دبلوماسي أميركي سابق: الشرق الأوسط لم يعد يستحق عناء أميركا

حث مارتن إنديك مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق واشنطن على التخلي عن "طموحاتها الكبرى" في الشرق الأوسط، قائلا إن المنطقة لم تعد تستحق كل هذا العناء.

وأشار في مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن الولايات المتحدة كانت على وشك خوض حرب أخرى في المنطقة مع إيران.

وقال إنديك -الذي يعمل حاليا باحثا متميزا في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي- إن واشنطن كانت على أهبة الاستعداد للدخول في مواجهة شاملة مع طهران لو أن انتقام الأخيرة من الإدارة الأميركية بسبب قتلها الجنرال قاسم سليماني أسفر عن سقوط كثير من الضحايا الأميركيين.

وتساءل الكاتب الذي عمل في السابق مبعوثا خاصا للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وسفيرا للولايات المتحدة لدى إسرائيل، عن السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تعود دوما إلى منطقة الشرق الأوسط.

منطقة مضطربة
كما تساءل عن المبررات التي تجعل واشنطن عالقة على الدوام بين الرغبة في إنهاء وجودها العسكري في الشرق الأوسط، والنزوع نحو خوض غمار حرب أخرى في تلك "المنطقة المضطربة".

وقال إنه مستغرب من عجز الإدارتين الأميركيتين السابقتين عن إيجاد حل لتلك المعضلة، مشيرا إلى أن من تولوا رئاسة الولايات المتحدة من الحزبين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي) فيما مضى كانوا على دراية واسعة بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط ومدى حيويتها بالنسبة لهم، مما يجعلها تستحق أن تضع حياة الأميركيين وموارد بلدهم على المحك من أجل إقرار السلام وشن حرب إذا دعت الضرورة لذلك.

وبينما تظل القوات الأميركية في وضع خطر اليوم في كل من العراق وأفغانستان مع تفاقم التوتر مع إيران، ما زال الأميركيون منهكين من الحروب، بحسب مارتن إنديك.

ورغم ذلك -يستطرد الكاتب- فإن ثمة سببا وجيها يحول دون توافق الأميركيين أو يجعلهم عاجزين عن تبني سياسة ثابتة في الشرق الأوسط، ألا وهو قلة المصالح الحيوية الأميركية المعرضة للخطر في الشرق الأوسط.

ويكمن التحدي الماثل الآن، من الناحيتين السياسية والدبلوماسية، في استخلاص النتائج الضرورية من تلك الحقيقة.

مسؤولية ونفط
ووفقا لإنديك، فإن الرئيس دونالد ترامب -شأنه شأن سلفه باراك أوباما- بدأ يدرك مدى صعوبة التكيف مع هذا الواقع. فقد أعلن قبل أربعة أشهر أنه ليس من مسؤولية الولايات المتحدة حماية منشآت النفط السعودية في أعقاب الهجوم الإيراني عليها الذي قلص إنتاج المملكة بأكثر من النصف.

لكن ترامب أرسل بعد ذلك 14 ألف جندي أميركي إضافي وحاملة طائرات مع مجموعة سفن إلى منطقة الخليج العربي، كانت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) تفضل نشرها في بحر جنوب الصين للتصدي للخطر الأهم القادم من الصين.

ويمضي إنديك في رصده لتصرفات الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط ليشير إلى أن المهمة الجديدة للقوات الأميركية المنتشرة في سوريا وفق التعديل الذي أجراه ترامب عليها، هي حماية حقول النفط هناك.

على أن المسؤول الأميركي السابق يرى أن التضارب بين الغايات التي تنشدها واشنطن في سوريا وبين الوسائل اللازمة لتحقيقها يبقى دون حل.

ويقول المبعوث السابق إلى الشرق الأوسط إن البعض يعزو حالة "الإقبال والإدبار" هذه إلى التناقض في السياسات المتبعة في عهد ترامب، أو إلى التعارض القائم بين نزعة ترامب نحو فك الارتباط مع الشرق الأوسط ودوافع المتشددين من أقرب مستشاريه، أمثال وزير الخارجية مايك بومبيو والسيناتور ليندسي غراهام ومستشار الأمن السابق للأمن القومي جون بولتون.

مظاهرات وديمقراطية
ولا تقتصر هذه الحالة على الإدارة الحالية، فقد كانت هناك تناقضات مماثلة في عهد سلفه باراك أوباما الذي بدا حينها عازما على إنهاء "الحروب الأبدية" في الشرق الأوسط وتجنب التورط في حروب جديدة.

ولم يستطع أوباما مقاومة الرغبة في المطالبة بالإطاحة بالأنظمة الحاكمة في مصر وليبيا وسوريا التي كانت تشهد مظاهرات منادية بالديمقراطية إبان ثورات الربيع العربي في عام 2011. ورغم ذلك، لم يكن لديه عزم لاستغلال الموارد الأميركية من أجل تحقيق تلك الرغبة.

وفي خضم هذا التذبذب في المواقف تكمن الحقيقة في عالم اليوم وهي أن هناك "تحولا بنيويا" في المصالح الأميركية بالشرق الأوسط، تحول تواجه فيه واشنطن وقتا عصيبا للاعتراف به.

لقد كانت للولايات المتحدة في الماضي أولويتان واضحتان في المنطقة تتمثل في الحرص على استمرار تدفق نفط الخليج بأسعار مناسبة، وضمان أمن إسرائيل. غير أن الاقتصاد الأميركي لم يعد يعتمد على النفط المستورد بعد أن تحولت الولايات المتحدة إلى دولة مصدرة للنفط والغاز الطبيعي.

ومع ذلك فقد ثبت أن الاقتصاد العالمي -ومن ثم الاقتصاد الأميركي- سيصاب بضرر من حدوث عرقلة كبيرة لإمدادات النفط من الخليج.

سلام وإسرائيل
أما إسرائيل فلا تزال في صلب الاهتمام القومي الأميركي دعما لأمن "الدولة اليهودية، إذ لم يعد مسألة بقائها موضع شك"، على حد تعبير مارتن إنديك.

ولفت الكاتب إلى أن إسرائيل تتمتع اليوم بما سماها علاقات إستراتيجية مع "دول عربية سنية رائدة" -مثل السعودية ومصر ودول أخرى- أفضل من تلك التي تربط تلك البلدان مع بعضها بعضا.

وأردف قائلا إن ذلك يحدث في ظل عدم وجود أي تقدم في قضية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

أما القضية الأخرى ضمن قضايا الأمن القومي الأميركي فتتعلق بالإرهاب وعلى رأسه الخطر الذي يشكله تنظيما الدولة الإسلامية والقاعدة في المنطقة. وفي هذا الصدد، يرى إنديك أن التحدي القائم يتمثل في التصدي لفلول التنظيمين بعد القضاء على "خلافة" تنظيم الدولة.

ويعتقد الكاتب أن دحر تلك الفلول يمكن أن يتحقق بعدد محدود من القوات الأميركية بالتعاون الوثيق مع الشركاء المحليين في العراق وأكراد سوريا ودول التحالف الدولي المناهض لتنظيم الدولة.

ويبقى برنامج إيران النووي قضية حيوية من قضايا الأمن القومي الأميركي التي قد تدفع الولايات المتحدة للجوء إلى الحرب.

طموح إيران
ويستدرك إنديك قائلا إنه يتعين توخي الحذر إزاء من يندفعون نحو إعلان التأهب للقتال ضد إيران.

إن كبح جماح طموحات إيران النووية الرامية للهيمنة على المنطقة يتطلب من أميركا المثابرة في تبني الدبلوماسية وسيلة لذلك لا الحرب، برأي إنديك.

ويخلص إلى القول إن أميركا لا يمكنها إدارة ظهرها للشرق الأوسط "مهد اليهودية والمسيحية والإسلام، وموطن الاحتياطات الهائلة من النفط وساحة التباري الكبير بين القوى الطامحة وتلك الراسخة".

وستظل منطقة الشرق الأوسط -بنظر إنديك- تأسر الأميركيين، لافتا إلى أن الوقت قد حان لتجنب "حروب لا تنتهي أبدا" والتخلي عن تحقيق أهداف كبرى -مثل طرد إيران من سوريا أو الإطاحة بحكم الملالي أو حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني- لصالح "غايات أكثر محدودية يمكن بلوغها بوسائل أكثر تواضعا".

المصدر : الجزيرة + وول ستريت جورنال

حول هذه القصة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة