صحيفة لاستامبا الإيطالية: الأزمة الليبية وفرصة أوروبا الأخيرة

وزير الداخلية الإيطالي الأسبق ماركو مينيتي (رويترز)
وزير الداخلية الإيطالي الأسبق ماركو مينيتي (رويترز)

أجرت صحيفة لاستامبا الإيطالية حوارا مع وزير الداخلية الإيطالي الأسبق والعضو البارز في الحزب الديمقراطي الحاكم ماركو مينيتي، نشرته أمس تحت عنوان "مينيتي: الأزمة الليبية وفرصة أوروبا الأخيرة لأن إيطاليا لم تعد كافية".

منذ بدء حوارنا مع وزير الداخلية الأسبق ماركو مينيتي، وبعد تمعّن طويل في قضية اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني ومرورا بالقتال الدائر في مدينة سرت، توقف وزير الداخلية الإيطالي ليزن عباراته ويختم الحوار بصوت منخفض كما لو كان يخشى دلالة تلك العبارات بالقول "من المحتمل أن نجد أنفسنا سريعا في وضع يُصبح فيه شرق ووسط البحر المتوسط، أي قبالة شواطئنا، مركزا لأزمة تتعرض فيها مصائر أمن العالم بأسره للخطر". وجاء في المقابلة ما يلي:

س: إذا كان هذا هو مستوى التحدي، فهل يبدو لك أن الأوروبيين الذين يستمرون في تبادل المضايقات لبعضهم بعضا بشأن ليبيا، قد استوعبوا أهمية وأبعاد الرهان الموجود على المحك الآن؟
ج: أعتقد بأنهم لا يزالون يمارسون دبلوماسية الإعلانات الرسمية التي يجري خلالها التفاوض على مضمون تلك البيانات، ليسارع تاليا بمفرده (وزير الداخلية الإيطالي الحالي) إلى ممارسة "دبلوماسية الباب الخلفي" المتباينة تماما مع ما تم الاتفاق عليه.

س: هل تعني فرنسا؟
ج: يتعيّن على جميع الأطراف -فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا- أن يستوعبوا حجم المسؤولية التي تقع على كاهلهم، لأن الأمر يستوجب الآن إجراء قفزة نوعية استثنائية.

س: بعبارات ملموسة، ما المقصود؟
ج: على سبيل المثال اختيار محاور أوروبي وحيد للملف الليبي لأن هذا سيكون بمثابة مؤشر على نهج أوروبي جديد سيُجبر كافة الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة الأخرى في المشهد الليبي على التعامل معه، وعلى تمرير رسالة أن أوروبا لم تتخل عن دورها التاريخي هناك.

س: لكن يبدو أن الكل قد صدح على هواه وغنى على مواله حتى الآن...
ج: إذا كنا نريد حقا وقف التصعيد يتوجب علينا الخروج من هذه الفوضى. ففي هذا العالم الذي تسود فيه أقطاب متعددة وتتنافس فيه قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا وتركيا، فإن أوروبا لا يمكن لها أن تسمح لنفسها بالتراجع عن مصالحها الصغيرة لأن ذلك سيعني النهاية وسيكون له انعكاسات سلبية داخلية قد لا تُحمد عقباها.

س: هل ينطبق هذا على إيطاليا أيضا؟ علما بأن وزير خارجيتنا لويجي دي مايو يقوم حاليا بجولة واسعة يتوقف فيها في بروكسل وإسطنبول والقاهرة والجزائر وتونس. هل سيؤدي ذلك إلى شيء ما؟
ج: إنني أقدر حقا الجهود التي يبذلها دي مايو لكن يتعيّن تقييم وزن إيطاليا في هذه الأزمة الليبية الراهنة بعد انكماش مبادرتها السياسية في الأشهر الأخيرة. وأخشى ألا يكون ممكنا استئناف الدور الذي كنّا نمارسه هناك في الماضي. لذا نحن بحاجة الآن إلى تغيير وتيرة عملنا. إن الموضوع الذي يتعيّن طرحه لم يعد دور إيطاليا في ليبيا ولكن دور أوروبا ككل.

س: من الذي تسبب في فقدان إيطاليا دورها التاريخي في ليبيا؟
ج: تقع المسؤولية الرئيسية على عاتق أولئك الذين استخدموا قضية الهجرة كنقطة إجماع داخلية لاستمالة أصوات الناخبين وكوسيلة لشق الصف داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي لأن ذلك قد أدى إلى عزل بلدنا وهشاشة مبادراته الدبلوماسية. والخطر الآن هو خسارة ليبيا نهائيا، الأمر الذي سيعني حدوث كارثة حقيقية بالنسبة لنا.

س: لماذا تعتبرها كارثة؟
ج: دعني أقول إن أهمية ليبيا بالنسبة لنا يتوجب تدريسها في كليات العلوم السياسية كمادة أساسية لإدراك أن جزءا أساسيا من مصالحنا الوطنية يوجد خارج حدود بلادنا. فبالنسبة لنا ولأوروبا أيضا، نحن نوجد الآن أمام ثلاثة تحديات أساسية. الأول متعلق بتيارات الهجرة وتدفق المهاجرين، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن الـ32 شخصا الذين أنزلتهم سفينة "آلان كوردي" الإنسانية أخيرا على ساحل بوتزاللو في جزيرة صقلية كانوا جميعهم من الليبيين الفارين من الحرب وليسوا من المهاجرين العابرين. ولذا فقد نواجه قريبا حالة طارئة استثنائية وخاصة إن كانت التقديرات التي تتحدث عن وجود 350 ألف نازح ليبي بسبب الحرب صحيحةً".

س: وما هما التحديان الآخران؟
ج: القضية الثانية هي تلك المتعلقة بموارد الطاقة وخاصة إذا أضفنا الأزمة الإيرانية إلى الليبية. لأن ذلك قد يحدث صدمة مشابهة لأزمة سبعينيات القرن الماضي. أما التحدي الأخير فهو يتعلق بقضية الإرهاب، فالمعركة الحاسمة تجري اليوم في مدينة سرت التي تذكرنا بوجود تنظيم الدولة الإسلامية سابقا قبالة سواحلنا، فهذه هي المرة الأولى التي ينتقل فيها التهديد ليستهدف بشكل مباشر مدينة مصراتة التي تولت في عام 2016 مهمة تحرير سرت. مع مفارقة هائلة هذه المرة تكمن في أن احتمال استخدام مصراتة لعناصر من مليشيات سورية راديكالية قد يزيد من خطر "التطرف" بشكل كبير.

س: في هذه الأثناء يلتقي في إسطنبول بوتين وأردوغان. يالطا ليبية؟
ج: بالضبط. لنتذكر ما حدث في شمال سوريا بعد هجوم تركيا على الأكراد. فقد تم حلّ الأزمة من خلال اتصال مباشر بين الروس والأتراك الأمر الذي عزز كلا الطرفين.

س: نموذج قابل للتكرار في ليبيا؟
ج: هذا هو الرهان الحقيقي للعبة. هل تسمح إيطاليا وأوروبا والغرب بأسره بتصدير النموذج السوري إلى ليبيا؟ جوابي هو لا. لأن تقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ سيعرض أمننا لخطر دراماتيكي.

س: إذن ما العمل؟
ج: دعني أعود إلى ما قلته في البداية. في المقام الأول يتوجب على الأوروبيين التجديف باتجاه واحد والتحدث بصوت واحد فقط. ولتحقيق القفزة النوعية اللازمة يتعين التغلب على حدود السنوات الماضية والشروع فورا في تعزيز التعاون الهيكلي في مجال الدفاع المشترك. فأمام أزمات تهدد توازناتنا الديمقراطية يجب على أوروبا أن تواجه مسألة محيطها ومصالحها الخارجية مع الالتزام على الدوام بمهمة الدفاع عن السلام وحقوق الإنسان.

س: هل تفكر في مهمة حفظ سلام أوروبية في ليبيا؟
ج: أنا لا أستبعد أي شيء لا سيما أننا نوجد بالفعل كقوة لحفظ السلام في كوسوفو والعراق ولبنان وأفغانستان. العالم يتغيّر ويجب على أوروبا أن تكتسب سريعا القدرة على اتخاذ القرار والتدخل والذهاب إلى مسارح معينة دون انتظار أحد.

المصدر : الصحافة الإيطالية