تساؤلات عن استبعاد تونس من مؤتمر برلين بشأن ليبيا

الرئيس التونسي خلال استقباله رئيس حكومة الوفاق فائز السراج ديسمبر/كانون الأول الماضي (مواقع التواصل)
الرئيس التونسي خلال استقباله رئيس حكومة الوفاق فائز السراج ديسمبر/كانون الأول الماضي (مواقع التواصل)
آمال الهلالي-تونس
 

على خلاف الجزائر، لم تحمل المكالمة الهاتفية التي أجرتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس التونسي قيس سعيد، دعوة رسمية للمشاركة في مؤتمر برلين بشأن ليبيا، مما خلّف تساؤلات عن أسباب استبعاد تونس المعنية بشكل مباشر بأي تداعيات عسكرية في هذا البلد الجار.

وكانت المكلفة بالاتصال برئاسة الجمهورية رشيدة النيفر قد أكدت عدم دعوة تونس لمؤتمر برلين، في مداخلة لها بالقناة الحكومية، مشيرة إلى أن موقف تونس المساند للشرعية الدولية كان يضغط باتجاه تشريك جميع الأطراف الليبية في المؤتمر، مع مواصلة المشاورات الدبلوماسية بين الجانبين التونسي والألماني.

وذكرت النيفر في السياق ذاته أن تونس كانت حريصة على أن تكون ممثلة في مؤتمر برلين منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأبلغت وزير الخارجية الألماني بذلك خلال لقائه بالرئيس قيس سعيد في الشهر ذاته، لكنها لا تعلم سبب عدم توجيه الدعوة. 

بالمقابل، أعلنت الرئاسة الجزائرية تلقي الرئيس المنتخب حديثا عبد المجيد تبون دعوة رسمية لحضور مؤتمر برلين، خلال اتصال هاتفي جمعه مع المستشارة الألمانية ميركل، رغم استبعاده سابقا من قائمة الحاضرين. 

وسبق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أكد خلال زيارته إلى تونس نهاية الشهر الماضي، أهمية إشراك تونس والجزائر وقطر في مؤتمر برلين، الذي دعيت له بالتوازي مصر والإمارات.

ميركل أجرت اتصالا بسعيّد تناول الأزمة الليبية (غيتي)

تغييب وتبريرات
واعتبر الدبلوماسي السابق أحمد ونيس في تصريح للجزيرة نت أن تغييب تونس عن مؤتمر برلين رغم العلاقات المتميزة بين الجانبين التونسي والألماني، قد يفهم منه وجود قناعة لدى الجانب الألماني بعدم وجود ضرورة لتوسيع دائرة الأطراف المشاركة في المؤتمر. 

لكنه لفت بالمقابل إلى أن الحضور الجزائري الذي ضغطت باتجاهه تركيا، يعود للموقف الرسمي الواضح لهذا البلد والذي خرج عن الحياد الدبلوماسي الذي أبدته تونس، بإظهاره موقفا علنيا معاديا من اللواء المتقاعد خليفة حفتر والوقوف مع حكومة الوفاق الليبية برئاسة فائز السراج.

وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت في بيان رسمي إثر لقاء جمع بين الرئيس الجزائري بنظيره الليبي فائز السراج، أن "طرابلس خط أحمر ترجو ألا يجتازه أحد". 

وطالبت الجزائر المجتمع الدولي ومجلس الأمن باحترام الشرعية الدولية، ووضع حد للتصعيد العسكري بليبيا، منددة بالمجزرة التي ارتكبتها قوات حفتر إثر قصف الكلية العسكرية بطرابلس الذي أدى لسقوط أكثر من 30 قتيلا، واصفة إياه "بالعمل الإجرامي الذي يرتقي لجريمة حرب". 

ونيس عزا أيضا تغييب تونس عن مؤتمر برلين لما أسماه غياب الاستقرار السياسي في البلد، بالتزامن مع تعثر تشكيل الحكومة المتواصل منذ أكثر من شهر، مما انعكس سلبا على الحضور الدبلوماسي التونسي بالخارج.

يثير توتر الوضع في ليبيا مخاوف الدول المجاورة (الأناضول)

عرقلة وعداء
ولم يستبعد الدبلوماسي ذاته، عرقلة دول عربية بعينها الحضور التونسي في برلين، بسبب عداء هذه الأنظمة الشديد للثورة الديمقراطية التونسية "التي باتت نموذجا ناجحا على خلاف باقي الثورات العربية، وسعي حكام هذه الأنظمة المتواصل لتحجيم دورها في العواصم الغربية خاصة"، حسب تعبيره. 

ولفت الدبلوماسي السابق إلى أهمية أن تبقى تونس على الموقف ذاته من جميع الأطراف الليبية المتقاتلة، وفرض الحل السياسي التفاوضي في تواصل لمبدأ الحياد الذي عرفته الدبلوماسية التونسية منذ عقود. 

وخلص إلى أن الحضور التركي في ليبيا قلب المعادلة السياسية والميدانية، وكان له الفضل في تحريك الساحة العالمية من خلال جلب انتباه القوى الكبرى للخطر المحدق في ليبيا.

وكانت تونس التي تسلمت مقعدها بمجلس الأمن، قد شاركت مساء الاثنين في الجلسة الطارئة للمجلس المنعقدة بطلب من الجمهورية التونسية والمملكة المتحدة وروسيا حول الأحداث الأخيرة في ليبيا، وبحضور الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة، بحسب بيان للخارجية التونسية. 

استنكار وتفسيرات
وعبرت تونس خلال الجلسة عن "استنكارها الشديد ورفضها المطلق لتواصل سفك دماء الليبيين، مشددة على ضرورة التحرك العاجل لمجلس الأمن لفرض احترام قراراته ذات الصلة بالشأن الليبي"، والدفع نحو تسوية سلمية سياسية للأزمة في ليبيا. 

ويذهب المحلل السياسي والمدير السابق لمعهد الدراسات الإستراتيجية، طارق الكحلاوي، إلى القول إن انطلاق مسار مؤتمر برلين كان يستهدف أساسا القوى الأجنبية المتداخلة عسكريا في ليبيا، وهو ما قد يعطي تفسيرا لاستبعاد تونس، لافتا إلى التراجع السلبي للدبلوماسية التونسية والفتور في العلاقة بالجار الليبي. 

وعن دعوة الجزائر، شدد الكحلاوي في تصريح للجزيرة نت على أن هذه الدولة استبعدت سابقا من حضور مؤتمر برلين، "لكن يبدو أن الضغوطات التي مارستها تركيا في سبيل تشريك هذا البلد قد آتت ثمارها"، حسب قوله. 

وأشار بالمقابل، إلى ضرورة عدم تهويل استبعاد تونس من هذا المؤتمر، مشككا في إمكانية انعقاده أصلا، في ظل عدم إعلان تاريخ محدد حتى اللحظة، وبالتوازي مع تسارع الأحداث والتطورات العسكرية على الميدان. 

غياب وامتعاض
وكانت وجوه سياسية ونخب فكرية قد عبرت عن امتعاضها من تغييب تونس عن حضور مؤتمر برلين، في وقت تتأهب فيه القوات العسكرية والمستشفيات بالجنوب التونسي الواقعة على الحدود مع ليبيا لأي طارئ. 

وذهبت آراء بعضهم إلى القول إن تونس تعيش اليوم عزلة دبلوماسية خانقة لم تعشها طيلة عقود، في حين تساءل آخرون عن جدوى وجود تونس كعضو غير دائم بمجلس الأمن وبصفتها رئيسا لمجلس الجامعة العربية.  

يشار إلى أن لقاء جمع بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي مساء أمس، جددا خلاله التأكيد على تمسك تونس بالشرعية الدولية في ليبيا، وعلى ضرورة إيجاد حل نابع من إرادة الشعب الليبي. 

المصدر : الجزيرة