الخطة الأميركية للسلام.. كيف تفاعل معها الداخل الإسرائيلي؟

إسرائيل تريد الاحتفاظ بالمستوطنات وعزل مناطق الضفة الغربية (الجزيرة)
إسرائيل تريد الاحتفاظ بالمستوطنات وعزل مناطق الضفة الغربية (الجزيرة)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

بدا المجتمع الإسرائيلي منقسما على ذاته بشأن "صفقة القرن" التي تتضمن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإحلال السلام في الشرق الأوسط، إذ أبدى كثيرون تأييدهم لخطة ترامب، في حين استبعد آخرون إمكانية أن تسهم الخطة في إنهاء الصراع مع الفلسطينيين.

وستحول خطة ترامب والوقائع التي تسابق إسرائيل الزمن لفرضها على أرض الواقع -وفي ظل انعدام وحدة الجغرافيا الفلسطينية- دون قدرة الشعب الفلسطيني على ممارسة حقوقه الأساسية وتقرير المصير بالحرية والاستقلال.

وسيبقى الفلسطينيون بموجب "صفقة القرن" رهائن لرغبات وممارسات وأهواء إسرائيل حتى في إدارة شؤون حياتهم اليومية والخدماتية مع انعدام القدرة للفلسطينيين على التأثير على مستقبلهم.

ورغم انحياز الخطة الأميركية إلى تل أبيب، فإن المواقف الإسرائيلية تباينت حيال الامتيازات التي منحها ترامب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باعتراف واشنطن بشرعية المستوطنات بالأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنحه الضوء الأخضر لضم أجزاء من الضفة وفرض السيادة على المستوطنات والأغوار.

وتعالت أصوات في معسكر اليمين وخاصة تيار الصهيونية الدينية وقادة المستوطنين المناهضة للخطة كونها تنص على تجميد المشروع الاستيطاني لأربع سنوات وتهدد "يهودية الدولة" وتمهد لدولة فلسطينية منزوعة السلاح، وعلى الجانب الآخر وما يسمى "اليسار الصهيوني" يرون أن الخطة تطيل الصراع وتنتهك المواثيق والقرارات الدولية وتنسف مبدأ حل الدولتين.

‪إسرائيل تتحكم بالفلسطينيين عبر المعابر منها "العرابة" الذي يربط الأغوار بمنطقة بيسان‬  (الجزيرة)

هدية وفرصة
ورغم السجال في معسكر اليمين حيال "صفقة القرن" والتحفظ على بعض من بنودها، يقول اللواء احتياط جرشون كوهين الباحث بمركز "بيغن السادات" للدراسات الإسرائيلية الإستراتيجية "من الواضح أن إسرائيل تواجه تقاطعا مصيريا تاريخيا، وتوجد بمرحلة مفصلية وفي وضع يمكنها من تحديد كيف ستتحقق هذه الفرصة التي لا رجعة فيها. في مثل هذه اللحظات يقال إن هناك من يشتري عالمه في ساعة واحدة وهناك من يفقد عالمه في ساعة واحدة".

ووفقا لكوهين، فإن التحول الذي أحدثه ترامب في النهج الأميركي تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمس جوهر الخلافات والنقاشات الإسرائيلية، ويحمل فرصة تاريخية فريدة، وأضاف "لقد تلقت إسرائيل هدية قيمة، وهي في وضع يمكنها من تحديد كيف ستحقق إمكاناتها".

من خلال هذه الخطة، قال الباحث الإسرائيلي للجزيرة نت "الإدارة الأميركية سعت إلى حل التزامها بأمن إسرائيل من خلال عدم مطالبتها بالدفاع عن ذاتها خارج حدود 1967، كما هو مطلوب في قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 1967. وهنا يكمن حجم خطة ترامب، الاعتراف بحق إسرائيل في الاحتفاظ بمساحات تتجاوز حدود 1967، وليس للأغراض الأمنية فقط".

مخالفة وانتهاك
في الجانب الحقوقي، وصف "بتسيلم" مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان بالأراضي المحتلة "صفقة القرن" بالجبنة السويسرية المليئة بالفراغات، بحيث إن ترامب قدم الجبنة لإسرائيل وفراغاتها للفلسطينيين، مؤكدا أن "صفقة القرن" تشرعن وتثبت بل وتعمق انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها إسرائيل خلال السنوات الـ 52 الماضية.

ستكرس "صفقة القرن" يقول حجاي إلعاد مدير عام "بتسيلم" "الاحتلال ونظام الأبرتهايد والفصل العنصري، على غرار ما كان في جنوب أفريقيا، حيث ستفرض خطة الإدارة الأميركية على الفلسطينيين العيش في غيتو وجيوب صغيرة دون أن أي تواصل جغرافي بين المحافظات والبلدات وتفكيك الحيز والبيئة الفلسطينية مع تثبيت الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية بين البحر والنهر".

كما أن شرعنة المستوطنات كما يقول إلعاد "ستمنح قرابة مليون مستوطن بالضفة الغربية والقدس المحتلتين الامتيازات والتمتع بالحقوق المدنية المكفولة لجميع المواطنين الإسرائيليين داخل الخط الأخضر، وبضمنها الحقوق السياسية الكاملة وحرية الحركة والتنقل، وكأنهم لا يقيمون في أراض فلسطينية محتلة".

وأوضح أن خطة ترامب ستحفز إسرائيل على مواصلة سلب الأراضي والموارد الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات والأغوار وشمال البحر الميت وحتى ضم المزيد من أراضي الضفة الغربية، والتمادي في الإجراءات ضد الشعب الفلسطيني في مخالفة تامة وانتهاكات لأحكام القانون الدولي.

سجال وانقسام
وتجلى السجال والانقسام في المجتمع الإسرائيلي في أول استطلاع رأي نشر، مساء الأربعاء، عقب الكشف والإعلان رسميا عن الخطة الأميركية، ووفقا للاستطلاع الذي أجرته القناة 12 الإسرائيلية، فإن 60% ممن يدعمون الخطة يعرفون ذاتهم على أنهم من معسكر اليمين.

وبدا التخبط واضحا في معسكر المركز واليسار الصهيوني، حيث انقسم المعسكر على ذاته بشأن خطة السلام، إذ أعرب 39% منهم عن تأييدها، في حين عارضها 44%.

ولم تتوقف "صفقة القرن" عند تباين المواقف في الشارع الإسرائيلي، بل كرس إعلان ترامب عن خطة إحلال السلام بالشرق الأوسط وإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الانقسام السياسي الذي يخيم على المشهد الانتخابي الإسرائيلي منذ انتخابات أبريل/نيسان 2019.

وأظهر الاستطلاع أن "صفقة القرن" وإن منحت مزيدا من الشعبية لشخص نتنياهو، إلا أنها لم تمكن معسكر اليمين من تعزيز قوته الانتخابية وحسم الانتخابات التي ستجري في الثاني من مارس/آذار المقبل، علما بأن تيارات مثل الصهيونية الدينية وقيادة المستوطنين المحسوبين على معسكر اليمين يعارضون بشدة خطة ترامب.

وبين الاستطلاع أنه رغم تقليص الفارق بالمقاعد بين حزب الليكود (يحصل على 32 مقعدا) وتحالف "أزرق أبيض" (يحصل على 35 مقعدا) إلا أن موازين القوى بين معسكري اليمين المتطرف والمركز واليسار الصهيوني بقيت على حالها دون تغييرات جوهرية وأظهرت التعادل بين المعسكرين بحصول كل معسكر على 56 مقعدا، في حين سيبقى حزب "يسرائيل بيتنو" برئاسة أفيغدور ليبرمان صاحب القول الفصل بحصوله على ثمانية مقاعد.

فصل وطمس
وقال آدم كلر الناطق بلسان "كتلة السلام" إن خطة ترامب ما هي إلا تكريس لنظام الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني، وتحفيز لتل أبيب بمواصلة الانتهاكات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والأغوار، ونزع الشرعية عن المواطنين العرب في إسرائيل والاستعداد لتجريدهم من كافة حقوقهم ونقلهم إلى سيادة لا تملك أي صلاحيات أو مقومات دولة.

وتساءل في حديثه للجزيرة نت: قد يقول البعض ما الذي تغير اليوم بعد الإعلان عن "صفقة القرن" لافتا إلى أن الواقع على الأرض يتميز بالفعل بالسيطرة الإسرائيلية الكاملة على كامل الأرض وجميع البشر البالغ تعدادهم 14 مليونا يعيشون بين البحر والنهر بينهم خمسة ملايين فلسطيني يعيشون بدون أي حقوق.

وأوضح الناطق بلسان "كتلة السلام" أن المتغير الجديد هو تكريس الأبرتهايد وتصفية القضية الفلسطينية ودعم البيت الأبيض للسياسات الإسرائيلية التي تتعارض والقرارات والمواثيق الدولية، إذ تمنح الخطة الأميركية إسرائيل الغطاء لإعلان عن دولة يهودية بين البحر والنهر وتأسيس دولة واحدة وغير ديمقراطية في جوهرها.

ويعتقد أن المتحول والتغير الرئيسي يكمن في حقيقة أن إسرائيل وإدارة ترامب تتخذان خطوات أخرى في توضيح عزمهما على إدامة هذا الواقع والفصل العنصري على حساب الوجود الفلسطيني الخاضع لسيطرة وسياسات وإملاءات وممارسات الحكومة الإسرائيلية التي تعمل على تعزيز سيادة اليهودي على حساب الفلسطيني والإبقاء على تفوق اليهودي وطمس الفلسطيني وحقوقه.

وعن المستقبل وواقع الشعب الفلسطيني في ظل الخطة الأميركية وتطلعات الحكومة الإسرائيلية، يقول كلر إن ما يقدم للفلسطينيين في الوقت الحالي ليس حقوقا أو دولة "بل هو نظام أبرتهايد وتمييز عنصري دائم".

واستبعد أن تسهم "صفقة القرن" في إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وإحلال سلام الشرق الأوسط.

المصدر : الجزيرة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة