أزمة الطيب والخشت ليست الأولى.. شيخ الأزهر تحت ضغط إعلام السيسي مجددا

سجال مستمر بين شيخ الأزهر أحمد الطيب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على خلفية قضية "تجديد الخطاب الديني (الجزيرة)
سجال مستمر بين شيخ الأزهر أحمد الطيب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على خلفية قضية "تجديد الخطاب الديني (الجزيرة)

محمد عبد الله-القاهرة

خمس سنوات هي عمر السجال بين شيخ الأزهر أحمد الطيب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على خلفية قضية "تجديد الخطاب الديني"، تخللها العديد من المواقف المتباينة التي عكست حجم التباعد بين مفهوم كل طرف عن التجديد وطبيعته، فضلا عن المناوشات السياسية.

وجاء السجال الذي دار بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة محمد الخشت، في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي، ليثير الهجوم مجددا على شيخ الأزهر من قبل مؤيدي نظام السيسي.

وبين الحين والآخر، يكرر السيسي نقده لما يعتبره تقاعسا من المؤسسات الدينية عن القيام بدور تجاه مسألة تجديد الخطاب الديني، فيما تسارع وسائل الإعلام -سواء التابعة للسلطة أو الموالية لها- إلى الهجوم على الأزهر شيخا ومشيخة.


دفع الطيب للاستقالة
كان السجال الأخير بين الطيب والخشت فرصة لإذكاء الهجوم الإعلامي مجددا، وسط توقعات بالضغط على شيخ الأزهر إعلاميا لتقديم استقالته، حيث انتقد البرلماني محمد أبو حامد المؤتمر ووصفه بالمحبط للغاية.

كما اتهم الصحفي والمذيع محمد الباز شيخ الأزهر بالتعامل بعداء وتعال مع رئيس جامعة القاهرة، ومع كل من يطرح رأيا يخالفه.

وانتقد المذيع خالد أبو بكر مفردات شيخ الأزهر ووصفها بأنها ثقيلة، وعبّر عن عدم ارتياحه للنقاش، خاصة أن حجم الرد كان يفوق الموقف، بحسب وصفه.

 
وبشأن الهجمة الإعلامية التي استهدفت شيخ الأزهر في اليوم التالي للسجال، قال مستشار وزير الأوقاف الأسبق الشيخ سلامة عبد القوي، إنه "ليس من المستغرب هذا الهجوم الممنهج الذي يتبناه إعلام العسكر، بعد منحهم الضوء الأخضر للتطاول على الأزهر وعلى تاريخه ورموزه وتراثه".

وأشار عبد القوي -في حديثه للجزيرة نت- إلى وجود تربص خلال السنوات الماضية بالأزهر وشيخه، مضيفا "وأتصور أنه لن يصمد كثيرا أمام الهجمات المتتالية والمتتابعة والممنهجة، وسيكون الكيل قد فاض، وسيخرج عن هدوئه المعتاد لدفعه للاستقالة والإطاحة به".


الأزهر أفلت من السيسي
وتعد السلطة الوحيدة التي لا يملكها الرئيس السيسي أو يسيطر عليها بشكل تام هي سلطة تعيين شيخ الأزهر أو عزله، بفضل تحصين المنصب بعد جهود حثيثة قادها الطيب لإقرار تعديلات بعض أحكام القانون رقم 103 لسنة 1961، المتعلقة بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها عام 2012.

ولا يترك السيسي مناسبة إلا يدعو فيها إلى ضرورة "تجديد الخطاب الديني"، محملا مشيخة الأزهر مسؤولية الاستجابة لدعوته التي صرّح بها في الأول من يناير/كانون الثاني 2015، خلال احتفال الدولة بالمولد النبوي الشريف، مطالبا بما وصفها بثورة دينية لتغيير المفاهيم الخاطئة.

في يونيو/حزيران 2016، أطلق الطيب "إستراتيجية الأزهر" في الإصلاحِ والتَجديد، والتي تتضمن 15 محورا، وتعتمد على وسائل التواصل الحديثة سواء من خلال  شبكات التواصل الاجتماعي أو المحطات الفضائية والصحف وغيرها.

لكنه لطالما اشتكى من إغلاق القنوات التلفزيونية والصحف أبوابها أمام الأزهر ومشايخه، مشيرا إلى أنه "كانت هناك حملة على الأزهر الشريف"، وأنها تصب في مصلحة "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية).

 
بدوره، أشاد الباحث والداعية الإسلامي مصطفى البدري بموقف الطيب، قائلا "موقف شيخ الأزهر جيد في الدفاع عن التراث الإسلامي، لكنه يحتاج لجهد كبير ومواقف أكثر قوة حتى يتطهر من لوثة وقوفه بجوار السيسي يوم انقلابه عام 2013".
 
ويبدو أن البدري كان يشير إلى مشاركة الطيب في الاجتماع الذي أعلن فيه السيسي -عندما كان وزيرا للدفاع- عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي وتعطيل الدستور، علما بأن كلمة الطيب التي ألقاها في ذلك الاجتماع اقتصرت فقط على تأييد الدعوة إلى انتخابات مبكرة كحل للأزمة السياسية.

وأضح البدري -في حديثه للجزيرة نت- أن الخشت يمثل السلطة السياسية التي تتبنى ثقافة تغريبية، أما الطيب فينبغي أن يمثل الأزهر بتاريخه وعراقته والذي يتوجب عليه حماية الفقه الإسلامي من التلاعب والعبث به، إضافة إلى استعادة دوره الجامع في الدفاع عن حقوق المسلمين في شتى بقاع الأرض.


كواليس الصراع
الخلاف بين الطيب والسيسي يعود إلى مواقف الأول الرافضة للعنف، والتي بدأت في أعقاب "أحداث الحرس الجمهوري" في 8 يوليو/تموز 2013، حين قتل الجيش عشرات المعارضين. فقد طالب الطيب بفتح تحقيق قضائي، وتشكيل لجنة للمصالحة الوطنية، وإطلاق سراح جميع المعتقلين.

وكانت المرة الثانية في أعقاب فض اعتصام معارضي الانقلاب في ميدان رابعة العدوية يوم 14 أغسطس/آب 2013 بالقوة، مما أدى إلى مقتل مئات الأشخاص، وأعلن الطيب حينها -في بيان صوتي- تبرؤه مما حدث، قبل أن يعتزل في مسقط رأسه بالأقصر.

وفي أعقاب تولي السيسي الحكم في منتصف 2014، برزت الخلافات على السطح، وتحولت المؤتمرات التي تجمع الرجلين إلى ساحات مقارعة تتسم بالشد والجذب والهجوم الصريح والتلميح، فضلا عن أزمات متتالية مثل أزمة تكفير تنظيم الدولة، حيث رفض شيخ الأزهر في 11 ديسمبر/كانون الأول 2014 تكفير التنظيم كما دعت وسائل الإعلام المحسوبة على النظام.

ومنذ ذلك الحين توالت الخلافات بين الجانبين، فكانت أزمة الخطبة الموحدة التي رفضها الأزهر، مرورا بدعوة السيسي لعدم اعتماد الطلاق الشفهي في يناير/كانون الثاني 2017، التي رفضها الأزهر أيضا.


تواصل الضغط
يرى أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية وصفي عاشور أبو زيد، أن الشيخ الطيب دافع في حواره عن التراث بشكل عام، وجاء كلامه قويا، لكن كان ينبغي عليه أن يوضح أن هذا التراث جهد بشري يؤخذ منه ويرد، ولكنه في الجملة تراث يجب أن يحترم ويقدر.

وأكد أبو زيد -في حديثه للجزيرة نت- أن الطيب كان يتحدث في منطقة آمنة لا يؤاخذ عليها سياسيا، ولكنه استدرك بالقول "سيظل الرجاء قائما أن يعتذر الشيخ عن وقوفه في مشهد الانقلاب، وما خلفه من آثار سلبية".

فيما قال الباحث في الحركات الإسلامية أحمد مولانا إن هذا الجدل حدث في ظل توجهات نظام السيسي لتفريغ الدين من مضمونه، وتطويعه لخدمة سياسات النظام، مشيرا إلى أن الخشت يتجاهل الأسباب الحقيقية لتخلف المسلمين، والتي يأتي على رأسها وجود أنظمة استبدادية تقمع الحريات وتعيق روح التجديد.

وأضاف مولانا -في حديثه للجزيرة نت- أن شيخ الأزهر لمس بعض الأسباب الحقيقية لتخلف العالم الإسلامي، ومن أبرزها التبعية للغرب، والتأخر الصناعي والتقني، وهي أمور لا ترتبط بالتراث قدر ارتباطها بالأنظمة الحاكمة وسياساتها، وتوقع أن تزداد الحملة الإعلامية المشوهة لشيخ الأزهر خلال الفترة القادمة سعيا للضغط عليه للاستقالة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

للمرة الثانية، يعقب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علنا على كلمة لشيخ الأزهر أحمد الطيب، حيث هاجم الطيب ظاهرة الإسلاموفوبيا، ليعقب السيسي بأن بعض تصرفات المسلمين كانت ذريعة لهذه الظاهرة.

2/6/2019
المزيد من ديني
الأكثر قراءة