم الاتحاد الأوروبي كنقطة جذب للراغبين في الاستفادة من هذه البرامج"، وأكدت أنه إذا لم يغير الاتحاد الأوروبي القواعد المعمول بها في هذا الشأن فسوف يزداد الوضع سوءا في المستقبل.

وأضافت "إذا لم يتم التعامل مع الأمر على مستوى الاتحاد الأوروبي فسوف يشجع ذلك الدول الأعضاء على الدخول في سباق نحو القاع، حيث تخفض كل واحدة منها شروط التحري المطلوب بهدف جذب أكبر عدد ممكن من العملاء".

ولدى مواجهة المتورطين في الأمر بما حصل عليه فريق الجزيرة المتخفي من أدلة نفوا جميعا ارتكاب أي مخالفات.

وقال أندرياس بيتادجيس إنه فهم منذ البداية أن ما كان مقترحا اشتمل على غسل أموال وعلى نشاطات إجرامية، وإن كل ما فعله منذ ذلك الحين إنما كان من باب "التصيد بحثا عن مزيد من التفاصيل".

كما أشار إلى أنه -وبعد أيام قليلة من مغادرة مراسلينا قبرص وإزاء إخفاقهم في تزويده بنسخة من جواز سفر مقدم الطلب المقترح- قام بتزويد وحدة مكافحة غسل الأموال في قبرص بتقرير عن الموضوع.

كريستاكيس جيوفاني وأنطونيس أنطونيو من مجموعة جيوفاني أخبرانا بأنهما كانت لديهما شكوك حول مقدم الطلب المقترح وتداولا بشأنها مع بيتادجيس.

وقالا إنهما أكدا باستمرار وبشكل واضح أنه ينبغي إقناعهما "بشرعية المستثمر ومصادر أمواله" قبل التعامل مع أي طلب.

وقالا إن تعاملهما المستمر مع مراسلينا المتخفيين إنما كان يقصد منه جمع المعلومات لدعم تقرير يعد للسلطات دون "إنذارهم مسبقا".

وقال ديمتريس سيلوريس إنه لم يقدم أي خدمات لمقدم الطلب المقترح، وإنه تارة أخرى اعتمد على التقرير الذي قدمه فيما بعد بيتادجيس إلى وحدة مكافحة غسل الأموال.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قال مفوض العدالة بالاتحاد الأوروبي إنه يفكر بتحرك قانوني لوقف بيع قبرص جنسيتها، وذلك بعد تحقيق نشرته قناة الجزيرة كشف عن عشرات “المجرمين” الذين اشتروا جوازات سفر قبرصية ضمن برنامج التأشيرة الذهبية.

28/8/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة