نظام هجرة متشدد بعد "البريكست".. هذه مواصفات المهاجرين الذين تريدهم بريطانيا

متظاهرون أمام المقر الرئيسي لحملة بوريس جونسون يحتجون على تعهدات حزب المحافظين بنظام جديد للهجرة والتعليم (غيتي)
متظاهرون أمام المقر الرئيسي لحملة بوريس جونسون يحتجون على تعهدات حزب المحافظين بنظام جديد للهجرة والتعليم (غيتي)
 
بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوم 31 يناير/كانون الثاني الحالي ستغلق المملكة المتحدة أبوابها تدريجيا في وجه المهاجرين من مختلف مناطق العالم باعتمادها على نظام هجرة جديد، الهدف منه هو تقليص أعداد المهاجرين في البلاد، والتحكم في "الملفات" التي تريدها من خلال الاستناد على نظام النقاط والمعايير، وهو مشابه لنظام الهجرة الأسترالي.

"الناس قبل جواز السفر" هكذا وصف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون نظام الهجرة الجديد، الذي سيدخل حيز التنفيذ بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ويقصد بذلك أن الأوروبيين لن تصبح لديهم أي ميزة تفضيلية مقارنة ببقية المهاجرين، ويري جونسون أن نظام الهجرة الجديد "سيكون أكثر عدلا" في التعامل مع جميع المهاجرين بالمعايير نفسها.

ولعل رئيس الوزراء البريطاني لم يتحدث عن الوجه الآخر للقضية، الذي يقول إن النظام الجديد سيكون لصالح "الكفاءات" التي تحتاجها البلاد في قطاعات معينة مثل قطاع الصحة أو الخدمات المالية، أما المهاجرون من أصحاب الكفاءات المتوسطة فتوضع أمامهم الكثير من العراقيل، وفي أفضل الأحوال ستمنح لهم تأشيرة الإقامة لسنة واحدة قابلة للتجديد.

والهدف الرئيسي، الذي لا تخفيه الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ عهد رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون، هو التقليص من أعداد المهاجرين، وبالعودة لأرقام الوكالة الوطنية للإحصاء في بريطانيا سيظهر كيف أن توافد المهاجرين على البلاد بلغ مداه سنة 2015 عندما تجاوز سقف المهاجرين 350 ألفا، قبل أن يعود للتراجع التدريجي منذ 2016، وهي السنة التي صوت فيها البريطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبي.

وبالفعل منذ تلك السنة وأعداد المهاجرين في تراجع، لتنزل تحت سقف 300 ألف مهاجر خلال العام الماضي، ويبقى الهدف الرئيسي هو الوصول إلى 100 ألف مهاجر سنويا، وتستنجد الحكومة البريطانية بالنظام الأسترالي لتحقيق هذا الهدف.

نظام لا يخدم العرب
تدريجيا بدأت تظهر معالم نظام الهجرة الجديد الذي سيجري اعتماده في المملكة المتحدة، حيث سيكون على الراغبين في الحصول على هجرة العمل للبلاد توفير مجموعة من المعايير المهنية والعلمية والشخصية، وعبرها سيتم حساب نقاطهم، وبناء على هذه النقاط سيتم قبول طلب الهجرة من عدمه.

ومن بين هذه المعايير المستوى التعليمي، وإتقان اللغة الإنجليزية، والحصول على عقد كفالة من شركة بريطانية تضمن منح طالب اللجوء راتبا سنويا يعادل 27 ألف دولار، وطبيعة البلد القادم منه، وهذه النقطة بالذات ستكون في غير صالح المهاجرين العرب.

وستنظر مصالح الهجرة البريطانية في أصول المهاجر، فإن كان ينتمي لدولة تعرف اضطرابات أمنية وسياسية مثل الوضع في عدد من الدول في العالم العربي، فهذا سيؤثر على نقاطه، وبالتالي من حظوظه في الحصول على الموافقة لدخول المملكة المتحدة من أجل العمل. 

عامل آخر لن يكون في صالح المهاجرين العرب هو أن الوظائف التي تحتاجها بريطانيا بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي تتركز أساسا في قطاع الصحة، وأقرب المرشحين لنيل هذه الوظائف هم الأوروبيون، حيث وعد رئيس الوزراء بوريس جونسون بزيادة عدد الممرضات في المملكة المتحدة بأكثر من 50 ألفا خلال السنوات الثلاث المقبلة، مما يقلل من حظوظ المهاجرين الآخرين القادمين من دول أخرى.

وتصف مادلين سامسون مديرة مرصد الهجرة التابع لجامعة أكسفورد النظام البريطاني الجديد للهجرة بأنه نظام "الطريق الواحد"، أي أنه لن يكون أمام المهاجر أي خيار آخر سوى الاستجابة لكل الشروط والحصول على المعدل المطلوب.

الحد من المهاجرين
أصدرت اللجنة الاستشارية للهجرة والمكفول تقريرها النهائي الخاص بملامح نظام الهجرة الجديد في بريطانيا، وتأثيره على الاقتصاد في البلاد وتدفق المهاجرين إليها، وتجزم اللجنة بأن النظام الجديد سيؤدي إلى تراجع ملحوظ في عدد المهاجرين الوافدين على البلاد، محققا بذلك هدف بوريس جونسون. 

وتقول اللجنة إن لهذا النظام أوجها إيجابية عديدة تساهم في الرفع من مداخيل خزينة الدولة، بالنظر للرسوم التي سيدفعها كل راغب في الحصول على تأشيرة عمل في بريطانيا، وتقليل الضغط على الخدمات العامة من مدارس ومستشفيات ومجالس البلدية. 

في المقابل يتوقع تقرير اللجنة المكون من أكثر من 276 صفحة، أن يكون لهذا النظام الجديد تأثير سلبي على الاقتصاد البريطاني والنمو الديمغرافي في البلاد على المدى البعيد، ويقول التقرير إن من شروط الحفاظ على تنمية اقتصادية هو التوفر على كتلة بشرية مهمة وغالبيتها من الشباب، وفي حال تقليص عدد المهاجرين بعدد كبير فهذا سيؤدي لتراجع في النمو الديمغرافي.

وباستثناء الهدف الذي يسعى له حزب المحافظين وهو الوفاء بتعهده بالتحكم في تدفق المهاجرين، فإنه على المدى الإستراتيجي لن يكون لنظام الهجرة الجديد تأثير إيجابي على البلاد. 

وتشير تقديرات اللجنة الإستراتيجية للهجرة إلى أن النظام الجديد سيؤدي لارتفاع طفيف في نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام والإنتاجية العامة في البلاد، وأيضا نمو "بسيط" في المالية العمومية للمملكة المتحدة، والتقليص من الضغط على النظام الصحي والمساعدات الاجتماعية في البلاد.

ويبقى التأثير السلبي الكبير من وجهة نظر هذه اللجنة هو "التراجع الكبير في نشاط المشاريع الصغرى والمتاجر، وهو النشاط الذي يشتغل فيه المهاجرون بكثافة، وسيعرف تراجعا إذا استقدمت بريطانيا كفاءات عالية فقط".

وتظهر خلاصات اللجنة التي سيكون على الحكومة البريطانية النظر فيها، أن الكثير من المغالطات جرى ترويجها بخصوص الهجرة في بريطانيا، حيث تحولت إلى شماعة للكثير من الأزمات التي تعيشها البلاد خصوصا على الصعيد الاقتصادي.

المصدر : الجزيرة