موجة غضب بسبب غياب الردع.. "البراكاج" يروّع التونسيين

عناصر أمن في أحد شوارع تونس (مواقع تواصل)
عناصر أمن في أحد شوارع تونس (مواقع تواصل)

خميس بن بريك-تونس

تعيش تونس منذ فترة تفاقما في عمليات السطو (البراكاج) طالت أماكن عمومية ووسائل نقل إلى درجة أن بعض المحامين أعلنوا رفض الدفاع عن الضالعين في هذا النوع من الجريمة. وأرجع باحثون أسباب تصاعد حدتها إلى تغيرات اجتماعية مرتبطة بضعف الدولة وعدم الخوف من القانون.

ولا يكاد يمرّ يوم دون تناقل أخبار السطو المسلح بالآلات الحادة من قبل منحرفين، حتى في وضح النهار. في مناطق شعبية مهمشة بل في أحياء راقية، مما خلق جوا من الرعب والخوف بين المواطنين.

وهزّت الرأي العام قبل أيام حادثة قتل ذهب ضحيتها رقيب في الجيش، بعد محاولة منحرفين الاستيلاء على هاتفه في عربة "المترو" الذي يجوب شبكة من المحطات الموزعة في قلب العاصمة.

رحلات خطرة
وتحولت عربات "المترو" والقطارات والحافلات وِجهة مفضلة للمنحرفين والمتحرشين وباتت مسرحا للسرقة والنهب والسطو والتحرش.

‪بعض الموقوفين في عمليات السطو بأحد المراكز الأمنية‬ (مواقع تواصل)

وتعرض صحفي بحي النصر -أرقى أحياء العاصمة- للاعتداء بهدف السطو على هاتفه. وقال الصحفي لسعد بن عاشور إنه اشتكى إلى مركز الشرطة بتلك المنطقة، لكن الضابط لم يحرك ساكنا.

كما تعرضت محامية -منذ أيام وفي وضح النهار بمنطقة المنار الراقية بالعاصمة- إلى اعتداء بالطريق العام كاد يفقأ عينها اليسرى، بعدما عمد منحرفون إلى نزع حقيبة يدها وانهالوا عليها ضربا ثم لاذوا بالفرار. 

غضب المحامين
وردا على ذلك الاعتداء قرّرت مجموعة من المحامين مقاطعة الدفاع عن المتهمين الضالعين بأعمال النهب والسطو. ويقول المحامي أنيس بن ميم للجزيرة نت، إن هذا القرار ليس ملزما لكل المحامين، لكنه يعبر عن موقف جماعي لمحامين متعددين يرفضون العنف.

وكانت عمادة المحاماة شددت على ضرورة توفير ظروف المحاكمة العادلة لكل المتهمين مهما كانت نوعية جرائمهم، لكن المحامي أنيس بن ميم يقول إن العمادة تحدثت عن رسالة المحاماة بشكل عام، بينما يبقى لكل محام الحق والحرية المطلقة في اختيار الشخص الذي ينوبه.

وأكد أن هناك توجها لدى كثير من المحامين لرفض الترافع عن المتهمين بهذه الجرائم التي قال إنها تنامت بشكل غير مسبوق. واعتبر أن المحاماة ليست مهنة استرزاق من الدفاع عن الجرائم التي "تتغذى من ضعف الدولة وانتشار الفقر والانقطاع المدرسي والمخدرات".

وبحسب التقرير السنوي حول العنف الذي نشره أمس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، احتل العنف الإجرامي المركز الأول في قائمة الجرائم بنسبة 36.3%. وكانت محافظة تونس العاصمة على رأس المحافظات الأكثر عنفا بـ13.42%.

ضعف الدولة
ويؤشر ارتفاع وتواتر الجرائم من عمليات السطو في الأماكن العامة وخاصة في وسائل النقل العمومي إلى حالة من عدم الخوف من القانون وعن تغيرات اجتماعية مرتبطة بضعف الدولة، وإلى نوع من النقمة الاجتماعية على الأوضاع والانسداد في الأفق، بحسب مراقبين.

وتقول الباحثة بعلم الاجتماع فتحية السعيدي للجزيرة نت، إن أغلب تلك الجرائم ارتكبها شباب معطل عن العمل توجهوا نحو الانحراف ونحو تكوين شبكات سطو ونشل، وهذا -برأيها- دليل ليس فقط على انعدام الأمن بل على حالة من العبثية التي لا تعطي أهمية للقانون.

وترى أن ما يحدث اليوم مرتبط بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحالة الانسداد السياسي التي انعكست سلبا على أداء كل الإدارات، مما يعطي انطباعا عن غياب للدولة وللردع، مما يجعل الفضاء العمومي فضاء مستباحا من كل المارقين على القانون، حسب رأيها.

‪إحدى دوريات الأمن تجوب الشوارع في العاصمة تونس‬  (مواقع تواصل)

ومن وجهة نظر الخبيرة، تلج تونس مرحلة جديدة سمتها الأساسية هي العنف المنظم من قبل جماعات هامشية خلقت مجتمعا موازيا، وبدأت تتشكل وتتكون نتيجة طبيعية للبطالة والتهميش مقابل انعدام سياسات عمومية تتجه لمعالجة وضع التهميش والهامشية.

ولا تعتقد أن تفاقم عمليات السطو تأتي نتيجة وجود خلل أمني في محاربة الجريمة جراء الانكباب أكثر على مقاومة الإرهاب، معتبرة أن العنف والجريمة يحيلان على الإرهاب بصفته حالة قصوى، وهو ما يتطلب سن التشريعات الضرورية لحماية الأمنيين أثناء أدائهم مهامهم.

وتطالب النقابات الأمنية المتعددة البرلمان بتمرير مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة حتى لا يتم تحميلهم مسؤولية مجابهة الجرائم، لكن تَضمنه بعض الفصول الفضفاضة جعل المنظمات الحقوقية المتعددة تحذر من المصادقة عليه بدعوى أنه سيعيد دولة البوليس.

ثقافة العنف
من جهته، يقول الباحث الاجتماعي سامي نصر للجزيرة.نت، إن نسبة الجرائم العنيفة ارتفعت بنسبة 70%، مرجعا تفاقهما إلى عوامل متعددة، مبينا أن الجريمة في تونس "مرت من مرحلة الظاهرة الاجتماعية لمرحلة الثقافة العنيفة وهي من أخطر المراحل التي يعيشها المجتمع".

ويرى أنه عندما تمرّ الجريمة من الظاهرة الاجتماعية إلى مستوى الثقافة، فإنه مهما تم من اتخاذ الإجراءات من السلطات الأمنية والقضائية لا يمكن حل الإشكال، مضيفا أن القوات الأمنية والسلطات القضائية أصبحتا ذواتي أعباء كبيرة استنزفت قواتهما وجعلتهما غير قادرتين على التفرغ.

‪جانب من لقاء الرئيس التونسي قيس سعيد (يمين) وزير الداخلية هشام الفوراتي‬  (مواقع تواصل)

وحسب رأيه، يعود جزء مهم من ارتفاع منسوب حوادث السطو والعنف إلى تلاشي هيبة الأمن وضعف أجهزة الدولة مقابل ارتفاع حجم الانفلات والتسيب الذي آل إليه المجتمع بعد الثورة، خاصة بسبب اصطدام جزء كبير من التونسيين بخيبة أمل نتيجة الوعود السياسية الزائفة.

وتعذر على الجزيرة نت التواصل مع المتحدث باسم وزارة الداخلية خالد الحيوني للتعليق على الموضوع، لكنه أكد في تصريحات إعلامية نجاح مختلف الوحدات الأمنية في محاربة الجريمة المنظمة والإرهاب والقبض على مطلوبين كثر، معتبرا أن الحديث عن ارتفاع منسوب الجرائم مجانب للحقيقة.

يشار إلى أن الرئيس التونسي قيس سعيد التقى يوم الخميس وزير الداخلية هشام الفوراتي وطلب منه تعزيز الإجراءات للحد من تفشي عمليات السطو والضرب بيد من حديد لاستئصال الظاهرة. وشدد الرئيس على وجوب توفير الأمن وبث الطمأنينة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عزا خبراء اجتماعيون ومحللون انخراط جزء من شباب تونس بتنظيمات متطرفة لأسباب منها التفكك الأسري والمجتمعي وهشاشة النضج وانسداد الأفق وغياب الحلول.

أعلنت السلطات التونسية صباح اليوم مقتل رجل أمن ذبحا والقبض على تسعة أشخاص وصفتهم بأنهم تكفيريون يشتبه في ضلوعهم في العملية، بمنطقة الفحص من محافظة زغوان وسط البلاد.

نفت السلطات التونسية أن تكون عملية اختطاف سائحيْن نمساويين قبل أيام وهي التي تبناها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في تسجيل بثته الجزيرة قد جرت داخل التراب التونسي. في الأثناء قالت فيينا إنها تحقق في تبني القاعدة لعملية الاختطاف.

المزيد من جريمة منظمة
الأكثر قراءة